قيادي سابق في تنظيم "الشوقيين" التكفيري: أحلم بأن أكون مغنياً

2017-11-26

رغم البساطة التي يظهر بها في الحوار الذي أجرته معه "حفريات"، فإنّها لا تنمُّ عن ماضي الرجل الذي كان أحد القيادات المهمة في جماعة تكفيرية نشأت منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وأطلق عليها حينها "الشوقيون" نسبة إلى مؤسسها، شوقي الشيخ الذي اتّخذ من قريته "كحك" التابعة لمحافظة الفيوم جنوب القاهرة معقلاً لجماعته، حتى لقي حتفه بعد اقتحام القوات الأمنية المصرية لمعقله، العام 1990.

 

 

عشق شافعي مجد الفن منذ نعومة أظفاره، وحلم بأن يغدو مطرباً شهيراً أو ممثلاً، وعاودته هذه الأحلام، بأن يصبح أيضاً كاتب سيناريوهات أفلام، استوحاها من حكايات السجون التي قضى فيها ما يزيد على 19 عاماً، أو من مواقف تعرّض لها بعد أن أصبح يعمل موصل طلبات للمنازل "ديليفري".
ولد شافعي العام 1962 في منطقة الإمام الشافعي التابعة لحي السيدة زينب، وسط القاهرة، لأسرة فقيرة، فسماه والده شافعي تبرّكاً بالإمام الشافعي، تفوق في دراسته ليلتحق بكلية الهندسة، قسم العمارة، وفي السنة الثانية بدأت تحولاته الفكرية، فانتهى به الحال للقتل بدوافع التكفير، والاشتراك في سرقات محلات الذهب بحجة الاستحلال، وبعد دخوله السجن، بدأ التراجع تدريجياً عن أفكاره عقب رؤيا في المنام حذرته من مغبة أفكاره التكفيرية، كما يقول.

عشقَ الفن ويحلم بأن يصبح مطرباً شهيراً أو ممثلاً وكاتب سيناريوهات أفلام استوحاها من حكايات السجون التي قضى فيها 19 عاماً

وفيما يلي نص الحوار:
• ما الذي دفعك للانضمام إلى جماعة مسلحة رغم تفوقك الدراسي الذي أهّلك لدخول كلية الهندسة؟
- كنت أريد أن أموت في سبيل الله فأنال الشهادة، وأدخل الجنة، كان هذا اعتقادي في هذه المرحلة من مراحل حياتي، لكن الله لم يرد لي الموت، كثير من أقراني قتلوا وهم لا يتجاوزون الــ21 عاماً، وكانوا مصرّين على أن يُقتلوا، وما أزال أتذكر مجموعتي المكونة من 9 أفراد عندما أصروا على الاشتباك مع قوات الأمن حتى شروق الشمس، فقتلوا في النهاية جميعاً؛ لقد كانوا مؤمنين حد اليقين، بأنهم سيقيمون في الجنة لا محالة، لم يكونوا يختلفون عن شباب تنظيم "داعش" اليوم الذين يوردون أنفسهم المهالك، بغية ما يعتقدون أنّه الشهادة في سبيل الله، وهكذا كان الخوارج، تدفعهم الحمية للدين للمغالاة فيه، فيقتلون الناس بغير إثم، ظنّاً منهم أنهم بذلك يجاهدون لرفع راية التوحيد النقية.
• هلا حدثتنا عن ظروف تحولك لهذه الأفكار التكفيرية؟
- عندما كنت في السنة الثانية في كلية الهندسة، لم أكن أؤدي الصلاة، حتى تعرفت إلى جماعة "التبليغ والدعوة"، التي لم تكن تنشغل في السياسة ولا تشتغل بها؛ كانت تدعو للالتزام بأركان الإسلام وأصوله، فكان كل همهم هو إدخالي المسجد، ثم فككت ارتباطي بهم بعد شهور قليلة من التعرف إليهم، حتى وجدت نفسي محاطاً بجماعة الإخوان المسلمين، وارتبطت بأحد شيوخهم، وظللت أتنقل معه طيلة عام ونصف العام.
وبعدها تعلقت بالجماعة الإسلامية في عين شمس، وبدأت التردد على مسجد النور بالعباسية، واتصلت بعدد من قياداتها كان على رأسهم رجب حمدان، ثم ارتبطت بجماعة الجهاد حتى العام 1989، إلى أن وصلت لمحطتي الأخيرة بالانضمام إلى "الشوقيين".
• وما سر تنقلك بين كل هذه المحطات في فترة وجيزة؟
- كل هذه التنظيمات في هذه الفترة لم تمنحني هدفي؛ إذ كانت عملياتها محدودة ومختارة بعناية، والمجموعات التي تنفذ بينها ارتباط وثيق ولا تثق إلا بحلقات ضيقة، فلم تتح لي الفرصة لتنفيذ أي عملية، بعدها أخذت بالتشدد أكثر، ولم تعد حتى أفكار تنظيم الجهاد تقنعني بعد أن رأيتها "مميعة" لحقيقة التوحيد، ومِلت أكثر لأفكار التكفير الكلي والشامل، ولم أجد ضالّتي سوى في جماعة "الشوقيين"، وهي التي انخرطت معها في أعمال "الجهاد" كما كنت أعتقد، وإن لم أنل الغاية الكبرى التي سعيت لها وهي الموت في سبيل الله، وبدأنا في منطقة دار السلام بتشكيل مجموعة تتشكل من 10 أفراد، تحت قيادة الشيخ سالم محمد سالم، التي تضمنت خطبه أفكاراً تكفيرية لاقت صدى لدينا.
• ماذا كانت أول عملية اشتركت بها مع هذا التنظيم؟
- كانت قتل شخص يدعى، صفوت رشوان، وهو شخص التقى أحد أفراد مجموعتنا، وأوهمه بأنه زعيم لأحد التنظيمات الجهادية، ويجيد تزوير الأوراق الرسمية، فدعوته إلى بيتي، وقابلته بمجموعتي، فطلبنا منه تزوير جوازات سفر من أجل الهجرة لأفغانستان، فاكتشفنا أنه "نصاب"، فقمنا بنصب كمين له، واستجلابه إلى منطقة المقابر القريبة من "الإمام الشافعي" ثم قمنا بقتله.

• وهل كانت جريمة "النصب" هذه تستحق عقوبة القتل؟
- لم تكن تستحق بالطبع.. لكننا وقتها كنا نعتقد بأفكار التكفير، فقتلناه تكفيراً، واستحللنا دمه وأمواله، كان ذلك في العام 1989، وبعدما قتلناه وضعناه في "مقلب قمامة" وتركناه، لكن أمرنا قد اكتشف، بعد أن التقط عدد من خفراء المقابر، رقم السيارة، فافتضح أمرنا، لكن هذه القضية كانت نقطة تحول مهمة بالنسبة لي، فقد أصبحت هارباً رسمياً من وجه العدالة، بعد أن حكم علي بالإعدام، وقبض على 3 كانوا برفقتي وحكم عليهم بالإعدام أيضاً، فاعتبرت نفسي ميتاً على أي حال، فزادت شراهتي للقتل، والأعمال المسلحة والعنيفة.
• وماذا كان موقفك من أحداث قرية كحك؟
- لم اشترك مباشرة في تلك العمليات؛ لأن نشاطي كان منحصراً في القاهرة، وزادت علاقتي بتنظيم الشوقيين، عن طريق صديق لي يُدعى مصطفى عمر، وبعد أحداث الفيوم، التي اقتحمت فيها قوات الأمن قرية كحك، هربت فلولهم من القرية، وجاءوا إلى حي المطرية شرق القاهرة، وتواصلت معهم ثم بدأت العمليات.
• وماذا كان دورك تحديداً؟
- كان دوري هو تسهيل استجلاب السلاح، والمتفجرات، وبيع الذهب المسروق من المحلات، وتزوير البطاقات الشخصية "الهويات"، وتوفير السكن والمأوى لعناصر مجموعتنا، ثم آويت بعضهم في سيناء، كان هذا ما بين عامي 1991و1992.

وجدت نفسي محاطاً بجماعة الإخوان المسلمين حتى ارتبطت بأحد شيوخهم وظللت أتنقل معه طيلة عام ونصف

في سيناء تنقلنا بين قرى السلام والعبور، وخريجين وكانت خاوية، عبارة عن صحراء، فعشنا هناك وذرعنا الأرض، حتى لا نأكل من يد الكفار، لكن أهالي سيناء في هذا الوقت، لم يكن لديهم أفكار التكفير كما كانت لدينا، كان منهم من يؤمنون بأفكار تنظيم الجهاد أو الإخوان أو السفليين ويشاركون الناس صلواتهم، ونحن لم نكن نشاركهم ذلك ونصلي وحدنا.
• هل كنتم تسرقون محلات الذهب المملوكة للنصارى فقط أم المسلمين أيضاً؟
- الجميع بالنسبة لنا كان كافراً، فسرقنا 6 محلات ذهب 5 منها لأقباط، ومحل كان يمتلكه شخص مسلم في عزبة النخل بالقاهرة، فمن يكفّر العوام والجماعات الإسلامية الأخرى، يستحل أموالهم ونساءهم، وكان شرطاً على كل عضو فينا أن يكفّر حتى الجماعات الجهادية الأخرى وأولها جماعة الجهاد.
• لماذا كنتم تكفرون هذه التنظيمات أيضاً رغم اشتراكها معكم في الأفكار التكفيرية ؟
- الجماعة الإسلامية مثلاً كانت تعذر بالجهل ولا تكفر الصوفية الذين كنا نصفهم بــ"القبوريين"، أما جماعة الجهاد فكانت تكفّر الصوفية لكنها كانت لا تكفّر الجماعة الإسلامية التي لا تكفّر الصوفية، فلذا كنا نحكم عليها بالكفر أيضاً... أما عموم الناس فالتنظيم الذي كنت أنتمي إليه كان يرى أن الأصل فيهم الكفر؛ لأنه الأصل يرد للدار؛ فطالما كانت الدار دار كفر فأهلها كفار... وبما أننا كفّرنا المجتمع والجماعات، فسهل علينا أن نستحل دماءهم وأموالهم، ولكننا لم نكن نعتبره استحلالاً بل الحلال والواجب نفسه، وهو بمثابة الفيء الذي أفاءه الله علينا، وهو المال الذي يؤخذ بغير قتال.
• لكنك كنت متهماً في عملية اغتيال الضابط أحمد علاء؟
- شاركت في مقتله دون أن أعرف اسمه، فقد جاءني من نفذ العملية، قبل موعدها بيوم، وطلب مني موتوسيكل "دراجة بخارية"، فأسلمته إياها، فنفذ بها عملية الاغتيال، ولكننا ونحن في السجن تأكدنا من أنه كان ضابطاً على خلق، وندمنا على قتله، فلم يكن قد عذبنا ولا عذب نساءنا كما ادعوا، فعندما كان يقبض هذا الضابط على شخص كان يتعامل معه بالحسنى وينصحه بالابتعاد عن الجماعة ثم يخلي سبيله.
• إذن فلماذا قتلوه؟
- بلغ رمضان مصطفى، المنفذ الأساسي لعملية الاغتيال، خبر مكذوب بأن هذا الضابط قبض على زوجته ليجبرها على الاعتراف ضده فجاءته الفكرة بقتله للتخلص منه، ثم بعد ذلك قمنا باغتيال محمد عوض، مأمور سجن الاستقبال، على طريق الأوتوستراد، وساهمت في قتله بتحضير السلاح فقط.
• وكيف تم القبض عليك؟
- قبض عليّ في العام 1993، في كمين نصب لشخص غيري، كان يقيم في شقة في عزبة النخل، وفي هذا اليوم كنت ذاهباً إليه فقُبض عليّ معه بالصدفة.
• كيف كنت تشتري السلاح لتنفيذ العمليات؟
- من تجار السلاح في منطقة شبين القناطر، من تجار عاديين، وكنت أعرف نفسي لكل واحد منهم باسم حركي مختلف.
• وما الذي جعلك تتراجع عن أفكار التكفير إذن؟
- من شبه المستحيل على من يعتقد أفكار التكفير أن يتراجع عن فكره قيد أنملة؛ لأنك عندما تحاول فتح باب المناقشة معه فهو سيوصده أمامك من البداية، سيقول لك لا آخذ منك الدين، فهو لا يأخذ الدين عن كافر، وهو في اعتقاده أنه لو قبل النقاش معك سيكون كافراً، ويفتح بذلك باباً للشيطان.. هكذا يعتقدون... فيخاف أن يكفر فلا يسمع لأحد، لكن لو منَّ الله عليه برؤيا فهي التي سترجعه عن طريقه كما حصل معي.
• هل تعتقد أن الرؤيا يمكن أن ترجع تكفيرياً عن قناعاته؟
- نعم حدث ذلك في حالتي.. فرأيت رؤىا أيقظتني وأرجعتني عن فكر التكفير، جعلتني أتغير تماماً، فكنا نعتقد أن "الحاكمية" من أصل الدين، وأن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، فهو يرتكب كفراً مخرجاً من الملة، وطلب تغيير الحكم بغير ما أنزل الله فهو كفر أيضاً، فرأيت في رؤيا وكأني كنت أجلس فيها مع السلف الصالح، في حلقة درس وذكر، فنزلت ورقة من السماء، تنفرد كما تنفرد سجادة الصلاة، مكتوب عليها، لو طلب تغيير ما أنزل الله كفر لكفر الصحابة الذين طلبوا تغيير الحكم في المرأة «المخزومية» التي سرقت، فقالوا: من أقرب للرسول –صلى الله عليه وسلم- يشفع للمرأة المخزومية فقالوا: أسامة بن زيد، وذلك كي يقول بن زيد لرسول الله لا تحكم بقطع يدها لأنها امرأة لها وجاهتها في القوم.

لم أجد ضالتي سوى في جماعة "الشوقيين" وهي التي انخرطت معها في أعمال "الجهاد" كما كنت أعتقد

لكن الرسول قال: والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها، هنا المقصد أن الصحابة طلبوا تغيير الحكم بما أنزل الله ومع ذلك لم يكفروا.

أما الرؤية الثانية فهي أكدت لي أن الحاكمية ليست من أصل الدين، بل فرع من فروع الشريعة، فجماعة الجهاد والشوقيين يعتبرون أن الحاكمية من أصل الدين، لكن أصل الدين التوحيد، ولا يختلف في ذلك اثنان.
فلم يكن هناك شريعة عندما دعا النبي قريشاً إلى التوحيد، فلا يمكن أن نضع كل شيء من أصل الدين كما فعل "الشوقيون"، فقضية الديار هذه ليست أصلاً من أصول الدين وليس فيها الخلاف.
وعندما رأيت هذه الرؤيا لم أحدث بها أحداً إلا أنني بدأت أراجع نفسي وفكري وأعتقد أن هذا الحاكم ليس كافراً، وبدأت مراجعة فكري حتى رأيت أبا بكر وهو يمسك يدي ويقول يا شافعي هل ما زلت تكفّر؟ عندها شعرت بالإيمان كله في صدري، وأن كل التكفير مسح من قلبي.

لم يكن الشوقيون يختلفون عن شباب تنظيم "داعش" اليوم الذين يوردون أنفسهم المهالك بغية ما يعتقدون أنه الشهادة في سبيل الله

وبعدها دخلت في مشروع التوبة مع حسن الهلاوي، وهو قائد جهادي شهير، في سجن الاستقبال،كان هذا في العام 1994م وكانت تلك أول مبادرة للمراجعات، وكان الذي يتوب يتعرض لمشاكل كثيرة في السجن وحرب نفسية تمارس ضده، لكنني كنت مؤمناً بالتوبة.
• ألم تشعر بأن التكفير فعل بشع من قبل أن تأتيك الرؤيا؟
- كنا نكفر كل شيء، كنا نقول لمن حولنا أنتم كفار سواء أكانوا ضباطاً أو قضاة أو من عموم الناس والجماعات، كنا ننزل المحكمة مرغمين بالضرب لأن كنا نعتقد أن ذلك كفر لا يجيزه إلا الإجبار والإكراه، فيضربوننا ويربطوننا ويجروننا إلى المحكمة مرغمين ونحن نقاوم بشدة.

من شبه المستحيل على من يعتقد أفكار التكفير أن يتراجع عنها لأنه يعتبر مجرد الحديث فيها كفراً

وعندما نذهب للمحكمة نضرب الشرطة العسكرية بالأيدي، حتى جاء القاضي وقال من يريد أن يأتي فليأتِ ومن لا يريد فهو وشأنه، فقسمنا لفريقين أحدهما رضي بذلك والآخر أصر على موقفه، لكننا كنا نأكل من طعام السجن، مع إيماننا أن التشريعات كفر، فكنا نخالف كل شيء، حتى عدد الزيارات المسموح لنا بها، لكن الشوقيين كانوا لا يرون مانعاً في دخول المدارس، وتكفير من يذهب للدراسة، ثم جاءت مجموعة منا كفرت من يذهب للمدارس، فكفرتنا وهي في الأصل من جماعتنا.

كان دوري تسهيل استجلاب السلاح والمتفجرات وبيع الذهب المسروق من المحلات وتزوير البطاقات الشخصية

مجموعة أخرى كفّرت المجموعة الأشد تكفيراً، إذ كفّرت من يمشي على الطرق، ويتبع تعليمات المرور، لعدم إطاعة الكفار فلم يكونوا يركبون الباصات الحكومية، وكانوا يستحلون التهرب من قطع تذاكر محطات المترو، وكانوا يسرقون الفراخ والبيض والأغنام، وخاصة في قرية كحك معقل الجماعة في الفيوم، ولم نكن نصلي مع الجماعات الأخرى لأنهم كفار، فالصلاة لا تقبل إلا من هو مؤمن، ووقوفي في الصف بجواره اعتراف بإسلامه، وهذا كفر، كما كنا نعتقد.
• إلى متى تعتقد أن يظل هذا الفكر موجوداً؟
- هذا الفكر سيظل موجوداً، طالما لم تتم معالجته بشكل صحيح، وهناك تقصير من الأزهر؛ لأنه ترك الظاهرة تستفحل، والأزهر مكلف بحماية الدين والدعوة الإسلامية وإظهارها للناس، هو قصّر في فترة بدأت فيها الجماعات تزيد، في بداية الظهور في الستينيات عندما بدأت تبرز قضايا التكفير والحاكمية، فتحرّجوا أن يتحدثوا فيها، فتركوا الساحة لغيرهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: