"نموذج النمسا": من مراقبة شبكات الإسلام السياسي إلى التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا مفتوحًا

"نموذج النمسا": من مراقبة شبكات الإسلام السياسي إلى التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا مفتوحًا

"نموذج النمسا": من مراقبة شبكات الإسلام السياسي إلى التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا مفتوحًا


31/08/2026

صباح 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، لم تكن فيينا تستيقظ على عملية أمنية عادية؛ مئات من رجال الشرطة تحركوا في أكثر من ولاية نمساوية، يداهمون منازل ومقار جمعيات ومؤسسات، ويصادرون أجهزة ووثائق وأموالًا، فيما كان اسم "الإخوان المسلمين" حاضرًا في قلب العملية.

كانت النمسا قد قررت أن تنتقل من مراقبة ما تسمّيه شبكات الإسلام السياسي إلى التعامل معها باعتبارها ملفًا أمنيًا مفتوحًا. وبعد فترة من التحقيقات، والطعون، وإبطال بعض عمليات التفتيش، وإغلاق عدد من الملفات، أصبحت "لوكسور" قصة أكثر تعقيدًا من مجرد ضربة أمنية ضد الإخوان. فقد تحولت العملية نفسها إلى اختبار لقدرة الدولة على تحويل الشبهات والتقديرات الأمنية إلى أدلة تصمد أمام القضاء.

جاءت العملية بعد أيام قليلة من الهجوم الإرهابي الذي شهدته فيينا في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 22 آخرين. لكنّ الربط الزمني بين الحدثين لا يعني أنّ "لوكسور" كانت تحقيقًا في الهجوم نفسه؛ فقد كانت تستهدف ملفًا مختلفًا يتعلق، وفق السلطات، بالاشتباه في تمويل الإرهاب وغسل الأموال وتكوين منظمات إرهابية وعلاقات محتملة بالإخوان المسلمين وحماس. وفي جلسة للبرلمان النمساوي بعد العملية، تحدث أحد أعضاء المجلس عن مشاركة 930 من أفراد الشرطة، وعن ضبط نحو 20 مليون يورو، باعتبار العملية جزءًا من مواجهة تمويل الإرهاب وغسل الأموال ومنع إنشاء منظمات إرهابية.

لكنّ الرقم الذي سيبقى في ذاكرة العملية ليس عدد رجال الشرطة وحده، وإنّما حجم الشبكة التي أرادت الدولة النمساوية أن تضربها دفعة واحدة. فقد شملت المداهمات ولايات شتايرمارك وكارينثيا والنمسا السفلى وفيينا، وطالت عشرات الأشخاص والمؤسسات، وارتبطت التحقيقات بنحو 70 مشتبهًا بهم في مراحلها الأولى. وكانت النيابة العامة في جراتس تتعامل مع كميات ضخمة من البيانات المصادرة؛ إذ تحدثت لاحقًا عن أكثر من 200 تيرابايت من البيانات التي تحتاج إلى الفحص والترجمة والتحليل. 

حجم الشبكة التي أرادت الدولة النمساوية ضربها

هنا يجب أن نتوقف عند نقطة أساسية: العملية لم تكن مجرد مداهمات لمجموعة من المساجد. كانت محاولة لفك شبكة يُعتقد أنّها تتحرك عبر جمعيات وشركات ومؤسسات وأشخاص، وأنّ بعض هذه الكيانات يمكن أن يكون غطاءً لنشاط أوسع. ولذلك ظهر في ملف لوكسور اسم "Liga Kultur" أكثر من مرة، وهي المؤسسة التي كانت قد ظهرت أصلًا في خريطة الشبكات الإسلامية النمساوية قبل العملية، وسبق أن ربطتها دراسات نمساوية ببيئة الإخوان.

لكنّ الدولة النمساوية لم تدخل العملية من فراغ، فقبل لوكسور بسنوات كانت الأجهزة الأمنية والباحثون يدرسون ما يُسمّى الإسلاموية القانونية، أي التيارات التي لا تعتمد بالضرورة على العنف المباشر، وإنّما تحاول تحقيق أهدافها من خلال المؤسسات القانونية، والتعليم، والعمل الجمعياتي، والتأثير السياسي والإعلامي. وهذا المفهوم ظل حاضرًا في التقارير الأمنية النمساوية اللاحقة؛ فتقرير حماية الدستور لعام 2024 يقول إنّ منظمات هذا التيار تستخدم بصورة أساسية وسائل قانونية للتأثير في السياسة والمجتمع، وتعمل عبر التعليم والتربية والضغط على صناع القرار والفاعلين السياسيين والإعلاميين. 

وفي تقرير 2025 ذهبت أجهزة حماية الدستور النمساوية إلى أبعد من ذلك، فقد وضع التقرير الإخوان المسلمين باعتبارهم إحدى أهم حركات الإسلاموية القانونية في النمسا، وقال إنّ الجماعة واصلت محاولة التأثير داخل المجتمع المسلم والمؤسسات السياسية، اعتمادًا على استراتيجية ممتدة عبر الأجيال. 

وهذا التفصيل مهم جدًا لفهم "لوكسور". فالدولة لم تكن تبحث، كما يبدو من تطور الملف، عن خلايا مسلحة تختبئ في شقق سرية؛ وإنّما كانت تبحث عن شبكة مؤسساتية ترى أنّها قادرة على العمل في المجال العام، وتكوين علاقات، وإدارة موارد، والتأثير في المجتمع. وهذا هو النوع الأصعب في المواجهة؛ لأنّ المؤسسة قد تكون مسجلة بصورة قانونية، ونشاطها المعلن قد يكون دينيًا أو ثقافيًا أو خيريًا، بينما تحتاج الدولة إلى إثبات أنّ هناك شيئًا آخر خلف هذا النشاط إذا أرادت أن تنتقل من المراقبة إلى الاتهام الجنائي.

ضربة كبيرة... ثم السؤال الأصعب

في الأيام الأولى للعملية بدا المشهد كأنّ النمسا وجّهت ضربة هائلة إلى شبكة الإسلام السياسي، لكنّ المشكلة بدأت عندما انتقل الملف من شاشة البيانات الأمنية إلى قاعات المحاكم.

في آب (أغسطس) 2021 قضت محكمة الاستئناف العليا في جراتس بأنّ عمليات التفتيش كانت غير قانونية في تسع حالات على الأقل، لأنّ مستوى الاشتباه الذي كان قائمًا قبل المداهمات لم يكن كافيًا لتبريرها. وأكدت المحكمة أنّ الأمر لا يتعلق بإعلان براءة عامة لكل من شملتهم العملية، وإنّما بتقييم قانوني لمدى كفاية الاشتباه الذي استندت إليه أوامر التفتيش في تلك الحالات. هذه اللحظة كانت بداية تغير كبير في صورة "لوكسور". فالدولة كانت تقول إنّها أمام ملف خطير يستحق استخدام أدوات التحقيق الاستثنائية، بينما بدأ القضاء يسأل سؤالًا أكثر ضيقًا وأشدّ صعوبة: أين الدليل المحدد الذي يربط كل شخص بالجريمة التي يُحقق فيها؟

وبدأت بعض النتائج تتوالى

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 أُوقف التحقيق مع إمام في فيينا كان قد اتُهم، ضمن ملف لوكسور، بالمساعدة في ترسيخ الإخوان المسلمين في النمسا وبالارتباط بحماس وتمويل الإرهاب وغسل الأموال. وقال القرار إنّ الاشتباه أصبح ضعيفًا إلى درجة لا تسمح بمواصلة التحقيق، وإنّ نتائج التحقيقات لم تقدّم أساسًا كافيًا لتقويته. 

وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه ألغت المحكمة بعض قرارات مصادرة الأموال، وجرى إبطال أوامر في عشر حالات. وكانت النيابة ترد بأنّ إلغاء المصادرة لا يعني انتهاء التحقيقات، وأنّ القضية شديدة التعقيد بسبب حجم البيانات الهائل الذي تجاوز 200 تيرابايت.

في آب (أغسطس) 2022 أُغلق التحقيق مع مؤسسة أنس شاكفه وأعضاء من مجلس إدارتها في إطار لوكسور، بعدما كانت المؤسسة قد تعرضت للتفتيش وصدر حكم سابق باعتبار التفتيش غير قانوني.

أمّا التطور الأهم، فقد جاء في كانون الثاني (يناير) 2024، عندما أوقفت السلطات النمساوية التحقيقات مع شقيقين سوريين كانا متهمين بالمساعدة في بناء فرع للإخوان المسلمين وحماس في النمسا، والمشاركة في تأسيس جمعيات Liga Kultur في فيينا وجراتس. وبعد ثلاث سنوات وثمانية أشهر من التحقيق رأت محكمة الاستئناف العليا في جراتس أنّ النيابة لم تنجح في تدعيم الاشتباه الموجّه إليهما بالأدلة الكافية. والأكثر وضوحًا أنّ المحكمة قالت إنّ المواد المتاحة لم تقدم أساسًا ملموسًا يتجاوز التاريخ التنظيمي والتشابكات الشخصية والمؤسسية وتقييمات أجهزة الأمن، لإثبات أنّ الجمعيات استخدمت لتمويل حماس أو أيّ تنظيم إرهابي.

خمس سنوات ونصف... وأوّل محاكمة

في حزيران (يونيو) 2026، بعد أكثر من خمس سنوات على العملية، وصل أحد ملفات لوكسور أخيرًا إلى المحاكمة. ووجهت النيابة إلى إمام اتهامات بينها الانتماء إلى تنظيم إرهابي والتحريض، وقال الادعاء إنّ خطبه ومحتوى نشره تضمن إشادة بأنشطة حماس ودعوات إلى ارتكاب جرائم. لكنّ محكمة الجنايات في فيينا برأته في 17 حزيران (يونيو) 2026 من اتهامات الإرهاب والتحريض، واعتبرت أنّ الفيديو محل الاتهام وثلاث خطب في المساجد لم تشكّل دعمًا لحماس أو دعوة إلى ارتكاب جرائم، وأنّ الآراء الدينية الأكثر تشددًا التي اعتنقها كانت، في حدود القضية، محمية بحرية التعبير والدين. وأصبح الحكم نهائيًا. 

والأمر أكثر تعقيدًا لأنّ العملية لم تختفِ تمامًا من المشهد بعد إغلاق ملفات كثيرة. ففي أيار (مايو) 2024، على سبيل المثال، صادرت السلطات 593 ألف يورو من منظمة Rahma Austria بعد أن ظهرت مؤشرات جديدة تتعلق، بحسب النيابة، باستخدام غير صحيح للتبرعات، وفتحت تحقيقات في شبهات احتيال واختلاس وتهرب ضريبي. لكنّ التقرير نفسه أوضح أنّ التحقيق الأصلي ضد المنظمة ومسؤوليها في قضايا التنظيم الإرهابي وتمويل الإرهاب وغسل الأموال كان قد أُغلق إلى حد كبير بصورة نهائية.

وهذه الواقعة وحدها تكشف لماذا يجب أن نتعامل مع "لوكسور" كمسار طويل، لا كحدث وقع في صباح 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 وانتهى.

ما الذي كشفته النمسا فعلًا؟

ربما لم تكن أكبر نتيجة للعملية هي عدد المداهمات، ولا الأموال التي جُمّدت، ولا حتى القضايا التي انتهت إلى الإدانة أو الإغلاق. النتيجة الأهم أنّها كشفت طبيعة الصراع الجديد بين الدولة الأوروبية وشبكات الإسلام السياسي.

الدولة ترى شبكة ممتدة، لها تاريخ وعلاقات وأفكار ومؤسسات. وتقول تقاريرها الحديثة إنّ الإخوان يستخدمون استراتيجيات طويلة الأجل للتأثير في المجتمع والمؤسسات السياسية.

أمّا القضاء فيتعامل مع كل ملف على حدة: هل هناك جريمة؟ هل يوجد دليل؟ هل كان الاشتباه كافيًا لتفتيش منزل؟ هل الأموال محل المصادرة مرتبطة بجريمة؟ هل الخطاب يتجاوز حدود حرية التعبير إلى التحريض الجنائي؟

وهنا تكمن قوة التجربة النمساوية وضعفها في الوقت نفسه؛ قوتها أنّها لم تترك الملف الأمني بلا متابعة، وضعفها أنّ بعض أدوات المواجهة لم تستطع الصمود أمام الاختبار القضائي.

أمّا الإخوان، أو الشبكات التي تدور في محيطهم، فقد أثبتت التجربة مرة أخرى أنّ وجود المؤسسة داخل القانون لا يعني بالضرورة غياب المشروع الإيديولوجي، لكنّه في الوقت نفسه يجعل إسقاط المؤسسة قانونيًا أمرًا يحتاج إلى أكثر من الاشتباه في الإيديولوجيا.

وهذا هو الدرس الأهم من النمسا. ألمانيا علمتنا كيف بُنيت الشبكة الأوروبية عبر المؤسسات والأشخاص والعلاقات، أمّا النمسا فتقدّم الوجه الآخر: ماذا يحدث عندما تقرر دولة أن تواجه هذه الشبكة بصورة مباشرة؟

الجواب ليس بسيطًا. تستطيع الدولة أن تراقب، وتداهم، وتصادر، وتحقق، وتضع التنظيمات في تقاريرها الأمنية، لكن في النهاية، عندما يصل الأمر إلى المحكمة، لا يبقى أمامها سوى الدليل.

ولهذا فإنّ "لوكسور" لم تكن مجرد عملية ضد الإخوان؛ كانت اختبارًا للدولة نفسها: هل تستطيع أن تثبت ما تعرفه أجهزتها الأمنية؟ وهل تستطيع أن تحوّل خريطة العلاقات والشبهات إلى ملفات جنائية قابلة للحكم؟

حتى حزيران (يونيو) 2026، الإجابة تبدو مختلطة. بعض الملفات أُغلق، وبعض إجراءات التفتيش أُبطلت، وبعض المصادرات رُفعت، وأوّل محاكمة انتهت بالبراءة. ومع ذلك لم يتغير التقييم الاستراتيجي النمساوي للإخوان، وما زالت أجهزة حماية الدستور تضع الجماعة في صدارة تيارات الإسلاموية القانونية التي ترى أنّها تسعى إلى التأثير في المجتمع والمؤسسات السياسية.

وهنا تنتهى قصة "لوكسور" من حيث بدأت: ليست قصة تنظيم سرّي هزمته الشرطة في يوم واحد، ولا قصة دولة فشلت وانتهى الأمر. إنّها قصة شبكة طويلة العمر، ودولة تحاول تفكيكها، وقضاء يطالب الدولة في كل مرة بأن تثبت ما تقوله.

وهذه ربما تكون أكثر صورة دقة للنمسا: المختبر الذي انتقلت فيه المواجهة مع الإخوان من مراقبة الشبكات إلى اختبارها أمام القانون.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية