"الجهاد الحضاري" من الداخل: يقظة كندية متأخرة تجاه الإخوان

"الجهاد الحضاري" من الداخل: يقظة كندية متأخرة تجاه الإخوان

"الجهاد الحضاري" من الداخل: يقظة كندية متأخرة تجاه الإخوان


01/09/2026

 

لطالما مثّلت كندا، بنموذجها الليبرالي المنفتح وقوانينها الداعمة للتعددية الثقافية والتمويل العام للجمعيات المدنية، واحدة من أكثر البيئات الغربية ملاءمة لنمو وتوطيد شبكات الإسلام السياسي. وعلى مدار عقود عمل تنظيم الإخوان المسلمين في صمت ومن خلف أقنعة العمل الخيري والإنساني لبناء بنية تحتية صلبة تهدف إلى ما تصفه أدبيات التنظيم التأسيسية بـ "التمكين التدريجي". إلا أنّ الربع الثالث من عام 2026 شهد زلزالاً معرفياً وسياسياً غير مسبوق في أوتاوا، تمثّل في صدور دراسة استقصائية ضخمة كشفت تفاصيل هذا الاختراق الصامت لمؤسسات الدولة، والجامعات، والبيروقراطية الفيدرالية.

الدراسة الصادرة مؤخراً في آب/أغسطس 2026 عن معهد دراسة معاداة السامية العالمية والسياسة (ISGAP)، التي جاءت في نحو 200 صفحة تحت عنوان "الهجوم على القيم والمبادئ الديمقراطية: كيف يضعف التغلغل الإسلاموي المجتمع المدني والتعليم العالي في كندا"، مثّلت جرس إنذار غير مسبوق للرأي العام الكندي. فقد نقلت الدراسة النقاش من فضاء التحذيرات النظرية إلى ساحة الحقائق والوثائق الدامغة التي تثبت أنّ كندا تحولت إلى منصة رئيسية يقود من خلالها الإخوان استراتيجية عابرة للحدود لتفتيت المجتمعات الديمقراطية من الداخل تحت ستار التعددية الدينية وحقوق الإنسان.

جمعية المسلمين في كندا (MAC) والتدقيق المالي الأضخم

تقف جمعية المسلمين في كندا (MAC)، التي تأسست عام 1997م كإحدى أكبر المؤسسات الإسلامية في البلاد، في قلب الجدل الدائر حول اختراق الإخوان للدولة الكندية. وتتميز الجمعية تاريخياً بكونها واحدة من المنظمات القليلة في الغرب التي أقرت علناً في أدبياتها وموقعها الإلكتروني القديم بتبنيها لفكر حسن البنا والمنطلقات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين كممثّل شرعي للإسلام المعاصر. هذا الإقرار تحول لاحقاً إلى مستمسك قانوني دفع وكالة الإيرادات الكندية (CRA) في كانون الأول/ديسمبر 2015م إلى فتح تحقيق وتدقيق مالي وإداري يُعدّ الأضخم في تاريخ كندا لمراجعة أنشطة الجمعية وحساباتها الخيرية.

وشملت مراجعة الوكالة الحكومية فحص أكثر من مليون معاملة مالية، ونحو 416 ألف رسالة بريد إلكتروني، إلى جانب مقابلات وزيارات ميدانية قادها محققو الضرائب لتتبع الروابط بين قيادات الجمعية في كندا وكيانات تابعة للإخوان في الشرق الأوسط. وخلص تقرير وكالة الإيرادات في نتائجه الرسمية الصادمة إلى أنّ الجمعية لا تمارس مجرد نشاط دعوي ملهم بأفكار البنا، بل تنفذ وتدعم أنشطة مادية تهدف إلى تعزيز تقدم تنظيم جماعة الإخوان ككيان سياسي عابر للحدود، ملمحة إلى وجود مسوغات قانونية قوية تسوغ إلغاء صفتها الخيرية وحظر حساباتها المصرفية. وتضم قائمة القيادات التاريخية للجمعية أسماء وازنة في التنظيم الدولي مثل جمال بدوي، المدرج في وثائق التحقيقات الفيدرالية الأمريكية كعضو بارز في مجلس قيادة الإخوان المسلمين في أمريكا الشمالية ومؤسس لعدد من واجهاتها الشهيرة.

استراتيجية "التمكين" والالتفاف على الديمقراطية الكندية

تكشف دراسة معهد (ISGAP) أنّ تغلغل الإخوان في كندا ليس عملاً عشوائياً، بل هو نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد مستند إلى وثائق التنظيم التأسيسية الكبرى، مثل وثيقة "المشروع" المكتوبة عام 1982م، و"المذكرة التفسيرية" لعام 1991م. وتوضح الدراسة كيف أعادت الإيديولوجيا الإخوانية صياغة مفاهيم الاندماج والمواطنة في الغرب تحت مسمّى "الجهاد الحضاري" أو "التمكين"، وهو عملية تراكمية هادئة تسعى لاختراق المؤسسات القائمة بدلاً من مصادمتها علناً، والتغلغل داخل البنى الفيدرالية لتغيير الثقافة والمفاهيم السياسية من الداخل.

ويرسم التقرير صورة قاتمة لكيفية استخدام الجمعيات الإخوانية للقيم الليبرالية الكندية كسلاح للالتفاف على القانون والمجتمع المدني. فقد نجحت هذه الكيانات في الحصول على ملايين الدولارات من المنح الحكومية والفيدرالية المخصصة للعمل الخيري والدمج الاجتماعي، واستغلتها في بناء شبكات نفوذ فكري وتوجيه التبرعات لدعم منصات إيديولوجية متطرفة، مستغلة رغبة الأحزاب الكندية الحاكمة في كسب أصوات الجاليات المسلمة، ممّا خلق حالة من "التواطؤ البيروقراطي الاختياري" مكنت الجماعة من تسييس الفضاء العام والوصول إلى أروقة صنع القرار في أوتاوا.

التغلغل الانتخابي واختراق الأجهزة الأمنية والفيدرالية

من أكثر الجوانب إثارة للقلق في تقرير آب/أغسطس 2026 هو تتبع مسارات النفوذ الإخواني داخل البيروقراطية الفيدرالية الكندية والأجهزة الأمنية. وتسلط الدراسة الضوء على نجاح شبكات الإخوان في التسلل إلى داخل الشرطة الفيدرالية الكندية (RCMP) عبر تأسيس "شبكة الموظفين المسلمين الفيدراليين" في عام 2021م، ممّا أتاح لعناصر تتبنّى الفكر الحركي فرصة الوصول إلى دوائر التخطيط الأمني الحساسة وصناعة الرأي البيروقراطي.

ويترافق هذا التسلل البيروقراطي مع هندسة انتخابية محترفة تقودها واجهات سياسية إخوانية مثل "الناخب المسلم الكندي" و"المجلس الكندي للشؤون العامة الإسلامية". وتكشف دراسة المعهد كيف استهدفت هذه المجالس أكثر من 80 دائرة انتخابية فيدرالية حاسمة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2025م. وجرى توجيه الكتلة التصويتية للمسلمين بناءً على أجندة سياسية خارجية ركزت على جعل حرب غزة معياراً وحيداً للتصويت، ممّا أسفر عن انتزاع تعهدات وتأييد رسمي من 344 مرشحاً يمثلون 4 أحزاب سياسية كندية رئيسية، محولين الثقل الديموغرافي للمسلمين إلى أداة ضغط سياسي لتوجيه السياسة الخارجية لكندا بما يتوافق مع أجندات التنظيم الإقليمية.

الجامعات الكندية كحواضن لنشر التطرف والاستقطاب

يمثل قطاع التعليم العالي والجامعات الكبرى في كندا (مثل جامعة ماكجيل وكونكورديا وجامعة تورنتو) الساحة الأكثر انكشافاً لنشاط الإخوان الفكري. وتكشف الدراسة كيف تحولت "رابطة الطلاب المسلمين في كندا" (MSA)، المتواجدة في أغلب الجامعات الكندية، إلى حواضن لنشر الاستقطاب وخطابات الكراهية. وتحت غطاء الأنشطة الطلابية والمنح الدراسية وإدارة الصناديق المالية، نجحت الرابطة في فرض لاهوت انعزالي يمنع اندماج الطلاب المسلمين في الحياة الأكاديمية الليبرالية.

وقد تجلت هذه السيطرة الإيديولوجية بشكل واضح عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023م؛ حيث شهدت الجامعات الكندية موجة عنيفة من الاحتجاجات التي تضمنت تبجيلاً لعمليات حماس وخطابات معادية للسامية، بدعم مالي وتنسيق وثيق من منظمات خارج الحرم الجامعي مرتبطة بالإخوان. وترافق ذلك مع تسجيل ارتفاع مرعب بنسبة 670% في الحوادث المعادية للسامية على المستوى الوطني في كندا، وزيادة بنسبة 488% في التهم المتعلقة بالإرهاب خلال العام الماضي، ممّا يبرهن على أنّ التغلغل الفكري الناعم في الجامعات قد تُرجم عملياً إلى موجات من التطرف العنيف الذي يهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي للبلاد.

خاتمة: نهاية عهد التسامح البيروقراطي ومستقبل الحظر

تؤكد المعطيات الكندية المتسارعة في أواخر عام 2026 أنّ حقبة "التجاهل البيروقراطي الاختياري" لنشاط جماعة الإخوان في كندا قد شارفت على النهاية. فلم يعد النقاش حول تمدد الجماعة محصوراً في الأوساط الأكاديمية والبحثية، بل تحول إلى قضية أمن قومي تتبناها أحزاب المعارضة الرئيسية (مثل حزب المحافظين) وتتصدر عناوين الصحافة الكندية المستقلة مثل "ليبر ميديا".

إنّ السوابق الكندية في حظر الجمعيات المرتبطة بالتنظيم الدولي (مثل حظر جمعية عرفان كندا لدعمها المالي لحماس بنحو 14.6 مليون دولار) تمثل نموذجاً قانونياً يستعد البرلمان الكندي لتفعيله مجدداً ضد "جمعية المسلمين في كندا" (MAC) بناءً على نتائج تدقيق مراجعة الإيرادات الكندية. وتثبت هذه التحولات التاريخية أنّ الدولة الوطنية الغربية باتت تدرك جيداً أنّ التسامح مع "الإسلاموية الحركية غير العنيفة" هو اقتصاد زائف يقود حتماً إلى تدمير قيم الديمقراطية من الداخل، وأنّ قرار حظر جماعة الإخوان وتصنيفها "منظمة إرهابية" في كندا بات خطوة وشيكة تفرضها دواعي حماية الأمن القومي وصون السلم الأهلي الكندي.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية