آخر حيل "الإسلامويين"!

آخر حيل "الإسلامويين"!

مشاهدة

17/11/2019

كمال الجزولي

في يوليو 2018، قبل ثورة ديسمبر المجيدة بحوالي خمسة أشهر، قام عدد من أبرز قياديي حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، وقتها وهو الحزب الذي يمثل الواجهة السياسية لجماعة «الإخوان» المسلمين بزيارات لبعض الشخصيات المعارضة، من مختلف المهن والأجيال، حاملين دعوات لهم للمشاركة في أعمال لجنة كان النظام قد شرع في تكوينها باسم «اللجنة (القومية) لصناعة الدستور الدائم».
من الوهلة الأولى كان واضحاً لكل من ألقى السمع وهو شهيد أن الإسلاميين يتحسبون لمواجهة التململ الثوري الذي راحت سحبه تتجمع ونُذُره تتراكم، إزاء تفاقم الأزمة العامة في البلاد، وبوجه خاص على صعيد الاقتصاد ومعيشة الملايين وسط القطاعات الشعبية، وأنهم لذلك السبب بصدد استخدام «حيلة» جديدة لإصابة حركة المعارضة بشلل رباعي، عن طريق «قضم» كتلة معتبرة من المعارضين السياسيين منهم، والمسلحين والنقابيين والأدباء والفنانين، والنشطاء المدنيين، وربما حتى بين لاعبي كرة القدم، عل ذلك يخفف شيئاً من وطأة الضغوط المتفاقمة على نظامهم داخلياً، والمترافقة مع عزلته الفادحة دولياً، متوسلين إلى ذلك بحجة نافقة مفادها أن المعارضين ينبغي أن يعوا أن استراتيجية «الواجب الوطني» لا بد أن تعلو على تكتيكات «معارضة النظام»، فمضوا يلوكون مصطلح «القومية» التي لا تستثني أحداًي!
بالنتيجة، ومثلما لم تجُز على المعارضين في السابق حيلة مؤتمر الحوار الوطني، لم تجُز عليهم كذلك الحيلة الأخيرة المتمثلة في اللجنة القومية للدستور الدائم، حيث لم يتح للنظام أن يقطف ثمار أي منهما، أو يبلغ بها مراده. فبالاستناد إلى المستوى المطلوب من الانتباه، والقدر المعقول من تماسك الإرادة السياسية، انعقدت تحالفات أوسع في قطاعات المعارضين، بالنسبة للحيلة الأخيرة، على قناعة أساسية مؤداها أن صناعة الدستور الدائم لم تكن تمثل أولوية، وقتها، لا على صعيدهم ولا على صعيد النظام حيث:
1 أن النظام نفسه لم يكن جاداً في الأمر في أي وقت، بدليل خروقه المستمرة حتى لدستور 2005، الذي انبنى على اتفاق سلام شامل كان أُبرم قبل سنوات، في ضاحية نيفاشا الكينية، بين الحكومة وبين حركة قرنق المقاتلة، وهو الدستور الذي لم يكن ثمة غبار عليه نسبياً.
2 أن صناعة الدستور الدائم ينبغي أن تتم عبر عملية انتقالية متكاملة تشمل تفكيك سلطة الحزب الواحد، وتكوين سلطة انتقالية تعمل على إيقاف الحرب، وتعالج إفرازاتها وتبسط السلام، وتوفر الحريات، وتلغي القوانين التي تقيدها، وتطلق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين، وتصفي أجهزة النظام، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية، وإلى ذلك تنتهج شكلاً مناسباً من «العدالة الانتقالية»، وتطلق برنامجاً اقتصادياً إسعافياً عاجلاً.
3 ومن أبرز الأدلة على انصراف النظام عن تلك الخطة أن ثمة أولويات أخرى كانت بجانب ما ذكرنا تعلو على مسألة الدستور أصلاً، في ما لو توفرت إرادة سياسية كافية، لكن تلك الأولويات كانت في وادٍ، والنظام في واد آخر؛ ومنها:
أ مسائل تتصل بالسيادة الوطنية.
ب مسائل تتصل بالاقتصاد المنهار، والمعيشة الضنك التي تعانيها أغلبية الشعب.
ج مسائل تتصل بالحريات، ومن أهمها حرية الصحافة التي يهدرها القانون بدلاً من أن يضمنها، فضلاً عن ضرورة إلغاء قانون أمن الدولة، وما إلى ذلك.
د مسائل تتصل بضرورة الكفِّ عن ملاحقة المواطنين السياسيين والنقابيين على وجه التخصيص، والتضييق عليهم، حتى خارج الوطن، كما حدث وقتذاك مع الإمام الصادق المهدي، زعيم كيان الأنصار، رئيس حزب الأمة القومي، ومرافقيه.
ه مسائل تتصل بأمن وسلامة المواطنين العاديين، من غير السياسيين والنقابيين، حيث ظلت بلادنا تشهد خروقاً فظيعة لحقوق الإنسان، وعنفاً وإرهاباً لا مثيل لهما.

عن "الخليج" الإماراتية

الصفحة الرئيسية