حين تتغير خريطة التطرف... الإخوان بين شبكات النفوذ وداعش بين الذئاب المنفردة

حين تتغير خريطة التطرف... الإخوان بين شبكات النفوذ وداعش بين الذئاب المنفردة

حين تتغير خريطة التطرف... الإخوان بين شبكات النفوذ وداعش بين الذئاب المنفردة


22/09/2026

انبعث الجدل مرة أخرى حول جماعة الإخوان الإرهابية وشبكاتها في أستراليا، بعدما دعا المؤرخ البريطاني وعضو مجلس اللوردات أندرو روبرتس إلى حظر التنظيم وما وصفه بشبكة مرتبطة به من شركات وجمعيات خيرية ومنظمات غير حكومية ووسائل إعلام، في كلمة ألقاها بمدينة سيدني، قبل أن يتبنّى حزب "الأسرة أوّلًا" الأسترالي الدعوة ويطالب الحكومة الفيدرالية بفتح تحقيق في نشاط الجماعة والجهات المرتبطة بها. وجاءت الدعوة خلال زيارة روبرتس إلى أستراليا، حيث ألقى في 16 أيلول/سبتمبر 2026 محاضرة جون بونيثون السنوية التي ينظمها "مركز الدراسات المستقلة" في سيدني، وكانت مخصصة بصورة أساسية لجهة بحث تصاعد معاداة السامية في المجتمعات الغربية، وكيف يمكن للديمقراطيات التعامل مع التطرف والتحريض على العنف من دون تقويض مبادئ حرية التعبير.

تضييق في أستراليا

وفي 18 أيلول/سبتمبر أعلن الحزب الأسترالي تأييده الصريح لدعوة روبرتس، مطالبًا حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي بحظر جماعة الإخوان في أستراليا، وتكليف الأجهزة الأمنية المختصة بفحص التنظيم والمنظمات التي يشتبه في ارتباطها به، وفق المعايير القانونية الأسترالية. ثم خلال كلمته في سيدني طرح روبرتس موقفًا أكثر اتساعًا من مجرد التعامل مع أفراد أو جماعات متهمة بالتطرف، إذ دعا، وفق النص الذي نشره "مركز الدراسات المستقلة" وبيان حزب "الأسرة أوّلًا"، إلى مواجهة ما وصفه بشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان.

وقال روبرتس: "إنّ الحكومة تحتاج إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين وشبكتها من الشركات والجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام"، بحسب الاقتباس الذي أورده حزب "الأسرة أوّلًا" في بيانه. ووصف الجماعة الأم للإسلام السياسي بأنّها "أكبر منظمة جهادية في العالم". وتتزامن هذه الدعوة مع خطاب أوسع قدّمه روبرتس خلال محاضرته حول تصاعد معاداة السامية في الغرب. وفي النص المنشور للمحاضرة ركّز المؤرخ البريطاني على العلاقة بين خطاب الكراهية والتحريض على العنف، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات ضد الدعاية المتطرفة، وتشديد التعامل مع التحريض على العنف، ومراجعة مصادر التمويل والتأثير الخارجي.

ودعا إلى تعزيز اندماج المجتمعات المسلمة في الحياة العامة، وطرح أفكارًا تتعلق بمراجعة المناهج الدراسية في المدارس الإسلامية والتأكد من عدم تدريس معاداة السامية، وهي مقترحات أثارتها كلمته في سياق حديث أوسع عن مكافحة التطرف والكراهية. ولم يتأخر حزب "الأسرة أوّلًا" في تحويل الطرح إلى مطالبة سياسية مباشرة للحكومة الأسترالية. وقال المدير الوطني للحزب والمرشح لعضوية المجلس التشريعي في نيو ساوث ويلز، لايل شيلتون، إنّ روبرتس "محق"، مطالبًا أستراليا بحظر جماعة الإخوان والتحقيق في شبكاتها والجهات التابعة لها ونفوذها داخل البلاد.

وأضاف شيلتون أنّ الحكومة ينبغي أن تكلف منظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، "إيه إس آي أو"، والأجهزة الأمنية المعنية بفحص جماعة الإخوان والمنظمات المرتبطة بها، وقياس أنشطتها وفق "المعايير والحدود القانونية" الأسترالية، مع طرح الحظر وتعطيل الشبكات باعتبارهما نتائج محتملة لهذا الفحص. وتكشف هذه الصياغة عن نقطة مهمة في الطرح الأسترالي الحالي؛ فالمطلب الحزبي لا يقتصر على إصدار قرار سياسي بالحظر، وإنّما يتضمن أيضًا الدعوة إلى إجراء فحص أمني وقانوني للمنظمات التي يُعتقد بارتباطها بالإخوان، وهو ما يعني أنّ جزءًا أساسيًا من الجدل يدور حول طبيعة العلاقة بين التنظيم الأم وأيّ مؤسسات أو كيانات تعمل بصورة مستقلة داخل أستراليا.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو مطالبة "الأسرة أوّلًا" بحظر الإخوان وليدة زيارة روبرتس إلى أستراليا. فالحزب سبق أن أعلن موقفًا مماثلًا، الأمر الذي يؤشر إلى أنّ دعوة المؤرخ البريطاني وفرت للحزب مناسبة جديدة لإعادة طرح موقف كان موجودًا بالفعل ضمن خطابه السياسي. 

ويمكن القول إنّ تصريحات روبرتس قد جاءت في أجواء سياسية وأمنية أسترالية شديدة الحساسية، على خلفية الجدل حول تصاعد معاداة السامية والتطرف والعنف السياسي في المجتمعات الغربية. وقد ربط روبرتس حديثه بصورة مباشرة بتداعيات هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبالجدل الذي أعقبها حول معاداة السامية وخطاب الكراهية والتطرف. وأشار في محاضرته إلى هجوم بونداي، الذي استُخدم في خطابه باعتباره مثالًا على المخاطر الأمنية التي يقول إنّ المجتمعات الغربية تواجهها. وتكتسب زيارة روبرتس أهمية إضافية من خلفيته؛ فهو عضو في مجلس اللوردات البريطاني، وسبق أن ترأس لجنة برلمانية بريطانية معنية بأحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي هاجمت فيها "حماس" إسرائيل، كما يصفه "مركز الدراسات المستقلة" بأنّه مؤرخ بارز ألّف 21 كتابًا، وقد تُرجمت كتبه إلى 28 لغة وحصل على عدد من الجوائز الأدبية.

الأهمية القانونية

تكتسب المطالبة بحظر جماعة الإخوان أهمية قانونية لأنّ أستراليا تمتلك إطارًا محددًا لإدراج التنظيمات على قوائم الإرهاب. فبحسب وزارة المدعي العام الأسترالية، يمكن أن تكون المنظمة "منظمة إرهابية" إذا قضت محكمة بأنّها منخرطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الإعداد أو التخطيط أو المساعدة أو التحريض على ارتكاب عمل إرهابي، أو إذا أدرجتها الحكومة رسميًا كمنظمة إرهابية بموجب اللوائح. ويترتب على الإدراج القانوني عدد من القيود الجنائية، بينها تجريم العضوية في التنظيم المدرج، وتوجيه أنشطته أو تجنيد الأشخاص له، والتدريب معه، وجمع الأموال لصالحه أو تقديم الدعم إليه، فضلًا عن قيود أخرى تتعلق بالارتباط بالتنظيمات المدرجة. ويمكن أن تصل العقوبات على بعض جرائم التنظيمات الإرهابية إلى السجن مدة 25 عامًا.

بالتالي، فإنّ انتقال المطالبة السياسية من مستوى الدعوة إلى الحظر إلى إجراء قانوني فعلي يتطلب المرور عبر الآليات القانونية والأمنية المعمول بها في أستراليا، وليس مجرد إعلان سياسي من حزب أو شخصية عامة، وفق الباحث والكاتب المختص في شؤون الإسلام السياسي المقيم في فرنسا شيار خليل، مضيفًا لـ"حفريات" أنّ الخطاب الجديد يطرح إشكالية أكثر تعقيدًا من مجرد السؤال حول حظر جماعة واحدة، خصوصًا في ظل شبكات دعوية مسيّسة ولها طابع جهادي خفي وغير معلن. 

وتابع: "اللافت في التطور الأسترالي هو انتقال النقاش خلال أيام قليلة من محاضرة أكاديمية وسياسية إلى مطالبة حزبية موجهة مباشرة إلى الحكومة. ويبدو من صياغة بيان الحزب الأسترالي أنّ الهدف المباشر في المرحلة الحالية هو دفع الأجهزة الحكومية لإجراءات الحظر والتضييق على الأنشطة ومصادر التمويل".

وبحسب خليل، فإنّ هذا التطور لا يبدو منفصلًا عن السياق العام في أوروبا الذي يميل إلى وضع قبضة خشنة ضد الإخوان والكيانات المختلفة المرتبطة بها على مستويات عديدة. 

فمن مجلس اللوردات البريطاني في لندن إلى قصر لوكسمبورغ في باريس، انتقل المنتدى السنوي السادس لمركز "تريندز" حول الإسلام السياسي من مناقشة البنية الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان وشبكات نفوذها، إلى البحث في كيفية تحويل هذا النقاش إلى آليات تشريعية وأمنية ومؤسسية أكثر تنسيقًا على المستوى الأوروبي. فالمنتدى، الذي حمل عنوان "استجابة أوروبية موحدة لمواجهة تهديد الإخوان"، انعقدت مرحلته الأولى في لندن في 8 أيلول/سبتمبر 2026، قبل أن تنتقل أعماله إلى باريس في 10 سبتمبر، في قصر لوكسمبورغ، مقر مجلس الشيوخ الفرنسي. وجمع على مدار المحطتين برلمانيين ودبلوماسيين وباحثين وأكاديميين وخبراء في التطرف والإرهاب والسياسات العامة، مع تركيز معلن على تمويل الجماعة، ونفوذها في المجالين التعليمي والمدني، وتحول نشاط الإسلام السياسي إلى البيئة الرقمية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية