أردوغان على خطى الحرس الثوري الإيراني في تجنيد الأطفال في ليبيا

أردوغان على خطى الحرس الثوري الإيراني في تجنيد الأطفال في ليبيا

مشاهدة

30/06/2020

في ظلّ تنامي الدور العسكري والميداني لتركيا في ليبيا، عبر الاستعانة بالمسلحين من المرتزقة السوريين، والميليشيات المصنفة ضمن المنظمات الإرهابية، حسبما كشفت الجهات الحقوقية، المحلية والأممية، فإنّ ظاهرة تجنيد الأطفال في جبهات القتال، وبؤر الصراع الإقليمي، على طريقة الحرس الثوري الإيراني، كما هو الحال في سوريا واليمن، تندرج ضمن جرائم الحرب التي يقوم بها نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، كما تضاف إلى الأدوار "المشبوهة" له في المنطقة، التي يسعى من خلالها إلى الحصول على ثرواتها من النفط في شرق المتوسط.

الأطفال في قبضة السلطان

قبل أيام قليلة، كشف المركز الليبي لحقوق الانسان، استهداف النظام التركي والعناصر المسلحة التابعة له للأطفال في دور الأيتام، بهدف تجنيدهم ونقلهم إلى جبهات الصراع العسكري في ليبيا، وذلك مقابل إغراءات مالية عديدة؛ إذ أوضح المركز الحقوقي أنّ الميليشيات التي تعمل إلى جانب حكومة الوفاق الليبية، المدعومة من أنقرة، تواصل عملية تجنيد الأطفال المنتشرين في مناطق مختلفة بليبيا، خاصة في مدينة مصراتة، مقابل مبالغ مالية، تصل لنحو 200 دولار.

من اللافت أنّ بعض المقاطع المصورة للأطفال تعكس خطاباً إسلامياً وتحريضياً متشدداً، وهو ما يكشف طبيعة الدور الذي يؤديه أردوغان في ليبيا كما فعل في سوريا

كما أوضح المرصد السوري لحقوق الإنسان، السبت الماضي، أنّ 417 من المرتزقة، الذين نقلتهم تركيا إلى ليبيا، قد قتلوا أثناء المعارك، ومن بينهم نحو 30 طفلاً؛ حيث شهدت الفترة الماضية تعبئة مجموعات جديدة من المرتزقة إلى ليبيا، في حين رجع نحو 2600 من المرتزقة إلى سوريا، مؤخراً.

وبحسب المرصد، بلغ عدد المرتزقة في ليبيا، حتى الآن، نحو 15 ألفاً، من بينهم نحو 300 طفلاً، تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، وغالبيتهم من فرقة السلطان مراد، أحد التشكيلات العسكرية التي يتكون منها ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري" التابع لتركيا في شمال شرق سوريا.

وبالتزامن مع التقرير الصادر عن المركز الليبي، أكدت مؤسسة "ماعت" للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، من خلال الحوار التفاعلي لمجلس حقوق الإنسان لمناقشة تقرير المفوضة السامية بشأن ليبيا، تزايد عمليات الاتجار بالبشر في ليبيا، بصورة مخيفة، وكذا تجنيد الأطفال في الحرب الليبية، بينما كشفت وجود أسواق لبيع الأشخاص في مزادات علنية، تحديداً في جنوب ليبيا.

محاكمة أردوغان

وقد طالبت المؤسسة الحقوقية بوضع عقوبات دولية على نظام أردوغان ومحاكمته، على خلفية انتهاكه للقانون الدولي والمواثيق الأممية؛ حيث تضاف عملية تجنيد الأطفال إلى سجل جرائمه، ومخالفاته لحقوق الإنسان، كما شدّدت على ضرورة وضع حدّ لتجنيد الأطفال، واستغلالهم في النزاع الدائر بليبيا.

لا يعدّ تجنيد الأطفال من جانب تركيا، وميليشياتها المسلحة، خاصة الموجودة في شمال شرق سوريا، أمراً جديداً؛ فقد سبق أن كشفه حقوقيون ومنظمات حقوقية، محلية وأممية، لكن مواصلة استهداف القصَّر واستغلال دور الأيتام، كما هو الحال مع اللاجئين والأقليات، هو ما يعيد تلك الظاهرة إلى السطح؛ حيث تفاقم الوضع غير الإنساني الذي يعمد نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى توظيفه في أهدافه الصراعية العسكرية، وكذا السياسية والأمنية؛ حيث ذكرت تقارير أمريكية أنّ الجيش التركي قام بعملية نقل الأطفال السوريين للقتال في طرابلس إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

وبحسب البروتوكول الاختياري، الملحق باتفاقية حقوق الطفل؛ فإنّه يحظر اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، ويؤكّد أنّه "لا يجوز أن تقوم المجموعات المسلحة المتميزة عن القوات المسلحة لأيّة دولة، في أيّ ظرف من الظروف، بتجنيد أو استخدام الأشخاص دون سنّ الثامنة عشرة في الأعمال الحربية"، وعليه؛ يعدّ تجنيد الأطفال قبل سن 15 عاماً، واستغلالهم في الصراعات المسلحة، بمثابة جريمة حرب، بنصّ القانون الدولي.

جرائم حرب

بيد أنّ ‏الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا‏، الدكتور عبد المنعم الزايدي، ذكر أنّ الأطفال الذين يشاركون في العمليات القتالية في المنطقة الغربية يتلقون 500 دينار أسبوعياً، من جانب حكومة الوفاق، كما يتفق والرأي ذاته، مقرر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد حمزة، الذي قال إنّ هناك وثائق عديدة تثبت مشاركة الأطفال في العمليات العسكرية الدائرة في العاصمة طرابلس، مقابل إغراءات مالية عديد، لكن لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعدادهم.

ملابسات تجنيد الأطفال السوريين وتعبئتهم تكشف أنه يتمّ بنقلهم من إدلب وريف حلب الشمالي إلى مدينة عفرين، التي تقع تحت سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا

وبحسب تحقيق نشرته منصة "المونيتور" الأمريكية، فقد كشف وجود أكثر من 2000 طفل، تم نقلهم العام الماضى عبر تركيا، بهدف دعم ميليشيات حكومة الوفاق المدعومة من أنقرة، كما أنّ الفصائل الموالية لأنقرة في سوريا، تقوم بتجنيد قاصرين وأطفال ومراهقين، من خلال إصدار بطاقات هوية مزورة، لجهة نقلهم إلى بؤر الصراع والحرب في ليبيا، ويوضح التقرير الأمريكي أنّ "هذه الفصائل تصدر وثائق هوية مزورة للأطفال بمعلومات كاذبة عن تاريخ ومكان ميلادهم، ومن ثم، يتم تسجيلهم فى سجلات الأحوال الشخصية، فيستخدم الأطفال أسماء إخوتهم الأكبر سناً في أوراقهم المزورة، لتمرير عملية تجنيدهم بشكل مستمر".

وكشف التقرير ذاته؛ أنّ فصيل السلطان مراد، الموجود في طرابلس حالياً، والذي يعدّ أحد الفصائل التي يتكوّن منها ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، المدعوم من تركيا، وتنتمي له عناصر إسلامية جهادية، يضمّ نحو خمسة أطفال على الأقل، مع بداية ظهور نشاطه الميداني في ليبيا، وهؤلاء الأطفال تم تدريبهم على القتال، علاوة على استخدام السلام في معسكرات كانت جاهزة لاستقبالهم؛ حيث كانوا غير مؤهلين لذلك، ولا يعلمون كيفية استخدام السلاح.

أطفال على جبهات القتال

كما ينقل التقرير الأمريكي عن أحد المصادر (رفض الكشف عن هويته)، والمسؤول عن عملية تجنيد الأطفال؛ أنّه قد رافقه من سوريا إلى ليبيا نحو ثلاثة أطفال، تتباين أعمارهم بين 15و16 ربيعاً، حيث قرروا السفر معه دون اعتراض أحد من أسرهم، حسبما قال، بل كانوا مدفوعين بالإغراءات والوعود التركية، خاصة المالية، والتي ستوفر لهم نحو 3 آلاف دولار شهرياً.

وعن ملابسات تجنيد الأطفال السوريين وتعبئتهم، فإنّ ذلك يتمّ بنقلهم من إدلب وريف حلب الشمالي إلى مدينة عفرين، التي تقع تحت سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا، وذلك بذريعة العمل هناك في بداية الأمر، ومنهم من يذهب دون علم ذويه، لتجري وفق ذلك عملية تجنيدهم في المدينة الواقعة بالقرب من الحدود السورية التركية، عبر الفصائل العسكرية الموالية لأنقرة، ومن ثم، نقلهم إلى جبهات القتال في ليبيا إلى جانب حكومة الوفاق؛ حيث تمّ استغلال أوضاعهم الإنسانية والاجتماعية والمعيشية، في ظلّ ظروف اللجوء التي يعاني منها السوريون تحت تأثير الحرب الأهلية.

من سوريا إلى ليبيا.. أحلام أنقرة بالثروة والنفوذ

وإلى ذلك، أشارت منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة "اليونيسيف"؛ إلى أنّ الأطفال في ليبيا، بمن فيهم الأطفال اللاجئون والمهاجرون، يتعرضون لمعاناة شديدة وسط العنف والفوضى، إثر الحرب الأهلية التي طال أمدها في البلاد، خاصة أنّ الهجمات العشوائية في المناطق المأهولة بالسكان المدنيين أدّت إلى مقتل المئات منهم.

ووثقت "اليونيسيف"، في تقاريرها، وقوع إصابات خطيرة بين الأطفال، فضلاً عن مقتل آخرين، كما كشفت عن حالات تجنيد للعديد منهم؛ حيث أجبر أكثر من 150 ألف شخص، بينهم نحو 90 ألفاً من الأطفال، على الفرار من منازلهم ليصبحوا في عداد النازحين.

وفي حديثه لـ "حفريات"؛ يؤكد الصحفي والناشط الحقوقي السوري، علي المأمون، أنّ تركيا لم تكتفِ بتدريب المرتزقة وإرسالهم إلى ليبيا، بل قامت بتجنيد شباب وأطفال دون السنّ القانوني من خلال الإغراءات المالية؛ إذ تقوم المجموعات المسلحة، بدعم تركي، بتجنيد هؤلاء، وهناك من وثق ذلك من داخل منطقة عفرين المحتلة، حيث ترسل تلك المجموعات المسلحين المدرّبين للقتال في ليبيا، وأغلبهم ينحدرون من ريف دمشق وحمص وإدلب وحلب.

وبحسب شهادة الصحفي والناشط السوري، الذي نزح مؤخراً من عفرين؛ فإنّ القوات التركية تقوم بتجنيد الأطفال وغيرهم بواسطة عناصر من المجموعات المسلحة في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرتها، ثم إرسالهم إلى ليبيا، وذلك مقابل مبالغ مالية متباينة، تتراوح بين ١٥٠٠ إلى ٢٥٠٠ دولار أمريكي، كما يلفت إلى أنّ عدد المرتزقة الذين تمّ نقلهم إلى معسكرات التدريب التركية بهدف إعدادهم وتهيئتهم للحرب في ليبيا وصل نحو 1800 عنصر.

ويضيف المأمون أنّ "تركيا تحاول الزجّ بالمسلحين في القتال بليبيا، ولا تهتمّ بأعمارهم، أو بمخالفة ذلك للقانون والمواثيق الدولية؛ إذ إنّها تريد الحفاظ على دماء جنودها ما دام هناك مسلّحون يخدمون مصالحها مقابل بعض الدولارات، كما تقوم باستغلال أوضاع الأقليات من التركمان، والأطفال في دور الأيتام، وكذلك الأسر الفقيرة في مخيمات النازحين واللاجئين، ممن يعيشون ظروفاً صعبة، للأهداف ذاتها، ومن اللافت أنّ بعض المقاطع المصورة للأطفال تعكس خطاباً إسلامياً وتحريضياً متشدداً، وهو ما يكشف طبيعة الدور الذي يؤديه أردوغان في ليبيا كما فعل في سوريا، ويتمثل في توطين نموذج متطرف وإرهابي، وتعميم خطابه العقائدي بواسطة الأطفال أو غيرهم، فقط لخدمة المشروع العثماني".

الصفحة الرئيسية