أزمة فقه أم أزمة فقيه؟

أزمة فقه أم أزمة فقيه؟

أزمة فقه أم أزمة فقيه؟


13/09/2026

 

​تُطرح إشكالية العلاقة بين التشريع والواقع كلما اصطدم المجتمع المسلم بأسئلة العصر الحادّة وتحولاته السريعة: هل تكمن المشكلة في المنهج والأحكام المستنبطة ذاتها (أزمة فقه)، أم في الذهنية التي تُمارس الاستنباط وتتعامل مع الواقع (أزمة فقيه)؟ إنّ التمييز بين الفقه والفقيه ليس مجرد ترفٍ لغوي، بل هو مدخل منهجي حاسم لفهم حالة الركود المعرفي، واستكشاف سبل الخروج من دائرة التكرار إلى رحابة الاجتهاد الفاعل.

​تبدأ الأزمة عند غياب التمييز بين "الدين" في صفائه الإلهي المعصوم، و"الفقه" باعتباره جهداً بشرياً وتاريخياً لفهْم النص المقدّس. لقد تحول الفقه في شق واسع منه عبر القرون المتأخرة من عملية استنباط حية تتفاعل مع المستجدات، إلى مدونة مغلقة تعتمد على الشروح والحواشي، واستدعاء الإجابات الجاهزة لأسئلة لم تعد قائمة. هذا الجمود أدى إلى غلبة الفروع والجزئيات على حساب المقاصد الكبرى؛ حيث تراجع الاهتمام بكليّات الشريعة ـ كالحرية والرحمة والعدل والمصلحة العامة ـ لصالح ما هو شكلي وجزئي، ممّا خلق فجوة عميقة بين النص التشريعي ومتطلبات الحياة المعاصرة.

​تتضح مرونة الفقه الشرعي وأصل حيويته في القواعد المعيارية المؤسسة له، مثلاً كل الفقهاء يقرّون بأنّ: "الفتوى تتغير وتختلف بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد". وهي قاعدة  تؤكد أنّ الفتوى ليست حكماً حاداً معزولاً عن سياقه، بل هي تنزيلٌ للحكم على واقع متجدد؛ فإن تغير هذا الواقع أو البيئة الاقتصادية والاجتماعية دون أن تتغير الفتوى، فربما تتحول الشريعة من مصدر للرحمة والمصلحة إلى سببٍ للمشقة والانسداد.

​فالفقيه هو المحرك الأول للعملية التشريعية والوسيط بين النص والواقع. وهنا تتجلى "أزمة الفقيه" في مظاهر عديدة، أبرزها العزلة المعرفية عن العلوم الحديثة؛ إذ إنّ الحكم على الشيء جزء من تصوره، ولا يمكن للفقيه أن يتصور القضايا المعقدة دون معرفة عامة وليست متخصصة بعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد. يضاف إلى ذلك تراجع شجاعة الاجتهاد والاستسهال بالنقل المباشر عن الأقدمين، فضلاً عن ارتهان المؤسسات الفقهية أحياناً للتوازنات السياسية أو الضغوط الجماهيرية، ممّا يفقد الفتوى استقلاليتها وموضوعيتها.

مثلاً يتجلى التباين بين أزمتي الفقه والفقيه بوضوح في التعاطي مع المعاملات المالية المستحدثة كـ "العملات الرقمية المشفرة" (مثل البيتكوين)؛ فـ "أزمة الفقيه" تظهر عندما يُسارع بعض العلماء إلى إصدار أحكام بالتحريم القاطع بناءً على قوالب فقهية قديمة لقياس "القبض والتقابض" أو العلة في "الأموال الربوية"، دون دراسة خوارزميات التشفير أو هندسة الاقتصاد الرقمي؛ حيث أُسقطت الفتوى الموروثة على بيئة جديدة تماماً. أمّا "أزمة الفقه" فتبدو في غياب "فقه المعاملات المؤسسي" الذي يستوعب مفاهيم القيمة غير المادية وتطور أدوات التبادل، ممّا جعل الفقه التقليدي يبدو للعامة كأنّه يتصادم مع تحولات الاقتصاد العالمي، بدلاً من أن يقدم بديلاً أو إطاراً تنظيمياً مستمدّاً من مقاصد حفظ المال ونفعه.

​إنّ العلاقة بين الطرفين هي علاقة جدلية وتكاملية؛ فالفقيه الذي يعاني من ضحالة أدواته المعرفية ينتج بالضرورة فقهاً مأزوماً وقاصراً، وفي المقابل فإنّ المدونة الفقهية الموروثة بما تحمله من هيبة قد تتحول إلى سياج يعيق تشكيل عقل فقهي جديد. وبالتالي، فإنّ الأزمة حقيقةً هي أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة للذهنية والأدوات معاً.

​يتطلب تجاوز هذا الانسداد العمل على مسارين متوازيين: الأوّل يكمن في تجديد تكوين الفقيه عبر الانتقال من الاجتهاد الفردي إلى الاجتهاد الجماعي والمؤسسي، بحيث تضم مجالس الإفتاء خبراء في مختلف العلوم إلى جانب المتخصصين في الشريعة لتفكيك نازلة العصر بوعي مكتمل. أمّا المسار الثاني فيتمثل في تجديد المنهج الفقهي بإحياء "فقه المقاصد والسنن"، وتفعيل القواعد التشريعية المرنة كقاعدة تغير الفتاوى بتغير العصور والبيئات.

​ختاماً، يمكن القول إنّ الأزمة في جوهرها "أزمة فقيه" عجز عن استيعاب تحولات عصره وتطبيق أدوات التجديد المتاحة في تراثه، فأنتج "أزمة فقه" جمَدَ عند لحظات تاريخية سابقة. وإنّ امتلاك شجاعة الاجتهاد واستعادة روح المقاصد هما السبيل الوحيد لإعادة الفقه إلى موقعه الطبيعي كمحرك للتنمية والنهوض الحضاري.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية