أحكام قضائية مشددة: المحكمة الجنائية في مصر تكشف التخادم بين الإخوان وداعش

أحكام قضائية مشددة: المحكمة الجنائية في مصر تكشف التخادم بين الإخوان وداعش

أحكام قضائية مشددة: المحكمة الجنائية في مصر تكشف التخادم بين الإخوان وداعش


10/02/2026

 

قضت محكمة الجنايات الاستئنافية المختصة بجرائم الإرهاب، برئاسة المستشار خالد الشباسي وعضوية المستشارين نادر طاهر وتامر الفنجري ورامي حمدي، بالسجن المؤبد وتغريم كل متهم مليون جنيه، في واحدة من القضايا التي أعادت إلى الواجهة ملف الخلايا النوعية المرتبطة بجماعة الإخوان، ومحاولات إعادة إحياء جناحها المسلح داخل البلاد بعد سنوات من الضربات الأمنية المتلاحقة.

الحكم الصادر جاء بعد إدانة أفراد خلية إرهابية بتلقي تكليفات تنظيمية مباشرة من قيادات إخوانية هاربة خارج مصر، في إطار ما يُعرف داخل الجماعة بتيار التغيير، وهو التيار الذي تبنّى منذ سنوات خيار العنف المسلح كأداة للضغط السياسي ومحاولة فرض واقع أمني مضطرب. وبحسب أوراق القضية فإنّ الخلية جرى ضبطها في وقت مبكر من عام 2025، إلا أنّ الجهات المعنية آثرت التكتم على تفاصيلها لفترة لدواعٍ أمنية تتعلق بتشعب الاتصالات التنظيمية والمالية المرتبطة بها.

مسار القضية وخلفياتها الأمنية

تشير المعلومات الواردة في ملف القضية إلى أنّ الخلية كانت تتحرك وفق نمط تنظيمي مغلق، يعتمد على الخلايا الصغيرة والتواصل غير المباشر، وهو ما يعكس تطورًا في أساليب العمل السري مقارنة بموجات سابقة من العنف. التحقيقات أوضحت أنّ عناصر الخلية تلقوا توجيهات محددة من قيادات إخوانية متواجدة خارج البلاد، تضمنت إعادة ترتيب الصفوف، وتجهيز بنية تنظيمية قادرة على تنفيذ عمليات عدائية ضد مؤسسات الدولة، بالتوازي مع نشاط دعائي يهدف إلى بث الفوضى وإثارة الرأي العام.

ورأت المحكمة أنّ الوقائع المعروضة أمامها تثبت بشكل قاطع انضمام المتهمين إلى تشكيل إرهابي منظم، يتبنّى أفكارًا تكفيرية وعقائد مستمدة من تنظيم داعش، مع توظيف هذه الأفكار في تبرير استهداف الدولة ومؤسساتها، وشرعنة العنف ضد المجتمع، بما في ذلك استحلال دماء المسيحيين وتكفير الحاكم.

تنظيم متكامل وقصد جنائي واضح

في حيثيات الحكم، شددت المحكمة على توافر القصد الجنائي الخاص لدى المتهمين، مؤكدة أنّ الجرائم لم تكن وليدة ردود أفعال فردية أو تصرفات عشوائية، بل جاءت في إطار مشروع منظم وممتد، يهدف إلى إعادة إحياء النشاط المسلح لجماعة مصنفة إرهابية. وأوضحت أنّ عناصر الخلية اشتركوا في الجريمة اشتراكًا كاملًا، من خلال التخطيط، والتجهيز، والتنفيذ، والدعم اللوجستي والدعائي.

الحيثيات أشارت كذلك إلى الارتباط التنظيمي المباشر بين الخلية وقيادات إخوانية هاربة، تلقت منها تعليمات واضحة بشأن الأهداف المرحلية، وآليات العمل، وسبل التمويل، وهو ما ينفي بحسب المحكمة أيّ محاولة للادعاء بأنّ المتهمين تصرفوا بشكل مستقل أو خارج إطار التنظيم.

وأظهرت أوراق القضية أنّ زعيم الخلية هو المتهم مؤمن السيد عبد الحليم، البالغ من العمر 38 عامًا، وهو شخص هارب من عدة أحكام قضائية سابقة، واتخذ لنفسه صفة مدرس كغطاء اجتماعي لتحركاته. وبيّنت التحريات أنّ المتهم لعب دور العقل المدبر، حيث تولى إعادة تكوين الخلية بعد تلقيه تعليمات مباشرة من الخارج، وأشرف على استقطاب وتجنيد عناصر جديدة، مع إدارة التواصل التنظيمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات مشفرة.

التحقيقات كشفت كذلك عن صلة قرابة تربط زعيم الخلية بقيادي إخواني بارز محبوس على ذمة قضايا إرهاب. ورغم أنّ أوراق الدعوى لم تذكر الاسم صراحة، فإنّ مصادر مطلعة أكدت أنّ المقصود هو القيادي الإخواني محمد البلتاجي، وهو ما اعتبرته جهات التحقيق مؤشرًا إضافيًا على عمق التشابك العائلي والتنظيمي داخل الجماعة، واستخدام الروابط الشخصية كوسيلة لتأمين الثقة ونقل التكليفات.

من الرصد إلى التحريض

القضية تضمنت قائمة واسعة من الاتهامات التي عكست تنوع أنشطة الخلية وخطورتها. فمن بين الوقائع الثابتة قيام المتهمين برصد مواقع أمنية وشرطية تمهيدًا لاستهدافها، وهو ما يعكس نية مباشرة لتنفيذ عمليات مسلحة. وثبت شروعهم في تصنيع متفجرات وعبوات ناسفة، اعتمادًا على مخطوطات ومواد أولية جرى ضبطها بحوزتهم.

إلى جانب النشاط المسلح، أولت الخلية اهتمامًا كبيرًا بالحرب الإعلامية، حيث قامت ببث أخبار كاذبة ومقاطع مفبركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع إعادة نشر صور ومقاطع قديمة على أنّها حديثة، بهدف تضليل الرأي العام، وإظهار الدولة في حالة عجز أمني. واعتبرت المحكمة أنّ هذا المسار الدعائي لا يقلّ خطورة عن العمل المسلح، كونه يسعى إلى خلق بيئة نفسية مواتية للفوضى والعنف.

أحد الجوانب التي ركزت عليها حيثيات الحكم هو الخطاب الإيديولوجي الذي تبنته الخلية. فبحسب الأوراق اعتمد المتهمون خطابًا تكفيريًا يقوم على تكفير الحاكم، واستباحة مؤسسات الدولة، واستحلال دم المسيحيين، وهو ما يعكس تأثرهم المباشر بالأدبيات الداعشية. ورأت المحكمة في هذا الخطاب دليلاً على تبنّي المتهمين فكرًا متطرفًا يهدف إلى هدم أسس الدولة والمجتمع، وليس مجرد معارضة سياسية.

القضية استندت إلى مجموعة من الأحراز التي اعتبرتها المحكمة أدلة قاطعة على النشاط الإرهابي للخلية. ومن بين هذه الأحراز شرائح اتصالات دولية، ومخطوطات تفصيلية لتصنيع المتفجرات، وبندقية آلية، ومسدس خرطوش، إلى جانب مواد متفجرة جاهزة للتصنيع. هذه المضبوطات، بحسب المحكمة، تؤكد جدية المخطط، وتجاوز مرحلة الأفكار إلى مرحلة الإعداد الفعلي للتنفيذ.

التمويل الخارجي خيط أساسي في القضية

أحد أخطر ما كشفته أوراق القضية يتعلق بالتمويل، فقد ثبت تلقي زعيم الخلية تمويلات خارجية تجاوزت مليوني جنيه بعملات مختلفة، خُصصت لتمويل الأنشطة التنظيمية، وشراء مستلزمات التصنيع، ودعم العناصر المنضوية تحت التشكيل. ووفق مصدر خاص، تم هذا التمويل بمعرفة القياديين الهاربين يحيى موسى ومحمد إلهامي، وهما من أبرز الأسماء المرتبطة بإدارة الملف المسلح لجماعة الإخوان من الخارج.

ورصدت جهات التحقيق تحويلات مالية لأفراد الخلية، استخدمت في شراء المواد الخام والأدوات اللازمة لتصنيع العبوات الناسفة، وهو ما عزز من قناعة المحكمة بوجود شبكة تمويل منظمة، وليست مجرد مساعدات فردية متفرقة.

دلالات الحكم وسياقه الأوسع

يأتي هذا الحكم في سياق أوسع يشهد تشديدًا قضائيًا وأمنيًا في التعامل مع محاولات إعادة إحياء النشاط المسلح للجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان. فبعد سنوات من تفكيك الخلايا التقليدية، تشير هذه القضية إلى انتقال بعض العناصر إلى نماذج أكثر سرية وتعقيدًا، مع الاعتماد على التمويل الخارجي والتواصل الإلكتروني المشفر.

الأحكام المشددة تحمل رسالة واضحة مفادها أنّ الدولة المصرية ماضية في مواجهة أيّ محاولات لإعادة إنتاج العنف تحت أيّ مسمّى، وأنّ الارتباطات التنظيمية بالخارج لن توفر غطاءً أو حصانة قانونية. ويعكس الحكم، بحسب قانونيين، حرص القضاء على توثيق الصلة بين الفكر التكفيري والعمل الإرهابي، وعدم الفصل بين الدعاية والتحريض من جهة، والتنفيذ المسلح من جهة أخرى.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية