نساء يهجرن رغد العيش الأوروبي ويلتحقن بأبي القعقاع

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
605
عدد القراءات

2018-01-03

"الرياح الداكنة"، هو عنوان الفيلم الذي أخرجه العراقيّ حسين حسن، حول ما ارتكبه تنظيم "داعش" الإرهابي، بحق فتيات العراق الأيزيديات، ويُصوّر معاناة الشابة الأيزيدية"بيرو"، التي وقعت أسيرة تحت أيدي التنظيم، وتم اغتصابها من قبل العديد من جنود داعش، وفي النهاية، صارت حُبلى بطفل غير شرعيّ، تدمرت حياتها مع خطيبها التي كانت على وشك الزواج به.

لم تكن "بيرو" وحدها، فالمئات من الفتيات الأيزيديات تعرضن لهذا النوع من العنف الممنهج، الذي طال النساء اللاتي وقعن في قبضة التنظيم الإرهابي، وبالرغم من انتهاك داعش لحقوق النساء، إلا أن التنظيم لم يجد غضاضة في استخدامهن كأدوات في حربه، فعلى الجانب الآخر نجد نسوة التحقن بصفوف التنظيم، لأغراض شتّى، جهاديات مُسلحات، وجهاديات مختصات بتجنيد وجلب المُجاهدات من خارج حدود الدولة الإسلامية، حيث استطعن تجنيد النساء من كل أنحاء العالم؛ من أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا، لتغدو المرأة بالنسبة لداعش رأس مال قويّ، بالاضافة إلى كونها أداة جنسية للترفيه عن المُجندين.

يقف الإعلام حائراً أمام هذا التحول الغريب الذي يحدث في حياة الفتيات الآتيات من بيئة منفتحة وعائلات برجوازية

فكيف استطاع داعش إقناع النساء الأوروبيات، وغيرهّن بترك عيشهن الرغد، والهجرة لبلاد دمرتها الحرب؟

ديمان زاندي في مشهد من فيلم (الرياح الداكنة).

فرنسا أخذت نصيب الأسد

تعد الفرنسيات أكثر المهاجرات إلى تنظيم الدولة الإٍسلامية، مقارنة بباقي دول أوروبا، في مدينة ليون الفرنسية، أنشأ مركز الدعم النفسي (AfEB)، عام 2006، لمساعدة العائلات التي تحوّل أبناؤهم إلى مسلمين متشددين. "نيكول" والدة شابة تُدعى "سونيا"، تحكي عن قصتها مع ابنتها لوكالة فرانس24، سونيا ذات الـ 18 عاماً، كانت مدمنة على الكحول ومواقع الإنترنت، تعرفت على شاب مسلم متشدد، قدّم لها يد المساعدة لتتخلّص من إدمانها على الكحول، وفي غضون عام، اعتنقت الإسلام، وأرسل لها نقاباً لترتديه، الأمر الذي أفزعني (والكلام على لسان الأم) فقمت بإبلاغ الشرطة، التي اعتقلت الفتاة على الفور وحُكِم عليها بالسجن ثلاثة أعوام.

"ليزا" والدة الشابة "ساشا"، التي هاجرت ابنتها إلى سوريا، بعدما تزوجت من داعشيّ ألمانيّ، وأنجبت منه طفلاً، وارتدت النقاب، وهي الآن إحدى مقاتلات التنظيم في مدينة الرقّة السورية، تحاول الأم إقناع ابنتها بالعودة إلى الوطن، ولكنها تأبى حتى الحديث مع والديها، فهما بالنسبة إليها والدان كافران، وتحكي الأم عن ابنتها، التي كانت تدخن الماريجوانا، وتذهب في سهرات مع أصدقائها، ورحلات صيد، وكانت تعيش حياة مرحة، حتى انتقالها إلى ألمانيا للدراسة، لتتعرّف على زوجها الحالي، وتغادر معه إلى سوريّا.

هذه هي العوامل الجاذبة لفتيات يعانين هشاشة نفسية ويسعين لإيجاد جدوى لوجودهن فلا يجدن سوى هذا الطريق الخطأ

"إيناس مدني"، الجهادية الأشهر، والتي اختارت الجهاد في قلب فرنسا قبل الانتقال إلى فرنسا، ولكن لم يحالفها الحظ، فقد أحبطت الشرطة الفرنسية محاولة تفجير مبنى تجاري في فرنسا، بسيارة تحمل سبع اسطوانات غاز، وألقت القبض على الرأس المدبر لتلك الحادثة، وهي إيناس مدني الفرنسية المسلمة ذات الـ 19 عاماً وهي الآن تقضي فترة عقوبتها بالسجن.

 مشهد في الفيلم

أوروبا قِبلة داعشية مثمرة

يعمل تنظيم داعش على تجنيد المزيد من النساء الأوروبيات، ويحتفي بانضمامهن، أكثر من النساء العربيات، وذلك لما لدى الأوروبيات من انفتاح عقلي، وتعليم جيد، واستخدام فعّال للتكنولوجيا، واستقلال عن العائلة وحرية السفر والانتقال، "مارلين" فتاة سويدية لم تتجاوز الـ 15 عاماً، التقت بمراهق مغربي وصل إلى السويد في سن الـ 17 عاماً، وانضم إلى صفوف داعش عبر الإنترنت، ورحلت مارلين معه إلى سوريا عبر الحدود التركية، وعندما وصلا إلى هُناك، عايشا ظروفاً صعبة، فلا ماء ولا كهرباء ولا اتصالات، ولا أموال، وعندما استطاعت إيجاد هاتف اتصلت بوالدتها تخبرها برغبتها في العودة، لتتواصل الأم مع السلطات السويدية، والتي ساعدت ابنتها على العودة إلى الوطن، بعدما عانته من متاعب، وبعد أن وضعت طفلاً عادت به إلى الوطن، وتم إلقاء القبض على زوجها المراهق، وايداعه السجن.

سر التحول نفسي أم عقائدي؟

يقف الإعلام حائراً أمام هذه الظاهرة الغريبة، وهذا التحول الغريب الذي يحدث في حياة الفتيات الآتيات من بيئة منفتحة وعائلات برجوازية، وليس لديهن دافع لارتكاب مثل هذه الجرائم في حق أنفسهن وعائلتهن، وضحاياهن ثم يرغبن في الالتحاق بأبي القعقاع، الذي هو كنية تراثية لكثير من المقاتلين في "داعش".

في هذا الشأن لم نجد غير الطب النفسي مرشداً، الطبيبة البلجيكية المسلمة "فيريجيني لوبليك" تقول في هذا الشأن، وفق تصريحاتٍ صحفية: معظم الضحايا من أسر ميسورة، لديهن كل الحرية في فعل ما يرغبن، لكن بمعايشة الكثير من الحالات، كلهن تقريباً كنّ مدمنات للكحول، أو مدخنات للحشيش، يعشن حياة مجردة من القيود، ولكن لديهن هشاشة كبيرة، فكلهن محملات بالمشاكل النفسية، والعاطفية إما بسبب العائلة، أو لأسباب شخصية، "لويزا جونز" أخصائية نفسية بمركز مناهضة العنف الطائفي في فرنسا قالت: "هؤلاء الفتيات مررن باضطرابات عاطفية ونفسية ضخمة، ألقت بهن في هذا الطريق المظلم الذي يجدن فيه أيادي ممتدة لهن للمساعدة من قبل الدواعش الرجال، الذين يقدمون لهن أحلاماً وردية تتضمن العيش إلى جوار بطل مقاتل، وتوفير الكثير من الأموال، تُرغبهن في الموت، وتعدهن بوجود حياة أُخرى أبدية، وجنة يُخلدن فيها، كل هذه العوامل جاذبة لفتيات يعانين هشاشة نفسية، يسعين لإيجاد جدوى لوجودهن على الأرض، ولا يجدن سوى هذا الطريق الخطأ".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: