خريطة الإرهاب الأفريقي.. صراع على الدولة والنفوذ

خريطة الإرهاب الأفريقي.. صراع على الدولة والنفوذ

خريطة الإرهاب الأفريقي.. صراع على الدولة والنفوذ


20/09/2026

عبدالمنعم همت

الهجمات الإرهابية المتصاعدة في أفريقيا لا تبدو أحداثاً أمنية منفصلة، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بالدولة والنفوذ وترتيبات الأمن الإقليمي، خصوصاً في منطقة الساحل التي أصبحت واحدة من أكثر مناطق القارة اضطراباً.

تمتد البؤر الإرهابية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى نيجيريا وحوض بحيرة تشاد وصولاً إلى الصومال وشمال موزمبيق. لكن الجماعات الموجودة في هذه المناطق ليست واحدة في أهدافها؛ فهناك جماعات مرتبطة بالقاعدة، وأخرى مرتبطة بتنظيم الدولة، إلى جانب حركات مسلحة محلية ذات دوافع قبلية أو عرقية أو سياسية.

جماعات القاعدة مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الساحل تركز على بناء نفوذ مستمر داخل المناطق التي تنشط فيها، وتعمل على إخضاع المجتمعات المحلية وإضعاف سلطة الدولة. أما الجماعات المرتبطة بتنظيم الدولة فتتحرك ضمن مشروع أكثر اتساعاً يقوم على إقامة سلطة جهادية عابرة للحدود، وتتنافس في الوقت نفسه مع جماعات القاعدة على الأرض والمقاتلين والنفوذ. وهناك جماعات محلية لا تنطلق من مشروع جهادي عالمي، لكنها تدخل في صراعات وتحالفات مع هذه التنظيمات وفق مصالحها.

هذا التنوع لا يلغي الترابط؛ فالأفكار والخبرات وأساليب التجنيد والدعاية والتمويل تنتقل عبر الحدود، كما أن المساحات الواسعة غير الخاضعة للسيطرة الكاملة للدولة توفر لهذه الجماعات مجالاً للحركة وإعادة تنظيم صفوفها. لذلك تبدو البؤر المختلفة وكأنها أجزاء من مشهد واحد رغم اختلاف قياداتها وحساباتها.

وتزداد أهمية المسألة مع التحولات السياسية التي شهدتها منطقة الساحل. الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر لم تكن مجرد تغيير للحكومات، وإنما أعادت صياغة علاقات هذه الدول بالقوى الخارجية وبالمنظومات الأمنية الإقليمية. تراجع الوجود الغربي وظهرت ترتيبات أمنية جديدة، لكن الجماعات الإرهابية واصلت نشاطها، ما يؤكد أن تغيير التحالفات الخارجية لا يحل وحده مشكلة الإرهاب.

الإرهاب يستفيد من الفراغ الذي تتركه الدولة في مناطق واسعة، حيث لا توجد لها القدرة نفسها على توفير الأمن والقضاء والتعليم والخدمات. وحين يتراجع حضورها، تدخل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي، ومن هنا يصبح الإرهاب جزءاً من معادلة السلطة نفسها.

الجماعة الإرهابية لا تحتاج إلى السيطرة على العاصمة حتى تصبح قوة سياسية؛ يكفي أن تمنع الدولة من الوصول إلى أجزاء من أراضيها. عندما تستطيع جماعة مسلحة التحكم في طريق أو قرية أو منطقة حدودية، وفرض الإتاوات أو توفير الحماية أو منع حركة السكان، فإنها تكون قد بدأت في ممارسة شكل من أشكال السلطة حتى لو لم تعترف بها الدولة.

استمرار الجماعات المسلحة يضعف الدولة من الداخل، ويخلق مساحات جديدة للتنافس الإقليمي والدولي. فكل منطقة تفقدها الدولة تصبح مساحة يمكن أن تدخل إليها قوى أخرى، أمنية أو اقتصادية أو سياسية. لذلك أصبح الإرهاب جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في أفريقيا.

المشكلة أيضاً أن المعالجة العسكرية وحدها لا تكفي. يمكن للجيش أن يستعيد منطقة وأن يقتل قيادات مسلحة، لكن إذا بقيت الأسباب التي سمحت للجماعة بالظهور، فإن جماعة أخرى تستطيع أن تحل محلها. الفقر والتهميش والنزاعات المحلية وانتشار السلاح والحدود غير المنضبطة كلها عناصر تساعد على إعادة إنتاج العنف.

أفريقيا لا تواجه تنظيماً إرهابياً واحداً؛ في الواقع تواجه بيئة تنتج التنظيمات المسلحة وتسمح لها بالتمدد. ولذلك فإن المعركة الحقيقية هي من أجل استعادة الدولة لقدرتها على الحكم والوصول إلى مواطنيها وحماية حدودها.

وكلما طال غياب الدولة أصبح الإرهاب أكثر من مجرد تهديد أمني؛ يصبح لاعباً في السياسة والاقتصاد والأمن، ويبدأ في التأثير على شكل الدولة نفسها وعلى علاقاتها بجيرانها وبالقوى الخارجية.

المشهد الأفريقي اليوم يطرح سؤالاً يتجاوز عدد الهجمات وأسماء التنظيمات: ماذا يحدث عندما يصبح الفراغ الذي تتركه الدولة مجالاً دائماً للحركة المسلحة؟ عندها لا يعود الإرهاب مجرد عارض من أعراض الأزمة، وإنما يصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيلها.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية