الإسلام السياسي في المغرب العربي.. صناديق الاقتراع تفضح وهم «المشروع البديل»

الإسلام السياسي في المغرب العربي.. صناديق الاقتراع تفضح وهم «المشروع البديل»

الإسلام السياسي في المغرب العربي.. صناديق الاقتراع تفضح وهم «المشروع البديل»


29/09/2026

لم يكن صعود الإسلام السياسي في المغرب العربي بعد 2011 نهاية لأزمات المنطقة، بل بداية لاختبار سياسي كشف، مع مرور السنوات، حدود الشعارات التي رفعتها الأحزاب ذات المرجعية الدينية وقدرتها على تحويل الخطاب الأيديولوجي إلى مشروع حكم قادر على الاستجابة لمطالب الناس. 

ومع انحسار موجة الصعود الأولى، أصبحت تجارب المغرب وتونس والجزائر تكشف تفاوتًا في المسارات، لكنها تضع جميعها الإسلام السياسي أمام حصيلة يصعب فصلها عن سنوات من الصراع على السلطة والنفوذ والشرعية الانتخابية.

في المغرب، حاول حزب العدالة والتنمية استعادة جزء من حضوره بعد الانهيار الانتخابي الكبير الذي تعرض له، إذ ارتفع عدد مقاعده إلى 54 مقعدًا بعدما كان قد تراجع إلى 13 مقعدًا في الانتخابات السابقة. غير أن هذا الرقم يبقى بعيدًا عن ذروة صعود الحزب، حين حصل على 107 مقاعد عام 2011 ثم 125 مقعدًا عام 2016، وهي المرحلة التي حملته إلى رئاسة الحكومة. وتكشف هذه الأرقام، بحسب ما أورده المصدر، أن استعادة جزء من المقاعد لا تعني استعادة النفوذ الذي فقده الحزب.

ويعيد هذا المسار إلى الواجهة تجربة عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية، الذي دخل الحكومة تحت شعار التغيير ومحاربة الفساد وتقديم نموذج مختلف في إدارة الشأن العام. لكن تجربة الحكم نفسها أصبحت جزءًا من سجل الحزب السياسي، ولم تعد الشعارات وحدها كافية لإقناع الناخب المغربي بالعودة إلى مرحلة الهيمنة السابقة. وحتى مع تحسن النتائج، ظل الحزب بعيدًا عن امتلاك القدرة العددية والسياسية التي تسمح له بإعادة إنتاج تجربته الحكومية.

وفي تونس، تبدو حصيلة الإسلام السياسي أكثر قسوة. فقد وصلت حركة النهضة إلى السلطة عقب انتخابات 2011، مستفيدة من رصيد المعارضة لنظام بن علي ومن حالة سياسية واجتماعية كانت تبحث عن بديل. 

غير أن سنوات المشاركة في الحكم والائتلافات السياسية لم تحافظ على الرصيد الانتخابي نفسه؛ إذ يشير المصدر إلى تراجع عدد ناخبي الحركة من نحو 1.5 مليون ناخب في 2011 إلى قرابة الثلث في انتخابات 2019، بالتزامن مع تفاقم البطالة وتراجع القدرة الشرائية واتساع حالة الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا تظهر الفجوة بين خطاب الإسلام السياسي وبين اختبار الحكم الفعلي. فالمعارضة تسمح برفع الشعارات وتقديم الوعود، بينما تكشف السلطة قدرة الأحزاب على إدارة الاقتصاد والخدمات ومؤسسات الدولة وتحمل مسؤولية النتائج.

 وفي الحالة التونسية، تحول الانتقال من موقع المعارضة إلى المشاركة في الحكم إلى اختبار طويل للنهضة، انتهى بتآكل جانب كبير من رصيدها الانتخابي والسياسي.

أما الجزائر، فتحمل ذاكرة أكثر دموية مع الإسلام السياسي. ففي انتخابات 1991 حققت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أغلبية واسعة قبل إلغاء المسار الانتخابي، لتدخل البلاد بعد ذلك في حرب أهلية دامية. 

ومع اختلاف السياق الجزائري عن التجربتين المغربية والتونسية، فإن هذه المرحلة بقيت جزءًا أساسيًا من النقاش حول علاقة الإسلام السياسي بالدولة وبالمسار الديمقراطي وبحدود الصراع على السلطة.

وتكشف هذه التجارب مجتمعة أن الإسلام السياسي لم يستطع الحفاظ على الصورة التي صنعتها مرحلة ما بعد 2011، حين قدم نفسه في عدد من الدول بوصفه البديل السياسي القادر على الجمع بين المرجعية الدينية والعمل الحزبي وإدارة الدولة. ومع انتقاله من مقاعد المعارضة إلى مواقع السلطة، اصطدمت الشعارات باختبارات الاقتصاد والحكم والمجتمع، وبدأت القواعد الانتخابية في عدد من الحالات تعيد حساباتها.

ولا تعني عودة حزب العدالة والتنمية المغربي إلى جزء من مقاعد البرلمان أن الإسلام السياسي استعاد زخمه السابق، كما أن اختلاف المسارات بين المغرب وتونس والجزائر يمنع وضع تجارب الدول الثلاث في قالب واحد. 

لكن الأرقام والوقائع التي يستعرضها المصدر ترسم اتجاهًا واضحًا: مرحلة الاندفاع الكبرى للإسلام السياسي في المغرب العربي لم تعد قائمة بالصورة التي ظهرت بها قبل أكثر من عقد، بينما أصبحت تجارب الحكم والصراع السياسي عبئًا لا يمكن للأحزاب ذات المرجعية الدينية تجاهله.

وبذلك، لم يعد التحدي أمام الإسلام السياسي مجرد المنافسة مع خصومه الانتخابيين، بل الدفاع عن حصيلة تجربة سياسية كاملة. فحين تُختبر الشعارات في مؤسسات الدولة، تصبح النتائج الاقتصادية والاجتماعية، والقدرة على إدارة الخلاف، والحفاظ على ثقة الناخبين، أكثر تأثيرًا من الخطاب الأيديولوجي. 

وفي المغرب العربي، يبدو أن صناديق الاقتراع نفسها باتت تسجل، بأرقام متغيرة من بلد إلى آخر، حجم المسافة التي تفصل بين الوعود التي رافقت صعود الإسلام السياسي وبين رصيده بعد سنوات من الحضور في المشهد العام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية