مصافحة النساء إذ تكشف أزمة التجديد الديني

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
7916
عدد القراءات

2018-04-23

قد يعتبر البعض الحديث عن "حرمة" أو "جواز" مصافحة النساء، أقلّ إشكاليات التجديد الديني في الإسلام، أو تقع في إطار القضايا السطحية مقارنة بأزمات فتاوى التكفير والإرهاب.

لربما تقع قضية "حرمة" مصافحة النساء في إطار تلك التفاصيل التي لا ننتبه إليها، والتي تحمل في مضامينها العديد من الرؤى التي تنم عن أزمة التجديد الديني، فكيف نتحدث عن حقوق النساء وأدوارهن المجتمعية، ثم نحرَم مصافحتهن. 

على مدار الأعوام الماضية، تعرضت لثلاثة مواقف رفض فيها بعض الرجال مصافحتي علانية؛ لأسباب دينية، في محافل عامة ودولية، وعلى مرأى ومسمع من الحضور، ما لفت انتباهنا مؤخراً هو القاسم المشترك الذي جمع بينهم، وهو أنّ جميعهم ينتمون إلى ما أسموه (هم) الفكر الوسطي؛ أي غير المتشدد.

فتاوى تحريم المصافحة، ليست حكراً على التيارات السلفية، بل وصلت إلى المؤسسات الدينية الحكومية، التي تقدم نفسها أنها وسطية

رفض عضو حزب الوسط الإسلامي المصري مصافحتي، ونحن في مبنى البرلمان السويدي في العاصمة ستوكهولم، عام 2014، رغم حديثه الدائم عن الحقوق والمساواة، وديمقراطية لا إقصائية في بلد علماني ارتضى زيارته، ورفض أحد الملالي من إيران مصافحتي في مؤتمر التعددية الدينية والثقافية في اليونان، عام 2017، رغم أنّه كان يمثل منظمة سلام إيرانية، ورفض أستاذ في معهد العلوم والفكر السياسي في إيران كذلك مصافحتي، بعد ندوة لمناقشة كتابي "نساء في عرين الأصولية الإسلامية"، التي أقيمت في معرض الكتاب في تونس 2018، رغم أنّه جاءني ليحدثني عن إنجازات المرأة في إيران وحصولها على كثير من حقوقها، في إطار الحراك الذي أسماه "إصلاحياً"، وهو ما يدل على أنّ الآراء المتشددة لا يحملها فقط حراس العقيدة من رجال الدين وحدهم؛ بل امتدت إلى المجتمع المدني والحزبي.

جمعتني بكلّ من سبق ذكرهم أحاديث خالية من التراشق، حتى إن كانت أفكارنا مختلفة، ولهذا كنت أتشجع بمبادرة المصافحة بعد انتهاء الحوار، وكان رفض المصافحة؛ لأسباب دينية، كوني امرأة، هو القاسم المشترك. 

القضية ليست شخصية بكل تأكيد؛ فالهدف ليس الشخصنة، ولكن التجربة الشخصية تفتح لنا أبواباً من التساؤلات الفقهية عن حكم مصافحة النساء، ولماذا تظلّ هذه القضية مسيطرة على الفكر الديني للشعوب، وأحياناً النخب المتعلمة حتى الألفية الثالثة، رغم تحقيق المرأة كثيراً من المكتسبات الحقوقية (نسبياً)، خاصة في مجال التعليم والسفر والوظيفة العامة، على مدار المئة عام الماضية، (دون تعميم بالطبع)؛ لأنّ تلك الحقوق تختلف من منطقة جغرافية لأخرى، ومن بلد إسلامي لآخر. 

في قضية حرمة المصافحة علينا أن نشير إلى عدة مشاهد:

1 ) إنّ حرمة المصافحة بين الجنسين  ليست حكراً على الفقه الإسلامي، فقبل الإسلام كانت اليهودية محذرة من التلامس بين الجنسين، فحسب الشريعة اليهودية، أو ما يُطلق عليها بالعبرية (الهلاخاة  הֲלָכָה)، فإنّ التلامس المعروف ياسم (نيجياه נגיעה)، وهو يشمل العناق، ومصافحة اليد، والتربيت على الكتف بين الجنسين، كلها من الأمور المحرَّمة، ولعلنا نتذكر أنّ وزير الصحة الإسرائيلي (ياكوف ليتزمان)، رفض مصافحة نظيرته البلجيكية (لوريت أونكيلينكس)، في مؤتمر دولي عام 2012، كونه يهودياً محافظاً، كما وصف نفسه، وكتبت وزيرة الصحة البلجيكية فيما بعد، على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك "يداي نظيفتان"، وأعربت عن أنّها لم تتعرض لهذا الموقف المحرج سوى مرة واحدة في حياتها، حين قابلت مسؤولاً إيرانياً، وليس المقصود هنا تبرير الموقف الفقهي الإسلامي باليهودي، إنما الغرض هو المقاربة بين الأصوليتين؛ الإسلامية واليهودية، ولعلنا نتحدث هنا فقط في نقطة صغيرة لا نختزل الأمر فيها.

أُثير جدل واسع بشأن تحريم أو جواز المصافحة بين الأزهريين لكنّ الاختلافات عادة كانت تحمل اختلافاً في المفردات اللفظية

2 ) أنّ الترويج لفتاوى رفض المصافحة بين الجنسين من المنظور الإسلامي، حتى إن كان فكراً ذكورياً، إلّا أنّ كثيرات من النساء أنفسهن يتمسكن به، وهذا يقودنا إلى أنّ الأصوليات التي تعزّز الذكورية تعتمد على ترسيخها لدى النساء منذ الصغر، لتصبح النساء مؤمنات بأنهنّ عورات، فتصبح المرأة أكبر داعية للأصولية التي تجعل منها مصدراً للغواية، فعلى سبيل المثال: نذكر واقعة رفض طالبة لمصافحة رئيس جامعة الأزهر  (آنذاك) د. أحمد الطيب، عام 2008، أثناء تسليمه إياها شهادة تقدير للتفوق العلمي، فبدا الأمر كأنّ  المؤسسات الدينية الحكومية (الأزهر)، تعاني من تسرّب الأفكار المتشددة إليها؛ بل وتحاربها، لكنّ الفتاة لم تفعل شيئاً غريباً عما تعلمته في أروقة الأزهر، وعلينا طبعاً التفريق هنا بين مشيخة الأزهر وجامعة الأزهر، لكن دون أن نعدّهما على خلاف فقهي؛ فالجامعة تدرّس أبناءها علوماً شرعية في المقام الأول. 

3) أُثير جدل واسع بشأن تحريم أو جواز المصافحة بين الأزهريين، لكنّ الاختلافات عادة كانت تحمل اختلافاً في المفردات اللفظية، ولهذا شرعت، في صباح يوم الأحد 15 نيسان (أبريل) 2018، بالتواصل المباشر مع دار الإفتاء المصرية التابعة للمشيخة لحسم هذا الجدل، وتقدمت بطلب فتوى رسمية حملت رقم 129903، وتمّ الرد على الفتوى بتسجيل لصوت شيخ منهك القوى، ما اضطرني لسماع الرسالة عدة مرات، والفتوى كانت قصيرة جداً، قال فيها: "يجوز لكِ مصافحة رجال يجوز الزواج منهم، لكن بحائل، أو "قفازات"، أو ما إلى ذلك". 

الفتوى هنا لم تبدأ "بلا يجوز"؛ بل بدأت بالإجازة التي تضمنت عدة شروط تحمل في طياتها الممانعة، فورد في الفتوى أنّه يجوز لي أن أصافح من يجوز لي الزواج منهم، وعلى هذا الأساس، وبحسب الشريعة، لا يجوز مصافحة غير المسلم، وكذلك وجود الحائل معناه أنّ المصافحة غير جائزة في شكلها الطبيعي الإنساني، كما أنّ الفتوى تصنع من كلّ رجل أصافحه مشروع زوج محتمل، ما يدلّ على النظرة الجنسانية للمصافحة.

وتلك النظرة عضدها الشيخ الراحل عطية صقر، أمين الفتوى بالأزهر سابقاً، حين ربط بين المصافحة وحفظ النفس من الزنا، فقال الشيخ في فتواه التي قلبت الدنيا رأساً على عقب، عام 2002، إنّ قضية المصافحة وحكمها وردت في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم:

"كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان تزني وزناهما النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها السعي، واللسان يزني وزناه الكلام، والفم يزني وزناه القبل"، واستكمل الشيخ صقر الفتوى قائلاً: إنّ هذا الحديث صحيح، وقد رواه البخاري ومسلم، وأكّد الشيخ صقر، أنّ هذه الصيغة للترهيب؛ لأنّ المصافحة من مقدمات الزنا.

هل اخترقت السلفية المؤسسات الدينية الحكومية التي  ترفع شعار تجديد الخطاب الديني أم أنّ المشكلة أعمق؟

وإشكالية مثل هذه الفتاوى أنّها ترسّخ لدى العامة على أنّها لا جدال فيها، كما أنّ ربط المصافحة بالشهوة فيه قصور نظر كبير؛ فالرجل والمرأة في حالة الشهوة لن يلجآ للمصافحة عادة.

4) فتاوى تحريم المصافحة، أو وضعها قيد الشرط، ليست حكراً على التيارات السلفية، بل وصلت إلى المؤسسات الدينية الحكومية، التي غالباً ما يتم تقديمها على أنّها مؤسسات وسطية، ما يجعلنا نعيد النظر في مفهوم الوسطية؛ فدار الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية قامت بتحريم المصافحة في الفتوى التي تحمل رقم 2438، بتاريخ 26 تموز (يوليو) 2012، وورد فيها نصّ "لا يجوز للرجل أن يصافح المرأة الأجنبية، والمقصود بالأجنبية من ليست زوجة ولا محرماً نكاحها على التأبيد؛ لأن الله تعالى أمرنا بغض الأبصار عن النساء، والذي يبدو منهن غالباً الوجه واليدان، فإذا حرم النظر إلى ذلك فحرمة لمسه من باب أولى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ) رواه الطبراني في المعجم الكبير، وعن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، قالت: (مَا مَسَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ إِلاَّ امْرَأَةً يَمْلِكُهَا) ورد في  مسند أحمد بن حنبل. ونحن في زمن فتن يستغرب فيه مثل هذا الكلام، لكن طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

5) ويقول الشيخ الألباني (1914-1999) استناداً للحديث السابق، إنّ مقولة (في رأس أحدكم) فيها دليل على مخاطبة أمة الإسلام، وقد اتفق الأئمة الأربعة على تحريم مصافحة الشابة الأجنبية) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها– الشيخ الألباني– دار المعارف 1995).

والشيخ الألباني من أهل السنة والجماعة، ومحسوب على التيار السلفي، كونه ممن تأثروا بشيخ الوهابية محمد عبد الوهاب (توفَّي 1791)،  والإمام ابن باز مفتي المملكة العربية السعودية (توفَّي 1999) الذي قام بدوره بتحريم المصافحة بين الجنسين، واستند ابن باز إلى حديث السيدة عائشة في الصحيح، لما ذكرت البيعة للنساء، قالت: "ما مسّت يده يد امرأة قط، ما كان يبايعهنّ، عليه الصلاة والسلام، إلّا بالكلام"، ويستطرد ابن باز قائلاً: "مسّ يد النساء  فتنة،  قد تكون شابة، وقد تكون يدها ناعمة (وردت هذه الفتوى في برنامج "نور على درب"، وهو برنامج على إذاعة القرآن الكريم السعودية، وقد تمّ وضع تسجيل صوتي للفتوى بصوت الإمام ابن باز على الموقع الرسمي للإمام)، كما تم تفريغها نصّياً في كتاب حمل فتاوى "نور على درب"  للشيخ ابن باز بمعرفة الدكتور محمد بن سعد الشويعر.

وصولاً إلى المشهد الأخير في قضية يراها البعض فرعية، يتضح لنا أنّ ما وراء السطور أهم من جمع المشاهدات السابقة، هذه المشاهدات تجعلنا نتساءل: هل اخترقت السلفية المؤسسات الدينية الحكومية التي دوماً ترفع شعار تجديد الخطاب الديني، أم أنّ المشكلة أعمق من هذا؟ فهل يمكن أن نقول إنّ السلفية وتلك المؤسسات على اختلاف منهجيتهما ينهلان من المصادر ذاتها وهي تلك المصادر في التراث التي تحتاج إلى مراجعة فكرية، ليس لإنكار وجودها، إنما لاستيعاب أنّها كانت بيئة زمانها وأنّ الظروف قد تغيرت؟

لقد تغيرت الظروف التي مكّنت المرأة من تقلّد مناصب قضائية وبرلمانية، وتغيرت ظروف تعليم وسفر المرأة، وظلت فتوى المصافحة بحائل أو عدم جواز المصافحة من الفتاوى التي تسيطر على العقل الجمعي للشعوب؛ فالمرأة خرجت من منزلها، لكنّها ظلت في التخيل الذهني "عورة"، وهو تخيل لا يمكن أن نناقشه دون مواجهة نظرة التراث للمرأة، على أنّها مصدر الغواية، وهذا سيحتاج إلى بحث منفصل.

مدلول هذه المشاهدات؛ أنّ النصوص التي يستند إليها الشيوخ في جواز المصافحة، بحائل أو بنيّة خالية من الشهوة، تدل على أنّ عقل بعض المجددين أنفسهم لم يتجاوز صورة المرأة التي تتحدث "من خلف حجاب".

إنّ قضية فتاوى مصافحة النساء، التي اعتبرنا أنّ لا أهمية لها، تصبّ في قلب هذه التفاصيل البسيطة التي تكشف لنا أزمات التجدد في الفكر الديني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: