كيف دخل الإخوان إلى دوائر صنع القرار في أمريكا؟

كيف دخل الإخوان إلى دوائر صنع القرار في أمريكا؟

كيف دخل الإخوان إلى دوائر صنع القرار في أمريكا؟


23/08/2026

لم يبدأ حضور جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة من أبواب السياسة المباشرة، ولم يكن الوصول إلى دوائر صنع القرار، وفق دراسة أمريكية حديثة، نتيجة اختراق مفاجئ لمؤسسات الحكم، وإنّما حصيلة مسار طويل امتد لعقود، اعتمد على بناء شبكات دينية ومدنية وتعليمية، ثم تحويلها تدريجيًا إلى أدوات للتأثير في السياسات العامة والنقاش السياسي.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 أصدر معهد أمريكي دراسة مطولة بعنوان "التسلل الاستراتيجي لجماعة الإخوان المسلمين إلى المجتمع الغربي: تحليل منهجي". وتقول الدراسة، التي اعتمدت على وثائق داخلية وتحليل للشبكات ودراسات حالة: إنّ الجماعة وحلفاءها اتبعوا استراتيجية طويلة الأمد للتموضع داخل المؤسسات الغربية، مع تركيز خاص على الولايات المتحدة.

ويرسم المعهد مسارًا ينتقل، بحسب تحليله، من العمل خارج مؤسسات الدولة إلى التأثير من داخلها، عبر أربعة مسارات متداخلة: التأثير في السياسات، واستخدام الأطر القانونية، وبناء شبكة مؤسسية واسعة، والسيطرة على السرد العام.

من 11 سبتمبر إلى "الشريك المجتمعي"

كانت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 نقطة التحول الأولى. في أعقابها خضعت الحركات الإسلامية في الولايات المتحدة لمراقبة وتدقيق أمني واسع، إلا أنّ الدراسة ترى أنّ منظمات مرتبطة بالإخوان، من بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA)، نجحت في إعادة تقديم نفسها باعتبارها ممثلاً للمجتمع المسلم الأمريكي، مع التشديد على الحقوق المدنية والحريات الدينية ورفض الربط بين الإسلام والإرهاب.

وبعد ستة أيام فقط من الهجمات زار الرئيس جورج دبليو بوش المركز الإسلامي في واشنطن، في خطوة حملت أهمية رمزية كبيرة، وسعى خلالها إلى التأكيد على أنّ المسلمين الأمريكيين جزء من المجتمع الأمريكي.

وترى الدراسة أنّ هذه اللحظة أتاحت للمنظمات الإسلامية التي كانت تسعى إلى تثبيت حضورها السياسي فرصة لتقديم نفسها بوصفها قناة اتصال ضرورية بين الحكومة والمجتمع المسلم. وبمرور الوقت لم يعد الأمر مقتصراً على الظهور الإعلامي أو المشاركة في الحوار بين الأديان؛ بل انتقل، بحسب الدراسة، إلى دوائر الاستشارة الحكومية.

وتشير الدراسة إلى مشاركة شخصيات ومنظمات مرتبطة بهذه الشبكات في نقاشات مع وزارات ووكالات أمريكية، بينها وزارة الأمن الداخلي ووزارة الخارجية ووزارة العدل، فضلاً عن دوائر مرتبطة بالأمن القومي.

وتذكر الدراسة أسماء شخصيات عملت في مواقع استشارية خلال إدارة باراك أوباما، من بينها داليا مجاهد ومحمد الإيباري ورشاد حسين، باعتبارهم أمثلة على انتقال شخصيات ذات خلفيات أو روابط إسلامية إلى مواقع قريبة من عملية صناعة القرار.

وفي 2012 قادت عشرات المنظمات الإسلامية حملة لمراجعة مواد التدريب الفيدرالية المتعلقة بالإسلام والتطرف. وتقول الدراسة إنّ تلك الحملة أسهمت في مراجعة وإزالة بعض المصطلحات من مواد تدريبية حكومية.

هنا، بحسب رؤية ISGAP، تحقق أحد أهم أهداف استراتيجية النفوذ: الانتقال من مجرد التأثير في القرار إلى التأثير في اللغة التي يُصاغ بها القرار نفسه.

من التمثيل إلى صناعة السياسة

لا يعني الوصول إلى دوائر الحكومة، بالضرورة، أنّ هذه المنظمات كانت صاحبة القرار. لكنّ الدراسة ترى أنّ امتلاك القدرة على الوصول المنتظم إلى المسؤولين يمنحها ثلاث مزايا: التأثير في النقاشات، وتقديم نفسها باعتبارها ممثلًا للمجتمع المسلم، واكتساب شرعية مؤسسية تجعل استبعادها من المشاورات أكثر صعوبة.

وتربط الدراسة بين هذا المسار وبين ما تسمّيه "التمكين"؛ أي بناء قدرة مؤسسية تراكمية تسمح للجماعة وحلفائها بالتأثير في المجتمع على المدى الطويل. ومن هنا انتقلت الاستراتيجية، بحسب التقرير، من واشنطن إلى الجامعات والمدارس والمساجد ومنظمات المجتمع المدني.

وتشير الدراسة إلى وجود آلاف المساجد والمراكز الإسلامية في الولايات المتحدة، وشبكة واسعة من المدارس الإسلامية، إضافة إلى مئات الفروع لمنظمات طلابية إسلامية داخل الجامعات.

ولا تقول هذه الأرقام، في حد ذاتها، إنّ جميع تلك المؤسسات تابعة للإخوان أو تعمل لصالحها. لكنّ الدراسة تحاول من خلالها إثبات وجود ما تسمّيه "الاكتمال المؤسسي"، أي إنشاء منظومة متكاملة من المؤسسات الدينية والتعليمية والقانونية والمدنية قادرة على إنتاج قيادات وناشطين وموارد وشبكات نفوذ بصورة مستقلة نسبيًا عن المؤسسات التقليدية.

وتقول الدراسة: إنّ "المذكرة التفسيرية" التي تعود إلى عام 1991 تسرد 29 منظمة أمريكية باعتبارها جزءًا من شبكة مرتبطة بالإخوان، وتعمل في مجالات تشمل الدعوة والتمويل والتعليم والقانون والعمل السياسي.

الكونغرس... البوابة الثانية

لم يتوقف النفوذ عند السلطة التنفيذية، ففي الكونغرس، ترى الدراسة أنّ شبكات إسلامية نجحت في بناء علاقات مع نواب وأعضاء في لجان مؤثرة، والاستفادة من الانقسامات السياسية الأمريكية حول الشرق الأوسط والهجرة والحريات المدنية.

وتبرز الدراسة النائبين إلهان عمر ورشيدة طليب بوصفهما مثالين على صعود أصوات مسلمة داخل الكونغرس تتبنّى مواقف قوية في قضايا الشرق الأوسط، مع الإشارة إلى مشاركات أو علاقات مع فعاليات ومنظمات تصفها الدراسة بأنّها مرتبطة بشبكات الإخوان.

لكنّ الربط بين نائبين منتخبين وبين "جماعة الإخوان" يحتاج إلى قدر كبير من الحذر الصحفي؛ فوجود تحالف سياسي أو مشاركة في فعالية لا يثبت تلقائيًا العضوية التنظيمية أو التبعية للجماعة.

بحسب الدراسة، تمثل استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين في الغرب أحد أكثر التحديات تعقيدًا للحكم الديمقراطي اليوم. فهي تستفيد من الحريات والمؤسسات الديمقراطية لمتابعة أهداف غير متوافقة جوهرياً مع القيم الديمقراطية، منخرطة في حرب غير متماثلة ضد النواة الإيديولوجية للحضارة الغربية.

ويقدّم التحدي تهديداً وفرصة في آنٍ واحدٍ؛ الفرصة لتطوير استجابات متطورة تعزز المؤسسات الديمقراطية مع الحفاظ على الحريات، وحماية المسلمين المعتدلين الذين يمثلون البديل الأصيل لتطرف الإخوان.

ويتطلب النجاح في ذلك، وفق استنتاجات الباحثين، الاعتراف بالطبيعة المتطورة للتهديد، وتطوير أطر استجابة مناسبة، وتنفيذ استراتيجيات شاملة تعزز بدلاً من أن تضعف المؤسسات والقيم الديمقراطية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية