من يربح من عودة داعش؟

من يربح من عودة داعش؟

من يربح من عودة داعش؟


22/09/2026

أنس الشيخ مظهر

داعش لا يحتاج إلى استعادة الموصل أو الرقة كي يكون مفيداً لأحد. يكفيه أن يفجّر عبوة على طريق صحراوي، أو يغتال ضابطاً في كمين ليلي، حتى يعيد ترتيب أولويات منطقة بأكملها. وهذا بالضبط هو السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه أي نقاش حول هذا التنظيم: “من الذي يربح من عودته، ولو بالحد الأدنى؟”

والجواب، بصراحة، أكبر من القول إن داعش يعمل لصالح هذا الطرف أو ذاك؛ فهذا الطرح بحق طرح ساذج يتعارض مع المنطق. فكما ذكرنا سابقاً في أكثر من مقال، إن داعش تنظيم فوضوي يفتقر لما يمكن أن نسميه “البعد الاستراتيجي” في تحركاته. يكفي لأي قوة مقابلة أن تخلق فجوة أمنية في أي مكان حتى ترى قطعان داعش “الجهادية” تزحف لملء هذه الفجوة، وبذلك يحقق، بقصد أو دون قصد، غايات القوة المقابلة متصوراً أنه حقق فتحاً جديداً.

على هذا الأساس علينا البحث عن الطرف الذي من مصلحته الآن أن ينتعش داعش ويظهر على الساحة من جديد.

أولاً، تحويل الأنظار عن المواجهة بين طهران وواشنطن: كلما تصدّر الحديث عن خلايا داعش النائمة، تراجعت تلقائياً الأسئلة الأكثر إحراجاً لطهران: كيف يتم احتواء نفوذها العسكري في العراق؟ كيف تُفكَّك شبكة فصائلها الإقليمية؟ إلى أي مدى يستمر برنامجها الصاروخي؟ فحين يتحول الخطر الأعلى إلحاحاً إلى “إرهاب جهادي متنقل”، يصبح التنسيق الأمني مع طهران وأذرعها، لا مواجهتها، هو الخيار العملي في نظر بعض العواصم الغربية. إيران هنا لا تحتاج إلى توجيه عمليات داعش مباشرة؛ يكفيها أن يبقى الخطر حياً بالقدر الذي يجعل صورتها تنتقل من “مصدر توتر إقليمي” إلى “شريك لا غنى عنه” في أي معادلة لمكافحة الإرهاب.

ثانياً، إبقاء مبرر السلاح خارج الدولة في العراق: المشكلة الحقيقية التي تواجهها الفصائل الموالية لإيران اليوم ليست ضعف قدرتها العسكرية، بل تآكل مبرر وجودها المسلح خارج مؤسسات الدولة، مع تصاعد الضغط الشعبي والدولي لحصر السلاح. وحين تضع الحكومة مهلة نهائية لتسليم السلاح، لا يكون الرفض من طرف مجهول، بل من فصائل معروفة بالاسم -كتائب حزب الله، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء- تُعلن رفضها علناً، وتحتمي، متى ضاق الخناق القانوني، بتشكيلات جديدة وأسماء بديلة تحمل السلاح نفسه والولاء نفسه تحت عنوان مختلف. وكلما ارتفع منسوب الخوف من داعش، أصبح من الأسهل على هذه الفصائل تصوير نفسها بوصفها “خط الدفاع الأخير”، لا عبئاً على سيادة الدولة.

والمفارقة أن هذا المبرر يتعزز بالتزامن مع تطور آخر يبدو بلا علاقة مباشرة بالسلاح؛ اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في 30 سبتمبر 2026، بعدما كانت هذه القوات تشكّل، إلى جانب دورها العسكري الرمزي، شبكة استخبارات ومراقبة جوية ورصداً لتحركات الخلايا النائمة قرب الحدود السورية. رحيل هذا الرقيب الدولي لا يعني تلقائياً تصنيع تهديد، لكنه يعني أن مهمة تصنيف أي حادثة أمنية -هل هي عملية داعشية فعلية أم شيء آخر- تنتقل بالكامل إلى أجهزة عراقية تتقاطع داخلها، بحسب تقارير متعددة، ولاءات فصائلية مع مؤسسات الدولة. فالانسحاب، هنا، ليس السبب في إحياء داعش، لكنه ظرف يجعل أي إحياء -حقيقياً كان أم مُضخَّماً- أصعب تفنيداً وأسهل توظيفاً.

ثالثاً، إرباك سوريا وإضعاف الواقع الميداني فيها: في سوريا، يمثل استقرار الدولة الجديدة تهديداً مباشراً لمصالح بُنيت خلال سنوات الحرب على الفوضى وتعدد السلاح والحدود المفتوحة. فكل خلية داعشية نائمة، وكل هجوم في البادية أو المناطق الحدودية، يفرض على دمشق استنزاف جزء من قدراتها الأمنية بدل توجيهها بالكامل نحو بناء مؤسسات الدولة وضبط الحدود. وإذا تحولت الحدود السورية العراقية من جديد إلى منطقة اضطراب، فإنها تصبح أكثر قابلية لاختراق الشبكات غير الرسمية، وهو ما يمنح إيران فرصة لإعادة تنشيط خطوط الاتصال مع حزب الله في لبنان، بدل أن تجد نفسها أمام دولة سورية تُغلق هذه المسارات نهائياً.

رابعاً، اقتصاد الفوضى: وهنا الفكرة الأقل تداولاً، رغم أنها ربما الأكثر واقعية. تقارير متعددة تشير إلى أن بعض فصائل الحشد تسيطر على معابر غير شرعية مع سوريا تُستخدم في تهريب المخدرات، وأنها عارضت خططاً لرفع القيود عن التجارة الحدودية الرسمية، خشية أن يفتح ذلك الباب أمام أطراف أخرى للمنافسة على تجارة غير مشروعة تدرّ عليها أموالاً طائلة دون أن تدفع عليها أي مستحقات. في هذا السياق، فإن استمرار حالة اللا استقرار الأمني على الحدود ليس عبئاً على هذه الفصائل، بل شرط بقاء لاقتصاد موازٍ كامل. فطالما بقيت الحدود “خطرة” بما يكفي، هناك مبرر للسيطرة عليها، وبالتالي السيطرة على المعابر وعائداتها. فداعش، من هذه الزاوية، ليس فقط ورقة سياسية أو أمنية، بل أيضاً غطاء مثالي لاقتصاد غير معلن لا تريد الأطراف المستفيدة منه أن يُفتح على مصراعيه.

المفارقة الكبرى أن داعش، الذي قاتلته هذه الفصائل نفسها لسنوات، يمكن أن يتحول إلى عامل يخدمها بصورة غير مباشرة. فكلما ارتفع خطر التنظيم، ارتفعت الحاجة إلى السلاح، وكلما ارتفعت الحاجة إلى السلاح تراجع النقاش حول احتكاره من الدولة، وكلما بقيت الحدود مضطربة بقيت مربحة لمن يسيطر عليها. لذلك فإن مواجهة خطر داعش لا تكون فقط بملاحقة خلاياه عسكرياً، بل بقطع الطريق على كل من يجد في بقائه، ولو ضعيفاً ومتحركاً، مصلحة سياسية أو أمنية أو مالية. فداعش القوي خطر على الجميع، أما داعش الضعيف الذي يظهر بين الحين والآخر، فقد يكون بالضبط الورقة التي تحتاجها أطراف لا تريد لا حرباً كبرى تُنهي وجوده كلياً، ولا استقراراً كاملاً يُنهي وظيفته السياسية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية