لماذا تتظاهر فرنسا؟ من إرث الثورة إلى أزمة الثقة

لماذا تتظاهر فرنسا؟ من إرث الثورة إلى أزمة الثقة

لماذا تتظاهر فرنسا؟ من إرث الثورة إلى أزمة الثقة


22/10/2026

لا توجد أمة تتقن فن الاحتجاجات الجماهيرية مثل فرنسا فالاحتجاج جزء من الهوية ويرجع إلى عصر الثورة.

فعندما يعترض المواطنون على ارتفاع ضرائب الوقود، يرتدون "السترات الصفراء" ويخرجون في مسيرات، وعندما يطالب المزارعون بأجور أفضل، يقود المئات منهم جراراتهم في شارع "الشانزليزيه"، وحين يطالب العاملون في المتاحف بتحسين إدارة شؤون السياحة، يضربون عن العمل مما يؤدي إلى إغلاق متحف "اللوفر".

يُعد الاحتجاج جزءاً أصيلاً من الهوية الفرنسية لكن المظاهرات الأخيرة التي تعد الأعنف منذ سنوات وما صاحبها من إجراءات أمنية صارمة، أثارت المخاوف من أن تطغى أعمال الشغب على مئات الآلاف من المتظاهرين السلميين الذين يحتجون على ارتفاع تكاليف المعيشة وتردي الأوضاع في المدارس، وفقا لما ذكرته وكالة "أسوشيتد برس".

وأشارت الوكالة إلى أنه في يوم السبت وحده، تم اعتقال ما لا يقل عن 2400 شخص، بعدما اشتبك مثيرو شغب مع الشرطة في عدة مدن فرنسية وأضرموا النار في السيارات، واقتحموا مباني عامة، ونهبوا المتاجر، كما تسببوا في اشتعال النيران في مبنى تاريخي لبلدية إحدى المدن ومن المحتمل أن تشهد البلاد المزيد من الاحتجاجات.

وتساءل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يستعد لمغادرة منصبه "كيف يمكن للفرنسيين أن يفعلوا هذا بفرنسا؟". وأكد أنه لا شيء يبرر هذا الدمار، مضيفا "جميعنا نشعر بالغضب والخزي".

ثقافة الاحتجاج

لكن أي دارس للتاريخ الفرنسي يدرك أن ثقافة الاحتجاج في فرنسا بصخبها وتنوعها قد تتخذ أحياناً منحىً عنيفاً؛ وهو أمر يعود تاريخه إلى قطع رؤوس الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت خلال الثورة التي أطاحت بالنظام الملكي عام 1789.

ويرى المؤرخون أن الثورة الفرنسية كانت البداية للتقاليد الفرنسية المعاصرة، التي تعتبر المشاركة المدنية واجباً وطنياً فالفكرة السائدة هي أن التصويت ليس الوسيلة الوحيدة لإحداث التغيير حيث يُنظر إلى التظاهر كقيمة جوهرية، ووسيلة لإيصال صوت الشعب إلى النخب الحاكمة والدفاع عن الحريات. 

كما أن تحول الفرد إلى ناشط يعد بمثابة طقس متوارث عبر الأجيال، إضافة إلى أن الحق في الاحتجاج مكفول دستورياً في فرنسا. 

وقالت ماغالي ديلا سودا، مديرة الأبحاث في العلوم السياسية بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في بوردو "إنها وسيلة لبناء هوية جماعية ومجتمع سياسي".

ولا يمثل تاريخ فرنسا في مرحلة ما بعد الثورة مساراً ثابتاً من الاحتجاجات والإصلاحات، بل سلسلة من دورات الانتفاضات الشعبية، والقمع، والتعبئة، والتنازلات السياسية.

وفي بعض الأحيان، يتخذ هذا التقليد طابعاً مأساوياً؛ ففي 1871، شنت القوات الحكومية حملة قمع ضد "كومونة باريس" -وهي حكومة بلدية أُنشئت آنذاك- مما أسفر، عن مقتل الآلاف.

وفي حالات أخرى، حقق العمل الجماعي نجاحاً؛ مثلما حدث في 1968، حين أجبرت المظاهرات الطلابية والإضراب العام الحكومةَ على تقديم تنازلات، مثل رفع الحد الأدنى للأجور. 

وفي تاريخ أكثر حداثة، تظاهر عناصر حركة "السترات الصفراء" ضد مقترح لزيادة الضرائب على الوقود، ثم توسعت الاحتجاجات لتشمل قضايا أخرى مثل تكاليف المعيشة وانعدام المساواة. وشهدت بعض المظاهرات في عامي 2018 و2019 إحراق سيارات، وأعمال نهب، ومواجهات مع الشرطة.

وبالمثل، توسعت احتجاجات الطلاب التي جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع لتتجاوز قضايا التعليم وتطرح مظالم أخرى، وتخللتها مشاهد درامية من أعمال النهب والاشتباك مع الشرطة. 

ولم يتضح بعد ما إذا كان الأشخاص الذين نهبوا المتاجر قد شاركوا في الاحتجاجات أم أنهم كانوا مجرد انتهازيين استغلوا الموقف. 

وردت السلطات بفرض حظر تجول ليلي، في حين ظهرت دعوات لتنظيم المزيد من الاحتجاجات في وقت لاحق من الأسبوع.

وقبل أقل من أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار قادة الحزب الجمهوري استغلال أعمال الشغب في فرنسا، والزعم بأن الاضطرابات الاجتماعية في أوروبا ناجمة عن المهاجرين المسلمين لكن السلطات في باريس لم تربط بين المهاجرين والعنف.

وقود الاحتجاجات

ويرى عالم السياسة فابيان جوبارد، أن بعض العوامل المحركة للاحتجاجات على مدى الشهر الماضي تعود إلى تقاليد فرنسية ظهرت في الآونة الأخيرة.

وأوضح أنه منذ تسعينيات القرن الماضي، شهدت فرنسا موجات متكررة مما يسميه الفرنسيون "العنف الحضري" وهو ما يصفه الأمريكيون بـ "أعمال الشغب". 

وقال إن هذه الأحداث غالباً ما تندلع بسبب عنف الشرطة؛ فقد شهدت البلاد اضطرابات واسعة النطاق في 2005 بعد وفاة مراهقين أثناء هروبهما من الشرطة، وتكرر الأمر في 2023 بعدما أطلق شرطي النار على شاب يبلغ من العمر 17 عاماً فأرداه قتيلاً خلال عملية توقيف مروري خارج باريس.

وأضاف: "بالنسبة للشباب القادمين من الضواحي، تعد أعمال الشغب إحدى الأشكال التقليدية للتعبير الجماعي".

وزعم نشطاء في مجال حقوق الإنسان أن تكتيكات الشرطة خلال الشهر الماضي اتسمت بعنف لا مبرر له، وتتركز معظم الانتقادات على إطلاق الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية، التي تسببت في إصابات خطيرة للمتظاهرين.

وأشارت ديلا سودا إلى أن عدد الاعتقالات الذي بلغ قرابة 8 آلاف حالة في الأسابيع التي سبقت 17 أكتوبر/تشرين الأول، يفوق بمراحل الاعتقالات التي لم تتجاوز بضع عشرات خلال احتجاج عام 1998، الذي شارك فيه 500 ألف طالب ضد نقص المعلمين وتهالك المدارس.

وأضافت أن الشعور بعدم وجود آذان صاغية يلعب دوراً في هذا الوضع؛ حيث لا يتم الاستماع إلى المحتجين والتفاوض معهم مما يؤدي إلى تزايد حالة انعدام الثقة.

العين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية