أردوغان وحزبه.. هل ما يزال الرهان على قاعدتهما الدينية مجدياً؟

أردوغان وحزبه.. هل ما يزال الرهان على قاعدتهما الدينية مجدياً؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
23/04/2019

ترجمة: مدني قصري


في محاولة أخيرة للطعن في نتائج الانتخابات؛ أطلق حزب "العدالة والتنمية" التركي إجراءات جنائية، متّهماً حركة غولن بالوقوف وراء التزوير، الأمر الذي أفاد المرشح الناجح، لكن من غير المرجح أن تنجح هذه المشاحنات الخاسرة، إنّ تنظيم انتخابات جديدة لا يخلو بالفعل من خطر على الحزب في السلطة؛ لأنّه يمكن أن يزيد من تعبئة المعارضة ويشجعها على أن تجعل من إجراء انتخابات جديدة، تصويتاً استفتائياً ضد نظام أردوغان.

اقرأ أيضاً: داوود أوغلو يُهاجم أردوغان
الرئيس التركي، الذي أبطل الانتخابات في إسطنبول؛ هل هو حقاً غير قابل للتفكيك؟ تُكرّس الصحفية أريان بونزون، المقيمة منذ فترة طويلة في تركيا، كتابَها الأخير لِلَحظة أردوغان التي تريد الخلود، وتُفكك الوضعَ السياسي في تركيا.
نكسة الانتخابات البلدية

غلاف كتاب "تركيا: ساعة الحقيقة"
*سجل حزب أردوغان، "العدالة والتنمية"، أوّل هزيمة له في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما هي أسباب هذه النكسة؟

أوّلاً: إنها هزيمة نسبية، يبقى حزبُ العدالة والتنمية أكبر حزب سياسي في تركيا، من حيث الأصوات، ما يزال عند المستوى نفسه تقريباً (44٪)، كما في الانتخابات البلدية السابقة، ويحتفظ بغالبية المجالس البلدية لمعظم المدن الكبرى، في أنقرة وإسطنبول على وجه الخصوص، التي فقَدَ فيها البلدية، وبذلك يحتفظ الحزب في السلطة بقوة العرقلة والإعاقة، بما في ذلك على مستوى إدارة صناديق الأموال المخصصة للبلديات.

كانت خسارة إسطنبول صدمة حقيقية لأردوغان لأنه منذ 25 عاماً وهو يبني نهجه من العاصمة العثمانية السابقة

في المقابل؛ كانت خسارة إسطنبول صدمة حقيقية للرئيس التركي، أردوغان؛ لأنه منذ 25 عاماً، وهو يبني نهجه السياسي والاقتصادي، والديني والإيديولوجي، انطلاقاً من العاصمة العثمانية السابقة، إسطنبول هي المرجع، والعلامة الأساسية لأردوغان، فكون أنّ حِصانه الأول قد تكبّد الهزيمة يشكل إذاً تحذيراً له، لا شكّ فيه، هو الذي شخّص بقوة الحملة الانتخابية.
إنّي أرى أنّ هناك رفضاً مزدوجاً لأردوغان: رفض السياسة الاقتصادية (لا ننسى أن إسطنبول هي العاصمة الاقتصادية) بقيادة الرئيس التركي، مما أدى إلى تمزق العقد الاجتماعي الأولي، القائم على النمو، بين شعبه وبينه، ورفضٌ لخطابه الاستقطابي (الخير، الشر، هُم، نحن)؛ وهو الخطاب الذي انتهج اتجاهَه المعاكس حزبُ الشعب الجمهوري (CHP)، الذي يتبنى في بعض الأحيان نبرات "السلام والمحبة".

اقرأ أيضاً: هزيمة إسطنبول كشفت نقاط ضعف أردوغان
وعلاوة على ذلك؛ فإنّ إصلاح القانون الانتخابي، وسلسلة من التلاعبات، وكذلك تعبئة موارد الدولة المالية لصالح الحزب الحاكم، ما فتئت تُضعِف شرعية الانتخابات في الأعوام الأخيرة، ورغم ذلك؛ لم يستسلم الناخبون الأتراك للأوتوقراطية؛ أي لِحُكم الفرد المطلق، الطموح الديمقراطي حيويّ للغاية في تركيا، لكن حزب العدالة والتنمية وأردوغان يسعيان لإبطال انتصار المعارضة في إسطنبول؛ لذلك إذا تمّ إجراء انتخابات جديدة، فقد يخسر الرئيس وحزبه المزيد من رصيدهما وشرعيّتهما.

إكرام إيماموغلو الفائز في انتخابات مدينة إسطنبول

*لجعل الناس ينسون خيبة الأمل الاقتصادية، هل يمكن لأردوغان اللعب على المزيد من الأوتار الدينية ووضع الشريعة في قلب الدستور؟

لديه ما هو أفضل وأكثر توافقية: التذرع بـ"الإمبريالية الاقتصادية الأمريكية والغربية"، و"مؤامرة قوى المال"، و"أسعار الفائدة"، وهي الموضوعات التي تجد صدى قوياً لدى المسلمين الأتقياء وعند بعض النشطاء السياديّين اليساريين.
في المقابل؛ يواجه أردوغان وحزبه مشكلة قليلاً ما يتم الحديث عنها؛ لأنه من الصعب استيعابها، ألا وهي انفجار قاعدتهما الدينية؛ "حزب الرفاه"، وهو مع ذلك حزب إسلامي، أسسه نجم الدين أربكان، انتقل إلى المعارضة، والعديد من أتباع Cemaat (المجتمع، شبكة الإمام فتح الله غولان) أيضاً، ولو سألنا هؤلاء الناشطين، فسيقولون: إنّ أردوغان .. يرغب في منحهم تعهدات، ومع ذلك؛ فإنّ العلمانية على الطريقة التركية (السيطرة على المسجد من قبل الدولة وليس فصل المسجد عن الدولة)، تمنحه بالفعل جميعَ الأدوات لجعل السنة دينَ الدولة، وهو ما لا يمنحه حقاً الحاجة إلى إدراج الشريعة في الدستور، فإذا فعل أردوغان ذلك فسيكون ذلك لأسباب تتعلق بديمومته السياسية، وليس بدافع اليقين والإيمان.
*هل لدى المعارضة العلمانية، المدعومة من الحزب الكردي الديمقراطي، فرصة لإعادة بناء نفسها؟
المرجعيات الدينية، أي الإسلام، أصبح لها، من الآن فصاعداً، مكانها في الخطب السياسية لدى جميع الأحزاب، بما في ذلك المعارضة، لدى حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطية، اليسار التركي الكردي، المدافع عن حكم ذاتي كردي، وهذا يمثل أحد الانتصارات العظيمة لحزب العدالة والتنمية وقائده: لقد نجحوا في جعل مرجعية الإسلام أمراً لا مفرّ منه، لقد أدرك حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطية، أنه لم يعد بإمكانهما "الاستغناء عن هذه المرجعية" الدينية...

إصلاح القانون الانتخابي وسلسلة التلاعبات وتعبئة موارد الدولة المالية لصالح الحزب الحاكم أضعفت شرعية الانتخابات الأخيرة

لذلك؛ فمن أجل تشكيل جبهة معارضة علمانية، سيتعيّن أولاً أن تتّفق الأحزاب حول استخدام المراجع الدينية في الخطاب السياسي، وقبل كلّ شيء؛ أن تتفق على ما يجب أن تكون عليه العلمانية التركية، وهذا ليس هو الحال حالياً، لكن يمكننا بالفعل التفكير بأنّ حزب الشعوب الديمقراطي سيكون الحزب الأكثر احتمالاً لإعادة التفكير في العلمانية التركية، بمعنى العلمانية التي تمنح للجميع، السنّة والعلويين واليهود، والأرمن الكاثوليك أو البروتستانت، والأرثوذكس اليونانيين، الحقوق نفسها.
الركود الاقتصادي وساعة الحقيقة
الصحفية أريان بونزون مؤلفة كتاب "تركيا ساعة الحقيقة"

*لقد ذكرتِ في كتابك "تركيا: ساعة الحقيقة" مختلف السيناريوهات الممكنة؛ إلى أي مدى يمكن أن يذهب أردوغان؟ ما هي الآجال الانتخابية المقبلة، وهل هناك فرصة لسقوطه؟
ظهرت هذه الاتهامات بالفساد عام 2013، في سياق خاص للغاية من الصراع بين الغولانيين وأردوغان، إنّ ما كان على المحكّ هو سيطرة جهاز الدولة الذي اتخذ فيه الغولينيون مناصب رئيسة (في أقسام الموارد البشرية وتكنولوجيا المعلومات، وكذلك في العدالة والشرطة على وجه الخصوص)، إذا لم نضع ذلك جيداً في الاعتبار، أي هذه المعركة الشرسة في المعسكر الإسلامي، فلن نفهم ما حدث في الأعوام الأخيرة في تركيا، دلائل الفساد المقدَّمة كانت تستند إلى عمليات التنصت ووثائق سرية زُعِم أنّها قُدِّمت من قِبل الغُولانيين.

يواجه أردوغان وحزبه مشكلة قليلاً ما يتم الحديث عنها لأنه من الصعب استيعابها ألا وهي انفجار قاعدتهما الدينية

في الوقت الحالي؛ تمت مصادرة التحقيق القضائي، هل سيُعاد فتحُ التحقيق إذا فقد أردوغان السلطة؟ إنّ ما هو مؤكد هو أنّ هذا الأخير يتمتّع الآن بحصانة معزّزة منذ تنفيذ الإصلاح الدستوري الذي تمّ التصديق عليه بالاستفتاء، العام 2017، بالتالي سيكون من الصعب إعادة إطلاق هذه العملية من جديد، أمام أردوغان أربعة أعوام دون تحديدٍ لموعدٍ نهائي للانتخابات، أي بعبارة أخرى، خمسة أعوام، لإعادة تشكيل المجتمع، وإعادة كتابة التاريخ، وبناء الإنسان الجديد الذي يطمح إليه، أي باختصار، أن يصبح بذلك جاهزاً لأن يجعل العام 2023 ليس موعداً للاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس جمهورية تركيا، مصطفى كمال، وحسب، وإنما أيضاً لانطلاق جمهورية جديدة من صُنع يده.
أولئك الذين يرغبون في رؤية سقوطه، قبل العام 2023، يمكنهم الاعتماد فقط على البرلمان، في الواقع؛ إذا كان 60٪ من النواب يشكلون جبهة موحّدة، فيمكنهم حلّ أنفسهم ذاتياً، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما يستدعي تلقائياً انتخابات رئاسية، علماً بأنّ الانتخابات يرتبط أحدهما بالثاني، وهذا من شأنه أن يعرّض ولاية أردوغان للخطر، لكن هذا يعني أنه يجب أن يكون ما يقرب من ثلثي النواب متّحِدين، والحال أنّ المعارضة لا تشكل حقاً جبهة موحدة، المسألة الكردية كسر عميق، فهذا ما يشكل  قوة أردوغان واستمراره في السلطة.


أسباب هذا الفشل كثيرة. لا شكّ في أنّ تدهور الوضع الاقتصادي هو التفسير الأول، عندما نعلم أنّ حزب العدالة والتنمية قد بنى لنفسه قاعدة انتخابية على هذه المكاسب الاقتصادية، التي جعلته يتوهم أنه قوة لا تُقهَر، لقد شهد الانخفاض المذهل لليرة التركية؛ أنّ الرئيس يطلب بشكل متكرر من مواطنيه أن يبيعوا عملاتهم الأجنبية، أو ذهبهم، لدعم العملة الوطنية، لقد انفجر التضخم في غضون عام، متجاوزاً عتبة 20٪ عدة مرات. أخيراً؛ بلغت البطالة الآن أكثر من 14٪، بل إنها تؤثر على الخرّيجين الشباب، وهو أمر جديد غير مسبوق.

اقرأ أيضاً: أردوغان الحائر بين تركيته وإخوانيته
أصبح مشروع الرئيس أردوغان الإسلامي القومي والاستبدادي غير متوافق مع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ينادي البعض، بمن فيهم الرئيس الفرنسي، بالخروج من النفاق؛ هل بدأت ساعة الحقيقة؟ الصراع مع الجيش، الوحدوية الكردية، الشبح الأرمني، النضال من أجل السيطرة على الدولة، الحرب في سوريا، الرضا عن داعش ومجاملته: القصص الفردية التي أوردتها الصحفية أريان بونزون، حول عقدين من الزمن/ ترسم معالم التحوّل التركي.

اقرأ أيضاً: كيف أفسد أردوغان العلاقات العربية التركية؟
هناك بالطبع الدور الحاسم الذي يلعبه الرقم الأول الشعبوي التركي، لكن على الصفحات، تظهر شخصيات أخرى ما تزال غير معروفة، وأصبحت مشهورة: هرانت دينك، الصحفي الأرمني الذي اغتيل، صلاح الدين ديميرتاش، الخصم الكردي، الجنرال العلماني جداً، كمال يافوز، فتح الله غولن، الحليف الإسلامي السابق، أحمد التان، الكاتب والصحفي، ...إلخ. تؤكد المؤلفة أيضاً على التأثير الذي يمكن أن يُحدثه الانجراف الاستبدادي لـ رجب طيب أردوغان في فرنسا، من خلال منابره داخل إسلام فرنسا، وكذلك الصدى الذي يتلقاه خطابه في مدن فرنسا، ولدى بعض الصحافيين الفرنسيين المغاربيين، أريان بونزون تعمل على تركيا؛ حيث كانت مراسلة لـ "أرتي وسليت"، بعد أن كانت تعمل في "جوهانسبرغ" و"القدس".


المصدر: marianne.net

الصفحة الرئيسية