من البناني إلى الصافي... هل يغيّر تبديل قيادة العدالة والبناء دور الإخوان في ليبيا؟

من البناني إلى الصمن البناني إلى الصافي... هل يغيّر تبديل قيادة العدالة والبناء دور الإخوان في ليبيا؟من البناني إلى الصافي... هل يغيّر تبديل قيادة العدالة والبناء دور الإخوان في ليبيا؟من البافي... هل يغيّر تبديل قيادة العدالة والبناء دور الإخوان في ليبيا؟

من البناني إلى الصافي... هل يغيّر تبديل قيادة العدالة والبناء دور الإخوان في ليبيا؟


06/09/2026

لم يكن انتقال رئاسة حزب العدالة والبناء من عماد البناني إلى فيصل الصافي كافيًا، حتى الآن، لإحداث تحول نوعي في موقع الحزب أو دوره داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا، إذ بدا التغيير أقرب إلى تبدل أشخاص ووجوه، بدلًا من العمل بواقعية على إحداث مراجعة عميقة للوظيفة السياسية التي اضطلع بها الحزب طوال السنوات الماضية.

إنّ التطورات المتسارعة التي عرفتها ليبيا، وما رافقها من محاولات لإعادة تشكيل قواعد العملية السياسية، وتوحيد المؤسسات، وفتح الطريق أمام استحقاقات انتخابية تأجلت كثيرًا، لم تُنتج، في المقابل، مؤشرات واضحة على قدرة الحزب في نسخته الجديدة على تقديم نفسه كفاعل سياسي يتجاوز أدواره الوظيفية، أو ينخرط في تصورات واقعية نحو المشاركة بجدية في تأسيس بنية الدولة ومؤسساتها.

من البناني إلى الصافي... تغيير الواجهة أم تبديل الوظيفة؟

تطرح هذه الرؤية تأويلًا آخر يرتبط بأنّ التغيير الذي جرى على مستوى منصب الرئيس لم يتجاوز حدود الاسم، وأبعاد الحروف، وملامح الوجه. فالجماعة وتمثلاتها السياسية والتنظيمية، من أحزاب وهيئات ومنصات، ظلت ـ وفق قراءة هادئة ـ أسيرة دور وظيفي ضيق، يرتبط بحسابات النفوذ والتموضع أكثر ممّا يرتبط بإنتاج توافقات قادرة على إخراج ليبيا من أزمتها.

ومن هنا، يصعب تصور تغيير حقيقي في دور ومهام حزب العدالة والبناء، في نسخته الجديدة، سواء تحت رئاسة عماد البناني سابقًا أو فيصل الصافي حاليًا، ما لم يترافق تبديل القيادة مع مراجعة للمهمة السياسية نفسها. ذلك أنّ المشكلة، وفق هذه القراءة، لا تكمن في اسم الرئيس بقدر ما تكمن في الدور الذي اختار الحزب أن يلعبه، وفي قدرته على الانتقال من موقع الفاعل الذي يتحرك داخل دوائر النفوذ التقليدية إلى طرف قادر على التكيف مع التصورات الجديدة للدولة والاستقرار.

فحين يجد الإخوان، أو من يمثلهم، أنفسهم خارج الهيكل الذي يتشكل، أو خارج الترتيبات التي لا تتوافق مع مصالحهم، لا يتحركون إلا نحو ممارسة دور معاكس لحالة الاستقرار، ممّا يجعل اسم رئيس الحزب هنا عاملًا ثانويًا في مخيال حركة جديدة أو تأدية مهام مختلفة لصالح بنية الدولة وهيكل استقرارها. وربما يصبح الاستدلال على كون منصات وهيئات تابعة لقوى الإسلام السياسي تدفع نحو الاستقطاب السياسي، وتغذي حالة الانقسام، وتقف في مواجهة أيّ جهود تستهدف توحيد المؤسسات، واستكمال تسمية المناصب التنفيذية تمهيدًا لبلوغ الاستحقاق الانتخابي، أمرًا يسيرًا من خلال متابعة تصريحات المفتي السابق الصادق الغرياني عبر منصة "التناصح" أو برنامجه الأسبوعي على القناة ذاتها.

وفي سياق ذي صلة مباشرة، نشرت منصة "التناصح" التابعة لدار الإفتاء الليبية تصريحات للصادق الغرياني، دعا فيها إلى مواجهة خليفة حفتر بالقوة ومنعه من دخول طرابلس، محمّلًا إيّاه مسؤولية شنّ الحرب على العاصمة، وما وصفه بتفخيخ المنازل وحفر المقابر الجماعية في ترهونة.

وقال الغرياني، وفق ما نقلته منصة "التناصح": إنّ حفتر فشل في تحقيق أهدافه العسكرية واضطر إلى الانسحاب، معتبرًا أنّ الموقّعين على ما يُعرف باتفاق "4+4" يسعون، بحسب وصفه، إلى تقديم ما عجز حفتر عن تحقيقه "مجانًا وطوعًا".

وأضاف الغرياني أنّ ليبيا، قبل دخولها الانتخابات بعامين، وفق ما سمّاه اتفاق "4+4"، ستكون "مفلسة من سرقات حفتر وأبنائه وتقاسمها مع إبراهيم الدبيبة وغيره"، واتهم حفتر بأنّه "منذ أن خرج في 2014 لا يريد الانتخابات".

وتابع، بحسب المنصة، أنّ حفتر "لم يحترم لا نساءً ولا رجالًا"، مستشهدًا بما وصفه بوقائع قتل طالت نساء في المنطقة الشرقية، وشدد على أنّ الخروج من الأزمة الليبية، من وجهة نظره، "لا يكون إلا بقتال المفسدين والظلمة".

إلى ذلك، لفت الباحث الليبي حمد الخراز إلى أنّ "الأشخاص يتغيرون، ولكنّ العقيدة واحدة"، في إشارة إلى ما وصفه باستمرار المرجعية الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين داخل حزب العدالة والبناء، موضحًا أنّ هذه العقيدة، بحسب رأيه، "لا تؤمن بشكل الدولة، بقدر ما تؤمن بالجماعة ومصلحة الجماعة".

الإسلام السياسي في غرب ليبيا... من صناعة النفوذ إلى مقاومة التغيير

وأضاف الخراز في تصريحات إلى "حفريات" أنّ المتغيرات التي شهدتها جماعة الإخوان المسلمين في عدد من معاقلها، سواء في مصر أو المغرب أو دول عربية أخرى، انعكست على حضورها السياسي، مشيرًا إلى أنّ الجماعة تمرّ، وفق تقديره، بـ "مرحلة الموت السريري"، ولم تعد قادرة على ممارسة التأثير الذي كانت تتمتع به في مراحل سابقة.

وتابع أنّ تراجع حضور الإخوان لم يمنع بقاء شبكات وتحالفات داخلية مرتبطة بهم، معتبرًا أنّ بعض هذه التحالفات يظهر اليوم داخل مؤسسات سياسية، ومن بينها المجلس الأعلى للدولة، حيث قال إنّ بعض الأعضاء "يتحالفون مع أطراف أخرى من أجل المصلحة والبقاء"، بعيدًا، بحسب تعبيره، عن المنهجية التقليدية للجماعة.

وشدد الخراز على أنّ تغيير القيادات داخل حزب العدالة والبناء لا يعني، في تقديره، تغييرًا في جوهره الفكري، قائلًا: "هم كجماعة لن يتغير فيهم شيء"، معتبرًا أنّ ما يجري هو محاولة لأن يكون الحزب جزءًا من التسوية السياسية المقبلة، عبر إحداث قدر من الانفتاح وتخفيف حدة المواقف السابقة.

ولفت إلى أنّ هذه التحركات تأتي في ظل واقع إقليمي ودولي جديد، معتبرًا أنّ الجماعات الإسلامية السياسية، ومنها الإخوان، تحاول التعامل مع المتغيرات من خلال إعادة ترتيب مواقعها وتحالفاتها، بدلًا من الاعتماد على أدواتها التقليدية.

وفي السياق ذاته، رأى الخراز أنّ حزب العدالة والبناء "لن يكون له تأثير كبير على الخطة الأممية الموجودة حاليًا"، معتبرًا أنّ المسار الدولي تقوده الولايات المتحدة، وفق تقديره، بما يتوافق مع مصالحها في المنطقة.

وأضاف أنّ المرحلة الحالية تشهد اعتمادًا متزايدًا على شخصيات بعينها باعتبارها أدوات لتنفيذ ترتيبات سياسية جديدة، مستشهدًا بالنموذج السوري، حيث أشار إلى صعود أحمد الشرع من قيادة جماعة مسلحة إلى رئاسة الدولة السورية، معتبرًا أنّ هذا التحول يعكس حجم المتغيرات التي يمكن أن تشهدها المنطقة.

وحذّر الباحث الليبي من أنّ المنطقة مقبلة على "متغيرات سريعة وقرارات مصيرية"، مشيرًا إلى أنّ هذه التحولات قد تتجاوز العديد من الكيانات والتيارات السياسية التي استهلكت، بحسب وصفه، لأكثر من قرن من الزمن.

واختتم الخراز بالقول إنّ تغيير الأشخاص داخل حزب العدالة والبناء ينبغي ألّا يُقرأ بمعزل عن التحولات الأوسع التي يشهدها الإسلام السياسي في المنطقة، مؤكدًا أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يتولى قيادة الحزب، وإنّما بمدى قدرته على التكيف مع مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة التنظيمات التقليدية على التأثير، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وموازين القوى على المستويين الليبي والإقليمي.

ومن جانبها، قالت السياسية الليبية نادية الراشد: إنّ قراءة مستقبل حزب العدالة والبناء لا يمكن فصلها عن جذوره وصلاته التاريخية بتيار الإسلام السياسي، وفي مقدمتها علاقته بجماعة الإخوان المسلمين وشبكة القوى الإسلامية والسياسية التي تنشط  في غرب ليبيا.

بين الإخوان ودار الإفتاء ومراكز القرار... كيف يتحرك الصافي

وأضافت الراشد في تصريحاتها إلى "حفريات" أنّ "حزب العدالة والبناء ارتبط تاريخيًا بالإخوان المسلمين، معتبرة أنّ انتقال القيادة من عماد البناني إلى فيصل الصافي لم يكن تغييرًا في بنية النظام فقط بل هو توجيه مختلف لشخصية أخرى عرفت الحزب منذ البدايات.

وتابعت أنّ "التوترات الحاصلة اليوم وتعقّد المشهد السياسي الليبي بفعل تعدد اللاعبين المحليين وأمراء الحروب" يجعلان من الصعب التكهن بمسار الحزب، مشيرة إلى أنّ التغيير في القيادة قد يكون جزءًا من "إعادة ترتيب أوراق البيت الداخلي وتغيير المعادلة وفق موازين القوى والتحالفات الجديدة".

وأوضحت الراشد أنّ السؤال الأهمّ لم يعد متعلقًا فقط بمن يقود الحزب، وإنّما بـ "الموقع الذي يريد حزب العدالة والبناء أن يشغله داخل خريطة الإسلام السياسي والمشهد السياسي في غرب ليبيا"، مضيفة أنّ اختيار فيصل الصافي قد يكون مرتبطًا بمحاولة إعادة تقديم الحزب وفتح قنوات جديدة مع مراكز القرار، بيد أنّ ذلك حتى اللحظة لا تظهر له أيّ مؤشرات حقيقية.

وشددت على أنّ تحركات الصافي ولقاءاته مع شخصيات ومؤسسات سياسية في غرب ليبيا، ومنها رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة والمجلس الرئاسي، لا تعني بالضرورة قيام تحالفات مباشرة، لكنّها، بحسب تقديرها، تشير إلى أنّ القيادة الجديدة "لا تريد الابتعاد عن صناع القرار"، وتسعى إلى الخروج من "الأدوار التقليدية القديمة" التي تحرك الحزب داخلها.

وعن علاقته بباقي مكونات تيار الإسلام السياسي في غرب ليبيا، قالت الراشد إنّ هذه النقطة تمثل "أحد أكثر الملفات حساسية في قراءة موقع الحزب"، خصوصًا في ظلّ التباينات التي ظهرت خلال السنوات الماضية بين الحزب وبعض المرجعيات والشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي.

وأضافت أنّ العلاقة مع تيار دار الإفتاء تمثل نموذجًا واضحًا لهذه التعقيدات؛ فبعد أن كانت هناك مساحات واسعة من التقاطع بين الطرفين، ظهرت لاحقًا خلافات في المواقف والتقديرات السياسية، إلا أنّ ذلك، بحسب رأيها، لا يعني بالضرورة خروج الحزب من الإطار الأوسع للإسلام السياسي.

وتابعت أنّ "الاختلاف في المواقف لا يعني بالضرورة اختلافًا في الجذور أو المرجعيات الفكرية"، معتبرة أنّ طبيعة العلاقة بين حزب العدالة والبناء وباقي مكونات التيار الإسلامي يجب أن تُدقق من خلال تقاطع المصالح والتحالفات والمواقف من الملفات السياسية، وليس من خلال الخلافات العلنية وحدها.

ولفتت إلى أنّ الخلافات بين الحزب وبعض الشخصيات الدينية والسياسية لا تلغي، من وجهة نظرها، وجود مساحة مشتركة في المرجعية والإيديولوجيا، لكنّها شددت على ضرورة التمييز بين "الانتماء الفكري" وبين وجود تحالف سياسي مباشر في كل مرحلة.

واختتمت الراشد بالقول إنّ فيصل الصافي وحزب العدالة والبناء لا يمكن ان يكونا خارج دائرة الإسلام السياسي ومواقف تيار الافتاء، وربما ذلك بالتحديد هو ما يضعه في موقف معقد من دائرة التحالفات ومعادلات النفوذ في غرب ليبيا، خاصة فيما يرتبط بدوائر المصالح والعلاقات مع الحكومة والمجلس الرئاسي والالتزامات تجاه دار الافتاء والمجلس الأعلى للدولة.  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية