من "التكية" إلى "الخلية": تحولات التدين الكردي بين التصوف والأدلجة

من "التكية" إلى "الخلية": تحولات التدين الكردي بين التصوف والأدلجة

من "التكية" إلى "الخلية": تحولات التدين الكردي بين التصوف والأدلجة


21/10/2026

حين تصعد في دروب جبال "هورامان" الوعرة حيث تتكئ قرى بيارة وطويلة على سفوح الصخر، لا تستقبلك النصوص الحزبية ولا الكتيبات الفقهية الجافة، بل يستقبلك صوت الدف الصوفي وهو يتردد في الوديان، ممتزجاً بنسائم الجوز والرمان، شاهداً على نمط فريد من التدين صاغ وجدان الكرد عبر قرون. كان الإيمان في كردستان العراق ابناً باراً للأرض والجبل، إيماناً شفهياً شعرياً يستوطن القلب قبل أن تحاصره المفاهيم البيروقراطية، ويجد ملاذه الأخير في رحاب التكية والخانقاه، حيث يذوب الفارق بين الطبقات وتتسامى الروح فوق قيود الانتماءات الضيقة. غير أنّ العقود الأربعة الأخيرة شهدت انكساراً بنيوياً في هذا الفضاء الروحي إذ تراجعت التكية التي رعت الهوية والتسامح، لتحل محلها الخلية الحركية المستوردة بأطرها الحزبية الصارمة. إنّ قراءة هذا التحول تقتضي غوصاً هادئاً في علم الاجتماع الديني الكردي لتفكيك المسافة الفاصلة بين تدين شعبي صوفي كان حارساً للخصوصية القومية، وبين إسلام حركي حوّل الدين إلى أداة للصراع على السلطة.

روحانية التكية: ملاذ الوجدان والخصوصية الثقافية

تاريخياً لم تكن التكية في السليمانية، أو أربيل، أو دهوك أو كركوك، مجرد زاوية للعزلة والذكر، بل كانت المركز العصبي للمجتمع المدني الكردي قبل تشكل الدولة الحديثة. ففي رحاب الطريقتين العريقتين: القادرية (بإرثها البرزنجي والكسنزاني) والنقشبندية الخالدية (التي فجر نهضتها مولانا خالد الشهرزوري)، صاغ الكرد عقدهم الروحي والاجتماعي. كانت التكية ملجأً للفقير، ومأوى لعابر السبيل، ومدرسة يتعلم فيها المريدون أصول التواضع والزهد، وحصناً تنصهر فيه النزعات العشائرية في بوتقة أخلاقية جامعة.

والأهم من ذلك أنّ التدين الكردي التقليدي كان ناطقاً باللسان الكردي فالأشعار الصوفية لمولوي تاوه كوزي، ونالي، ومحوي، وفائي، كانت ترنم في مجالس التكية جنباً إلى جنب مع آيات التنزيل، ممّا أضفى على الإسلام طابعاً محلياً حميماً يتناغم مع الروح القومية الكردايتي. وكان لشيخ الطريقة في المخيال الشعبي سلطة روحية وأخلاقية تتجاوز الحسابات المادية. فهو حامي المظلوم وشفيع الجماعة، كما جسدته مكانة كاك أحمد الشيخ في السليمانية. ولم يكن هذا النمط الروحي غريباً عن شواغل الأرض. فشيوخ الطرق أنفسهم من الشيخ عبيد الله النهري إلى الشيخ محمود البرزنجي والشيخ سعيد بيران، هم الذين قادوا أولى الثورات التحررية لحماية كرامة الشعب الكردي وحقوقه التاريخية.

صدمة الخلية: اجتياح الإيديولوجيا المستوردة

بدأت ملامح التصدع تلوح مع أواخر سبعينيات القرن العشرين، وتحديداً في مدن مثل حلبجة والسليمانية حيث تسربت إلى المجتمع الكردي أدبيات حركات الإسلام السياسي، عبر ترجمات كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وحسن البنا. وبدلاً من فضاء التكية المفتوح للجميع، تأسست الخلية الإخوانية المغلقة، القائمة على التراتبية الحزبية، ومبدأ السمع والطاعة، وتقسيم المجتمع إلى دائرتي الفسطاطين: (الإيمان والجاهلية).

قامت هذه الحركات التي تبلورت لاحقاً في تشكيلات مثل الحركة الإسلامية ثم الاتحاد الإسلامي الكردستاني، بمحاكمة قاسية للتدين الشعبي فاعتبرت زيارة مراقد الأولياء والتعلق بالشيوخ ضرباً من البدع والخرافات، ووصفت طقوس الدف والذكر بأنّها تخدير للأمة. وباسم تصحيح العقيدة، جرى تجفيف ينابيع الروحانية الجبلية لصالح عقل فقهي ميكانيكي، يختزل الإيمان في مظاهر الانضباط الحزبي والنشاط الدعوي السياسي.

لقد أحدث هذا الاستبدال اغتراباً نفسياً وثقافياً عميقاً إذ استبدلت لغة الشعر الصوفي الرقيقة بلغة إيديولوجية خشبية وهجينة ومترجمة، لا تحمل نبض الجبل ولا دفء التراث الشفهي. وتحول المريد الذي كان يسعى لتزكية نفسه وتهذيب كبريائه في التكية إلى عضو حزبي في الخلية، مشغول بالولاء التنظيمي، والتعبئة الانتخابية، واستقطاب الأصوات للبرلمان، والصراع على المناصب والمغانم السياسية.

تراجع المكانة الاجتماعية للمرأة وتفكيك النسيج التعددي

من المفارقات الكبرى التي يكشفها التحليل السوسيولوجي أنّ التدين الصوفي الكردي كان يحمل في طياته مرونة اجتماعية سمحت للمرأة الكردية بحضور بارز داخل الفضاء العام والريفي. فلم تكن محاصرة بالنقاب أو بالوصاية الصارمة التي تفرضها الإيديولوجيات الحديثة، بل كانت تشارك في حلقات الذكر وتدير شؤون البيت والقرية بحرية مستمدة من التقاليد العشائرية المتصالحة مع الفطرة.

ولكن بدخول الخلية الإخوانية والسلفية إلى القرى والبلدات الكردية، فرضت منظومة فقهية شكلية وافدة، حاصرت المرأة بقيود الملبس المستورد وأنماط العزل الاجتماعي بدعوى درء الفتنة. فضلاً عن ذلك ضرب الخطاب الحركي روح التسامح التاريخي التي تميزت بها كردستان، تلك الروح التي سمحت للمسلمين واليهود والمسيحيين والإيزيديين بالعيش المشترك في مدن كأربيل ودهوك والسليمانية، حيث كان شيوخ التكايا أول من يفتح أبوابهم لحماية جيرانهم من أتباع الديانات الأخرى في أوقات المحن. هذا النسيج الإنساني استُبدل بخطاب تكفيري وتصنيفي لا يرى في الآخر سوى مشروع استقطاب أو خصم عقائدي.

إنقاذ النزعة الإنسانية: في استرداد المعنى الروحي للإيمان

إنّ الحصيلة الراهنة في إقليم كردستان تكشف عن مأزق أخلاقي وسياسي تعيشه الأحزاب الإسلامية. فالجيل الجديد من الشباب الكردي بات يشعر بنفور متزايد من هذا التدين المسيس الذي لم يقدم نموذجاً تنموياً أو ديمقراطياً نزيهاً، بل أعاد إنتاج المحسوبية والانقسام الحزبي ولكن بغلاف ديني.

لقد أثبتت التجربة أنّ استبدال "التكية" بـ "الخلية" لم يجلب الاستقامة للمجتمع، بل جلب الاستقطاب والجفاف الروحي. إنّ التحرر الحقيقي للوعي الكردي يمر عبر المصالحة مع ذاكرته الروحية الأصيلة؛ تلك التي ترى في الإيمان تجربة حب مطلقة وتحرراً وجودياً يرفع من شأن الإنسان، لا برنامجاً حزبياً يصادر الحريات ويعيد استعمار العقل باسم الشريعة. إنّ كردستان، بجبالها ووديانها وتاريخها المثقل بالألم، لا تحتاج إلى مزيد من الخلايا المؤدلجة، بل تحتاج إلى استعادة رحابة التكية: فضاء للسكينة، والتسامح الإنساني، والحرية الروحية التي لا تنفصل عن عشق الحرية للوطن.


المصادر والمراجع:

1ـ مارتن فان بروينسن، الآغا والشيخ والدولة: البنى الاجتماعية والسياسية لكردستان، ترجمة: راج آل دلوي، دار ئاراس للطباعة والنشر، أربيل، 2007 (المرجع الأنثروبولوجي الأساسي في فهم دور الطرق الصوفية الكردية وشيوخ بيارة وطويلة والبرزنجية في تشكيل المجتمع والسياسة).

2ـ د. كمال مظهر أحمد، صفحات من تاريخ الكرد وكردستان، دار الفارابي، بيروت، 2011 (دراسة توثيقية رصينة لأثر القيادات الدينية والصوفية الكردية في حركات التحرر الوطني ومقاومة الهيمنة).

3ـ مجموعة باحثين، الحركة الإسلامية في كردستان، مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي، 2010 (لتوثيق تحول الخلايا والأحزاب الإسلامية في الإقليم).

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية