لماذا علينا أن نكذبَ في الكتابة؟

فدوى العبود: لماذا علينا أن نكذبَ في الكتابة

لماذا علينا أن نكذبَ في الكتابة؟


07/11/2026

فدوى العبود

في طفولتي، فتنتني العلاقة بين الحقيقة واللّغة، بين الأشياء والكلمات التي تعبر عنها، هذا جعلني بطيئة بعض الشيء في رد فعلي، ورغم أني كنت منتبهة لكن في ذات الوقت أصبحت عرضة للنقد ممن حولي. 

ومع أننا نولد والأسماء موجودة، بحيث يظهر أننا أكثر حظًا من آدم الذي كان عليه أن يبتكرها، لكن يبدو أن ذلك لم يكن يومًا في صالح الأدب. في كل حال كانت الأحداث الضخمة والكلمات الكبيرة هي التي تنال عنايتنا على الدوام. 

الثياب فوق أغصان الشجرة الهرمة، الديك على السياج بصبر "سمعان العمودي"، الأم توقد النار، الشامة على كتف الأب، الأحجار التي تتساقط من الصخرة التي يجلس عليها الجد.

كل تلك الأشياء من الممكن مقاربتها باللغة العادية، فماذا يعني أن نقول: "قن دجاج، أو ديك، أو ثياب تؤرجحها ريح بعد الظهيرة". الكلمات هنا مثلها مثل طعام إجباري يعاد تسخينه. عاجزة عن استيعاب الأثر الذي تتركه التفاصيل. وهي غير كافية بالنسبة للأشياء.  

 لم يكن بيان هوسرل يومًا عن المعيش سوى استرداد لحق الأخير في اللغة. إذ كانت قبل ذلك تنحاز للضخامة في الأحداث، (حروب، ملوك، مدن، حضارات)، تنحاز لما يفارق العيش والأشياء الصغيرة التي تطالب بحقها في الوجود ونصيبها من الكلمات.

 وهذا جزء من العدالة التي تتبع طرقًا غامضة في التعبير عن نفسها، وأحدها أن يولد شاعر أو كاتب أو ينجو دائمًا شخص ما ليعيد لها اعتبارها. لكن هذا يتم عبر المحو والنسيان، محو الكلمات التي تعلمناها لخلق كلمات جديدة، وهنا يبدأ الحد الفاصل بين ترتيب الكلمات كما وجدناها وبين ابتكار نمط وجود جديد لها.

يعتقد الشعر أنه يحسن صنعًا عبر الاستعارات والإنشاء، وهذا لا يبدو كافيًا من وجهة نظرها، فهي تريد أن يعاد اكتشافها، لا من خلال تبجيل لا تريده بل عبر احترام تطالب به.  وهنا لا تكفينا الذاكرة وحدها، فهي كالموقد بلا نار، يمنح الخيال الأحداث حقها الذي تطالب به. وهذا الحق وفي أحد وجوهه هو الخيانة، خيانة العادي لصالح ما يرغب في قوله هذا العادي. أن نخون ما حدث لصالح مالم يحدث وما هو ممكن الحدوث.

الحلية في رقبة الأم، أو الإسوارة تحيط معصهما وهي توقد النار أو الفانوس. الطفل الذي -لا يزال الكاتب في داخله رشيمًا- يتابع بعينيه وخياله هذا المشهد. ثمة شيء غير مرئي لا يمكن للأسماء التي نعرفها أن تعبر عنه، إذ وصفناه بالكلمات الاعتيادية فهذا يعني أننا نروي بشكل رديء.

  كان فوكو "في الكلمات والاشياء" يعتقد أن الكلمات تضيء الموجودات المادية وتخرجها من عتمتها إلى حيز الوجود. لكن لا يمكن الاعتماد على هذا الفهم من طرف واحد - ذلك استبداد-، ويمكنني أن أذكر هنا أمثلة كثيرة عن اللغة وأهميتها وقدرتها على منح حق الوجود والمحو للأشياء، لكن في المقابل لا يمكن للغة أن تتفتح دون أن الانصات لما تريد الأولى أن تقوله. فهي تقول شيئًا مختلفًا في كل مرة تقع عليها عين، إنها تكتشف ذاتها عبر هذا الحوار. لا تمتاز اللغة بمنح الأحداث وجودها بل تهبها الأحداث الأصالة والجدارة. هنا لا يكون المحو والتعديل للعثور على الزاوية الصحيحة كافيًا بل العثور على كلمات حية.

تبلغ الأشياء كمالها لحظة محو الكلمات الاعتيادية للتعبير عنها، للوصول للغة تضاهي غير المرئي فيها، لتضاهي المعنى الذي يربض تحت ركام العادي، هناك يعثر الفن على بذوره. ليس معصم الأم سوى العظام واللحم والأعصاب لكن تحت ذلك كله يكمن ما يعنيه هذا المعصم. وهي هناك مجرد امرأة تدفع بعض الأخشاب في موقد. في قلب هذا يوجد معنى لا يفسد ولا يمكن قوله عبر الكلمات المألوفة.

إن النظر إلى وجه ميدوزا يحوّل الإنسان إلى حجر، كذلك يحيل الكلام العادي الحقيقة والجمال إلى زهور صناعية، هذا أقسى عقاب يمكن أن يقع فيه كاتب يعمل في منطقة الراحة.

فاللغة لا تهب الموجودات مشروعيتها بل تستمد أصالتها من خلال طريقة تعبيرها عنها وهي ليست طريقًا سالكة للذات الكاتبة المضطرة للكذب، فالاختلاق في الأدب هو شكل من أشكال الحقيقة.

تدّعي الواقعية إخلاصها للواقع، لكن نظرة متأنية تظهر أن أكثر الكتاب الواقعيين كانوا يختلقون ويحرفون ويحفوّن الواقع للكشف عن شذرة صغيرة من الذهب.

شاهدت فيلمًا وثائقيًا "عن طريقة جمع الذهب"، إذ تقف بعض العاملات تحت أغصان شجرة يغطيها التراب، ويبدأ أحدهم في هزّ الأغصان فيتساقط التراب في مقطفٍ جلدي. في المرحلة الثانية تدفع المقطف في مياه النهر عدة مرّات. على طريقة آباء الكنيسة في تعميد الأطفال. تدفع المقطف برفق وصبر فيشفّ أكثر، بعد مرات متعددة، ظهرت ذرات الذهب في قعر المقطف وكانت أصغر من حبّة مسكن للصداع، تتلألأ وسط الماء الذي استعاد صفاءه.

 اللغة هي هذا.

 كلمات نادرة تنتظر من يخرجها من غفلتها. وهي في قلب الأشياء كما البذرة في الزهرة. وعبر المحو والكتابة والتعديل نلتقي بها. إذ يعثر الرسام عبر ضربات الفرشاة على اللوحة كذلك فالكلمات الاعتياديّة هي الضربة الأولى لمواصلة الغوص إلى الكلمات الجديدة. التي لا تتكون بالضرورة مما حدث، بل مما لم يحدث، وما يمكن أن يحدث، والكذب في هذه الوضعيّة لا يعدّ ضرورة جماليّة بل مسالة أصالة.

تكوين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية