
ثروت الخرباوي
حين تتحول الجماعة من فكرة تعيش داخل حدود الدولة إلى تنظيم تتوزع أوصاله بين الدول، يتغير كل شيء؛ تتغير طبيعة الولاء، وتتغير طريقة الحركة، وتتغير أدوات الصراع، ويصبح الوطن بالنسبة إلى التنظيم ساحة من ساحات مشروع أوسع، لا غايته النهائية.
فجماعة الإخوان التي كان يمكن النظر إليها في بداياتها باعتبارها تنظيماً يعمل داخل المجتمع المصري، أخذت مع الوقت في بناء هيكل عابر للحدود، له قياداته في دول مختلفة، وله موارده وعلاقاته ومساراته الخاصة، حتى أصبح التنظيم الدولي واحداً من أهم مفاتيح فهم التحولات التي طرأت على جماعة الإخوان وطريقة إدارتها للصراع السياسي.
ولم يكن إنشاء هذا التنظيم مجرد توسع جغرافي لجماعة واحدة؛ فقد كان انتقالاً من تنظيم يعمل داخل دولة إلى مشروع يستطيع أن يتحرك بين الدول، وأن يغير أسماءه وأدواته وخطابه وفقاً للبيئة التى يعمل فيها، بينما يحتفظ في جوهره بوحدة الهدف والمرجعية التنظيمية.
ففي عام 1983 وضع مصطفى مشهور لائحة للتنظيم الدولي، وأصبح المسئول عن تنظيم الإخوان في كل دولة يسمى «المراقب العام»، مع إتاحة المجال لكل كيان لأن يختار الاسم التي يتناسب مع البيئة السياسية والاجتماعية التى يعمل فيها. ثم ظهر مكتب الإرشاد الدولي، بما جعله أحد الأطر التى تجمع قيادات التنظيم من جنسيات مختلفة تحت قيادة مرتبطة بمركز الجماعة في مصر.
وهنا تغيرت طبيعة اللعبة، فلم تعد المسألة جماعة تعمل داخل دولة وتبحث عن الوصول إلى الحكم فيها، وإنما تنظيم عابر للحدود يستطيع أن يتحرك في أكثر من ساحة، وأن يبدل أدواته بحسب الظروف، وأن يبحث عن حلفائه وموارده ومصادر نفوذه خارج الإقليم التي نشأ فيه.
ومنذ ذلك الوقت أخذ التنظيم يعيد ترتيب أوراقه، فنسج علاقات مع دوائر غربية مختلفة، واستفاد من مراكز بحثية ومنظمات ومؤسسات حقوقية، ووجد في بعض تلك المؤسسات بوابة مناسبة لإعادة تقديم نفسه إلى العالم بصورة تختلف عن صورته الحقيقية داخل مجتمعاته. وفي الوقت نفسه عمل على تنمية موارده المالية، وتوسيع دوائر نشاطه الاقتصادي، مستفيداً من اتساع الجغرافيا التي يتحرك فيها التنظيم.
وهكذا أصبح التنظيم الدولي، في أحد أخطر تحولاته، أكثر من مجرد جهاز تنظيمي لجماعة دينية سياسية، ولكنه أصبح بنية تستطيع أن تتكيف مع واقع يتغير دائماً.
والتنظيم التي يستطيع أن يتكيف مع كل دولة، وأن يغير اسمه وأدواته وخطابه دون أن يغير هدفه، يكون أخطر من تنظيم محلي يمكن رصده وحدوده معروفة.
ثم جاءت اللحظة التي بدأ فيها الإخوان ينظرون إلى مصر باعتبارها الهدف الأكبر، ولم يكن اختيار مصر اعتباطياً، إذ إن مصر ليست دولة هامشية في الإقليم، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها رقماً بين أرقام الشرق الأوسط. مصر هي الدولة التي إذا تغير موقعها تغيرت موازين المنطقة كلها. ولذلك كان الوصول إلى الحكم في مصر بالنسبة إلى المشروع الإخواني أكبر من مجرد انتصار انتخابي أو انتقال للسلطة؛ ولكنه كان يعني وضع مركز الثقل العربي في يد تنظيم له امتدادات خارج الحدود.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر: لماذا كان الإسلام السياسي مناسباً لمشروع تفكيك المنطقة؟ لأن المنطقة المنقسمة أسهل من المنطقة المتماسكة.
والدولة التي تتصارع فيها الطوائف أضعف من الدولة التي تجمع مواطنيها هوية وطنية واحدة، والدولة التي تنشغل بحرب داخلية لا تستطيع بناء اقتصاد قوي.
والدولة التي تتحول فيها الخلافات السياسية إلى صراع ديني أو مذهبي أو عرقي تصبح عاجزة عن النظر إلى ما يجري خارج حدودها، وهذا هو جوهر فكرة التفكيك. إذ ليس المطلوب دائماً أن تأتي قوة خارجية فتحتل الدول وتدمرها.
ولكن الأكثر ذكاء أن يصبح أبناء الدولة أنفسهم أدوات الصراع، وأن تتحول الخلافات الطبيعية إلى عداوات وجودية، وأن تتحول السياسة إلى عقيدة، والعقيدة إلى سلاح، ثم تصبح الدولة نفسها ساحة صراع مفتوحة.
وعندما يحدث ذلك، لا تحتاج القوى الكبرى إلى أن تدمر المنطقة بيدها؛ فالمنطقة ستتكفل بالمهمة بنفسها، أما المستفيد، فليس من الصعب أن تراه.
فالنزاعات المفتوحة تعني أن القوة الكبرى تستطيع أن تظهر في الوقت التي تختاره، مرة باعتبارها وسيطاً، ومرة باعتبارها شرطياً، ومرة باعتبارها مورداً للسلاح، ومرة باعتبارها ممولاً.
وهنا تصبح الولايات المتحدة، في الصورة الأوسع، مستفيدة من أدوار متعددة في المنطقة، بنك عند الحاجة، وشرطي عند الضرورة، ومصنع للسلاح في زمن الحرب، وقوة سياسية قادرة على التأثير في اتجاهات الصراع.
ولذلك ومن أجل هذا قررت القوى التي تريد تفكيك مصر وإنهاء وجودها أن تعقد مؤتمراً في لاهاي تستخدم فيه الإخوان من أجل الإعداد لمرحلة جديدة في معركتها الكبرى ضد مصر، فهي لا تريد إضعاف المنطقة وحدها، ولكن إعادة تشكيل موازين القوة فيها.
لكن مصر كانت دائماً شيئاً آخر، مصر ليست الحلقة الأسهل.
ومصر ليست دولة يمكن إسقاطها ثم الانتقال إلى غيرها وكأن شيئاً لم يحدث.
الوطن

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_0.jpg.webp?itok=ZBWhOYK1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/011_8.jpg.webp?itok=gqt0XW83)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_0_1_1_0_0_6_1.jpg.webp?itok=fkNE-DZH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_1.jpg.webp?itok=R4TD66kR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84_10_5.jpg.webp?itok=JUSiP3gQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_2.jpg.webp?itok=wG6p25B_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%B1_0_3.jpg.webp?itok=mdFuN3xw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_0.jpg.webp?itok=wthfD-Fz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_5.jpeg.webp?itok=3mcX84md)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_13.jpg.webp?itok=G44T0oHq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_0.jpg.webp?itok=vdd7gMWc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A_0.jpg.webp?itok=HRySDVWB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF_0.jpg.webp?itok=uvW8NOvO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7.png.webp?itok=N2YJ0n5C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_3.png.webp?itok=4RZXbWir)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
