استفاقة أوروبية على خطر الإسلام السياسي؟

استفاقة أوروبية على خطر الإسلام السياسي؟

استفاقة أوروبية على خطر الإسلام السياسي؟


12/10/2026

علي قاسم

في الثامن من أكتوبر 2026، اتخذ البرلمان الأوروبي خطوة جديدة في الجدل المتصاعد حول جماعة الإخوان المسلمين وشبكات الإسلام السياسي داخل أوروبا، حين أقر قراراً يدعو إلى وضع إستراتيجية أوروبية لمواجهة ما وصفه بـ”التغلغل الإسلامي”، مع التركيز على نفوذ الشبكات المرتبطة بالإخوان في تصويت كشف عن اتساع مساحة القلق داخل المؤسسات الأوروبية من العلاقة بين النشاط الديني والعمل السياسي، ومن قدرة بعض الشبكات الأيديولوجية على توظيف المؤسسات الديمقراطية والموارد العامة لتعزيز نفوذها.

أهمية القرار تكمن في السؤال الذي يطرحه على أوروبا بعد سنوات طويلة من الجدل حول الإسلام السياسي: هل بدأت العواصم الأوروبية أخيراً تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية تتصل بأمن المؤسسات الديمقراطية وتماسك المجتمعات، أم أن القرار يعكس أيضاً تحولات في المزاج السياسي الأوروبي، حيث تتقدم قضايا الهوية والهجرة والاندماج إلى قلب المنافسة الانتخابية؟ وبين الاحتمالين مساحة واسعة من الوقائع والأسئلة التي لا يمكن حسمها بالشعارات، بل تتطلب التمييز بين النشاط السياسي المشروع، والتوظيف الأيديولوجي للدين، والممارسات التي يمكن إثبات أنها تنتهك القانون أو تستهدف تقويض الحقوق الديمقراطية.

القرار الأوروبي ليس، في حد ذاته، إعلاناً عن إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. إنه يدعو إلى تطوير مقاربة أوروبية مشتركة، وإلى فحص ما إذا كانت المعايير القانونية اللازمة تنطبق على كيانات أو أفراد مرتبطين بالشبكة، مع تعزيز التدقيق في التمويل والعلاقات المؤسسية. وهذا فارق أساسي، لأن التصنيف الإرهابي في الاتحاد الأوروبي يخضع لإجراءات ومعايير قانونية محددة، ولا يتحقق بمجرد تصويت سياسي في البرلمان. فالتوصية بفتح الباب أمام التقييم شيء، واتخاذ قرار قانوني ملزم يستند إلى أدلة قابلة للفحص شيء آخر.

ومع ذلك، فإن التصويت يمثل تطوراً سياسياً يستحق التوقف عنده. فقد انتقل النقاش من مستوى التحذيرات التي تطلقها بعض الحكومات والأجهزة الأمنية والباحثين إلى مطالبة صريحة بإطار أوروبي أوسع للتعامل مع الظاهرة. وتتمثل الفكرة التي يدفع بها مؤيدو القرار في أن الشبكات الأيديولوجية العابرة للحدود لا تعمل بالضرورة من خلال المواجهة المباشرة مع الدولة، بل قد تسعى إلى بناء نفوذ تدريجي داخل الجمعيات والمؤسسات التعليمية والهيئات التي تمثل المسلمين، والاستفادة من التمويل العام ومن خطاب الحقوق والحريات لتعزيز حضورها. ويطلق بعض السياسيين على هذا النمط وصف “التغلغل” أو “الاختراق المؤسسي”، وهو وصف سياسي ينبغي ألا يتحول إلى حكم عام من دون أدلة محددة على كل حالة.

هنا تكمن المسألة الجوهرية: ليس كل نشاط إسلامي نشاطاً سياسياً، وليس كل نشاط سياسي ذي مرجعية دينية مشروعاً متطرفاً، كما أن الانتماء إلى جمعية إسلامية أو الدفاع عن حقوق المسلمين لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود ارتباط بالإخوان أو على السعي إلى تقويض النظام الديمقراطي. لكن ذلك لا ينفي إمكان وجود تنظيمات تستغل العمل الأهلي أو الخطاب الديني لإخفاء أهداف سياسية، أو تستخدم المؤسسات المفتوحة لتوسيع نفوذها من دون شفافية كافية بشأن مصادر تمويلها وصلاتها التنظيمية. والتحدي أمام الدولة الديمقراطية هو أن تكتشف هذه الممارسات وتتعامل معها بناء على أدلة، لا أن تستبدل التحقيق بالتعميم.

وقد ركز النقاش الأوروبي على مجموعة من المؤشرات، من بينها غموض مصادر التمويل، والتداخل بين الدعوة الدينية والتنظيم السياسي، واحتمال توظيف مكافحة التمييز أو الدفاع عن الحريات الدينية لتحقيق أهداف حزبية أو أيديولوجية. وتثير هذه المؤشرات أسئلة مشروعة عندما تتصل بوقائع محددة، مثل إخفاء الجهات الممولة، أو عدم الإفصاح عن المصالح التنظيمية، أو استخدام الأموال العامة في أنشطة لا تتفق مع شروط المنح. لكن قوتها القانونية والسياسية تتوقف على القدرة على إثباتها في كل حالة؛ فالشفافية المالية معيار ينبغي تطبيقه على جميع الجمعيات، وليس أداة تستهدف جماعة دينية بعينها.

وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالتمويل العام. فمن حق المؤسسات الأوروبية أن تضمن أن الأموال الممنوحة للجمعيات والهيئات المدنية تُستخدم للأغراض التي خُصصت لها، وأن ترفض تمويل التحريض على العنف أو التمييز أو الأنشطة المخالفة للقانون. كما أن من واجبها التدقيق في تضارب المصالح وفي علاقات الجهات المستفيدة بالشبكات السياسية والتنظيمية التي قد تؤثر في استقلاليتها. غير أن الرقابة الفعالة لا تعني إنشاء قوائم غير رسمية للاشتباه في المنظمات على أساس هويتها الدينية أو مواقفها السياسية، بل وضع قواعد واضحة للإفصاح والمحاسبة، وتطبيقها على الجميع، وإتاحة حق الطعن أمام القضاء.

أما الانقسام الذي كشفه التصويت، فيعكس خلافاً أوسع داخل أوروبا حول تعريف الخطر وحدود مواجهته. فقد حظي القرار بدعم قوى من يمين الوسط واليمين المحافظ واليمين القومي، إلى جانب تأييد من عدد من نواب التيار الليبرالي، بينما عارضته الكتل الاشتراكية والخضر واليسار.

ولا يمكن اختزال هذا الانقسام في مواجهة بسيطة بين من يريد حماية الديمقراطية ومن لا يريدها؛ فالمؤيدون يرون أن المؤسسات الأوروبية تأخرت في معالجة شبكات يعتقدون أنها تستفيد من انفتاح النظام الديمقراطي، في حين يخشى المعارضون أن تتحول المفاهيم الواسعة مثل “التغلغل الإسلامي” إلى أدوات فضفاضة تسمح بخلط التطرف بالتدين، وتمنح التيارات المعادية للهجرة والمسلمين غطاءً سياسياً إضافياً.

وتتصل هذه المخاوف بواحدة من أعقد القضايا في الديمقراطيات الحديثة: كيف تحمي الدولة نظامها من الجهات التي قد تستغل حرياته لتقويضه، من دون أن تقوض هي نفسها الحريات التي يفترض أن تحميها؟ فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، وإنما منظومة من الحقوق والقواعد التي تضمن التعددية والمساواة وسيادة القانون. ولا يمكن استخدام هذه المبادئ ذريعة للتسامح مع التحريض على العنف أو التمييز أو فرض الوصاية على الأفراد، لكنها لا تسمح أيضاً بتجريم الأفكار أو الهويات لمجرد أنها غير مألوفة أو لا تحظى بقبول الأغلبية.

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة قضية العلاقة بين الدين والسياسة. فالإسلام السياسي ليس كياناً واحداً ذا قيادة موحدة أو برنامج متطابق في جميع البلدان؛ بل يضم تيارات وتنظيمات تختلف في نشأتها وأهدافها ووسائلها، من أحزاب تشارك في الانتخابات وتعمل ضمن القواعد الدستورية، إلى جماعات تتبنى خطاباً إقصائياً أو تبرر العنف. وحتى داخل شبكة الإخوان نفسها، تختلف الأوضاع القانونية والسياسية بين الدول، كما تتباين طبيعة الروابط التنظيمية التي يمكن إثباتها. ولهذا فإن التعامل مع هذه الظاهرة يحتاج إلى تصنيفات دقيقة، لا إلى وضع جميع الحركات ذات المرجعية الإسلامية في سلة واحدة.

ولا يعني هذا التعقيد أن المخاوف الأوروبية بلا أساس، بل يعني أن معالجتها تتطلب أدوات أكثر دقة من الخطاب السياسي. فإذا ثبت أن جهة ما تستخدم التمويل لإخفاء نشاط غير قانوني، أو تمارس التحريض على الكراهية، أو تعمل على تجنيد أفراد في نشاط عنيف، فإن التعامل معها يجب أن يكون واضحاً وحاسماً وفق القانون. أما إذا كانت جمعية تعمل في المجال الاجتماعي أو الديني، وتلتزم بالقواعد القانونية، فإن إخضاعها للاشتباه لمجرد وجود صلات فكرية أو تاريخية غير مثبتة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة: إضعاف الثقة بالمؤسسات، ودفع قطاعات من المجتمع إلى الشعور بأنها مستهدفة بسبب هويتها.

ربما تكشف نتيجة التصويت عن إدراك أوسع بأن بعض الشبكات العابرة للحدود تستحق فحصاً مؤسسياً أكثر جدية، وأن حماية الديمقراطية تتطلب ألا تكون المؤسسات العامة والموارد الأوروبية بمنأى عن التدقيق. لكنها لا تعني أن أوروبا توصلت إلى تعريف نهائي للمشكلة، ولا أن الخلاف السياسي والقانوني حولها قد انتهى. فالوعي الحقيقي لا يُقاس بحدة العبارات أو حجم الأغلبية البرلمانية، بل بقدرة المؤسسات على التمييز بين الخطر المثبت والاشتباه، وبين النشاط غير القانوني والاختلاف المشروع.

في النهاية، تقف أوروبا أمام اختبار مزدوج: أن تواجه أي شبكة تثبت محاولتها استغلال المؤسسات الديمقراطية أو انتهاك القانون، وأن تحمي في الوقت نفسه الحريات التي تمنح نظامها شرعيته وقوته. لا ينبغي أن يكون الاختيار بين أمن المجتمع وحقوق المسلمين، لأن دولة القانون مطالبة بحماية الاثنين معاً. وإذا كانت أوروبا قد تأخرت في تطوير مقاربة مشتركة، فإنها قد تتأخر مرة أخرى إذا اكتفت بالتصويت ولم تبنِ منظومة قانونية واضحة وعادلة.

فالقرار ليس نهاية النقاش، بل بدايته العملية. والسؤال الذي سيحسم قيمته ليس ما إذا كانت أوروبا قد أعلنت مواجهة الإسلام السياسي، بل ما إذا كانت ستنجح في مواجهة المخالفات المثبتة من دون أن تجعل المسلمين جميعاً موضع اشتباه، وتحمي الديمقراطية من دون أن تتخلى عن مبادئها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية