اليسار والإخوان وقوس قزح!

اليسار والإخوان وقوس قزح!

اليسار والإخوان وقوس قزح!


03/11/2026

محمد الوهيب

كيف يمكن ليساري متطرف في أوروبا يناضل ضد تدخل الكنيسة في السياسة، ويدافع عن حقوق المرأة والمثليين والحريات الفردية، أن يقف متضامنًا مع جماعة إسلامية محافظة كالإخوان المسلمين، تتبنى مشروعًا سياسيًا يقوم على مرجعية دينية؟ هذا التناقض ليس مجرد مفارقة سياسية عابرة، بل تحول عميق في طريقة تفكير بعض تيارات اليسار الغربي المعاصر.
تاريخيًا، قام اليسار على فكرة التحرر من أشكال الهيمنة، سواء كانت اقتصادية أو طبقية أو دينية. وكان نقد السلطة الدينية جزءًا أساسيًا من معركته دفاعًا عن حرية الإنسان واستقلاله. لكن قطاعات من اليسار الراديكالي انتقلت تدريجيًا من التركيز على الصراع الطبقي إلى سياسات الهوية ومناهضة الاستعمار والهيمنة الغربية، نتيجة أسباب كثيرة لا داعي للوقوف عندها هنا لضيق المجال. أصبح السؤال عند اليسار ليس: ما المبادئ التي تدافع عنها هذه الحركة؟ بل: ضد من تقف هذه الحركة؟

وهنا تبدأ المشكلة، فالإخوان المسلمون واليسار الراديكالي لا يجتمعون على تصور واحد للحرية أو المساواة أو طبيعة الدولة. بل إن بينهما اختلافات جوهرية يصعب تجاوزها. لكنهما قد يلتقيان في معارضة السياسة الأمريكية وإسرائيل والنفوذ الغربي. وهكذا أصبح الخصم المشترك أقوى من التناقض الفكري، وتحولت السياسة من صراع حول المبادئ إلى اصطفاف بين المعسكرات.

بسبب الهوس بسياسات الهوية، بدأ بعض اليساريين بالتعامل مع الإسلام السياسي باعتباره امتدادًا طبيعيًا للمجتمعات المسلمة المضطهدة أو المهمشة. وهنا حدث خلط بين الدفاع المشروع عن المسلمين ضد العنصرية، وبين الدفاع عن التنظيمات السياسية التي تدّعي تمثيلهم، كحركة الاخوان المسلمين، فانتقاد الإخوان المسلمين ليس بالضرورة انتقادًا للإسلام، كما أن رفض مشروعهم السياسي لا يعني العداء للمسلمين.

في المقابل، لا يخلو موقف الإسلاميين من حسابات براغماتية. فالحركات الإسلامية المحافظة تريد التعاون مع قوى علمانية ويسارية في الغرب، بل قامت بذلك بالفعل، رغم اختلافها معها حول قضايا اجتماعية أساسية. وما يبدو تناقضًا فكريًا تحول بالفعل إلى فرصة سياسية: اليسار يحصل على حلفاء في معاركه الاحتجاجية، والإسلاميون يحصلون على مساحات إضافية للحضور والشرعية السياسية.

الاختبار الحقيقي لهذا التحالف في اعتقادي يظهر عند الحديث عن الحقوق والحريات، فإذا كان اليساري يرفض فرض القيم المسيحية المحافظة على المجتمع الأوروبي، فلماذا لا يطبق المعيار نفسه على مشروع إسلامي محافظ؟ وهل تصبح حرية المرأة والمساواة وحقوق الأقليات قضايا ثانوية عندما يكون الطرف الذي يهددها محسوبًا على معسكر مناهضة الإمبريالية؟

بالطبع، ليس كل يساري متضامن مع الفلسطينيين مؤيدًا للإخوان أو ل«حماس»، وليس كل دفاع عن المسلمين تحالفًا مع الإسلام السياسي. لكن هذا التمييز الضروري لا يلغي وجود تحالفات سياسية فعلية تستحق النقد والمساءلة.

المشكلة في النهاية ليست أن اليسار يتحالف مع من يختلف معه؛ فالسياسة تعرف التحالفات المؤقتة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التحالف السياسي إلى صمت فكري وانتهازية. ان لجوء إخوان أوروبا وأمريكا للتحالف مع قوى يسارية تدافع عن قيم تحاربها هي نفسها في مجتمعاتها الأصلية هو انتهازية مفضوحة؛ انتهازية تصبح فيها المبادئ مجرد أداة للمصلحة: تطالب بالحريات حين تحتاج إليها، وتتحفظ عليها حين تصبح عائقًا أمام مشروعها السياسي.

القبس




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية