
يمكن النظر إلى الواقعة الأخيرة المرتبطة بانتشار ملابس شبابية تحمل شعارات ذات مضامين دينية عنيفة أو إقصائية، من بينها على سبيل المثال شعار: "إمّا أن تُسلموا أو الجزية"، بوصفها مؤشراً دالاً على تحول أوسع في أنماط توظيف الخطاب الديني داخل المجال العام. فقد انتشرت هذه المنتجات سريعاً بين بعض فئات الشباب قبل تدخل الأجهزة الأمنية وتوقيف صاحب النشاط والتحقيق معه.
كشفت الواقعة مدى قابلية هذه الشعارات ذات الحمولة الإيديولوجية العنيفة، للتحول إلى منتج استهلاكي قابل للتداول والانتشار.
في هذا السياق ربما يمكن طرح مفهوم: "الموجة الرابعة من إسلام السوق"، بوصفه إطاراً تحليلياً يمكن من خلاله فهم هذا التحول. حيث مرّ إسلام السوق، بحسب توصيف باتريك هايني في صيغته المعاصرة، بعدة مراحل متتابعة: بدأت بمرحلة الدعاة التقليديين، ويُعدّ الشعرواي نموذجها الأكثر شهرة، ثم مرحلة الدعاة الجدد، وهي مرحلة عمرو خالد بامتياز، أعقبتها مرحلة دعاة وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، التي يمثلها بعض الوجوه المؤثرة في المجال الديني الرقمي، وعلى رأسهم عبد الله رشدي.
أمّا المرحلة الرابعة، التي نحن بصددها، فتتمثل في انتقال خطاب السوق الدعوي من مجرد إنتاج المحتوى الديني وتسويقه، إلى توظيف العنف وتحويل رموزه وشعاراته إلى أدوات قابلة للتداول والاستثمار المالي، وهو تحول يبدو طبيعياً وفقاً لمسار التمدد الأفقي لحركة إسلام السوق وآليات تطور الخطاب من القول إلى الممارسة، ومن حيز السوق الافتراضي إلى السوق الحقيقي على الأرض.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنّ العنف لم يعد مجرد مضمون إيديولوجي، وإنّما يتحول إلى قيمة قابلة للتسويق والاستثمار. فحين تتحول الشعارات ذات الدلالات الحاملة للعنف إلى منتج تجاري، فإنّها تنتقل من المجال الخطابي إلى المجال الاستهلاكي، ومن الرقمي (الافتراضي) إلى المادي (الواقعي) بما يسمح بتوسيع نطاق انتشارها وإعادة إنتاجها بين الفئات الاجتماعية، ولا سيّما الشباب. وهنا يصبح السوق نفسه إحدى آليات إعادة إنتاج الإيديولوجيا، إذ لا يكتفي بتسويق الأفكار، وإنّما يسهم في التطبيع مع رموزها ومقولاتها وتحويلها إلى عناصر مألوفة في الحياة اليومية.
مسار تصاعدي
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الانتقال من إسلام السوق إلى إرهاب السوق باعتباره تعبيراً عن مسار تصاعدي، ونتيجة حتمية لكل أشكال التدين التجاري. ذلك أنّ التوظيف الإيديولوجي للدين يبدأ بإنتاج الخطاب، ثم تسويقه، ثم توسيع انتشاره عبر المنصات الرقمية، وصولاً إلى توظيف الرموز والشعارات التي تحمل قابلية للعنف. وإذا لم تُضبط هذه العملية في مراحلها المبكرة، فقد تنتقل من التطبيع الرمزي مع العنف إلى شرعنته، ثم إلى ممارسته.
وعليه، فإنّ المسألة لا تتعلق بالمنتج التجاري في حد ذاته، وإنّما بالآلية الاجتماعية التي تجعل من الشعارات العنيفة سلعة قابلة للانتشار، وبالتبعية يكون انتشارها وسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فبعد مرحلة التمدد الناعم داخل المجال الاجتماعي وبين قطاعات من الشباب، تتحول هذه الشعارات، في سياقات معينة، من مجرد رموز إيديولوجية إلى أدوات تعبئة وتحريض، بما يفتح المجال أمام مرحلة لاحقة يصبح فيها العنف فعلاً منظماً لا مجرد خطاب. وهنا يحدث الانتقال الطبيعي من العنف الرمزي إلى العنف المادي.
وعليه، يمكن افتراض موجة خامسة تتمثل في انفجار العنف المادي، إذا فشلت آليات الدولة والمجتمع في منع الانتقال من التطبيع الرمزي إلى التعبئة الإيديولوجية. ويصبح التحدي الأساسي هنا هو التدخل في المراحل السابقة على العنف، أي عند نقطة إنتاج الخطاب، وتوسيع انتشاره، وتسليعه، والتطبيع مع رموزه، قبل أن يتحول الأمر إلى انفجار إرهابي يطال الجميع.
وبهذا المعنى، فإنّ دراسة الموجة الرابعة لا بدّ أن تشتبك مع اقتصاد العنف الرمزي، وتحليل الكيفية التي ينتج بها شعاراته، وكيف تُسوَّق، ومن يستثمر فيها، وكيف يحدث الانتقال من الخطاب إلى السلعة، ومن السلعة إلى استدعاء الرمز، ثم بعد ذلك تحول الرمز إلى أداة للتعبئة، وصولاً إلى انفجار العنف المادي وحدوث موجة إرهاب مدمرة.
البُعد النفسي
من الناحية النفسية، يمكن تحليل ظاهرة إرهاب السوق، من خلال دراسة آليات البناء الاجتماعي للمعنى، التي تشكل المشاعر النفسية التشاركية، وتحكم الإطار النفسي العام للاجتماع، وهذه المشاعر يجري استثمارها في تسويق منتجات تحمل شعارات العنف والقتال. فهذه السوق لا تعمل في فراغ اجتماعي، وإنّما تستفيد من سياق تاريخي وسياسي شديد التأزم، يتسم بالحروب الممتدة في الشرق الأوسط، وما يرتبط بها من مشاهد القتل والدمار، ولا سيّما المأساة الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب الحروب والصراعات في لبنان وإيران وغيرها من بؤر التوتر الإقليمي.
وفي مثل هذا السياق، تولد لدى قطاعات من الجمهور شعور مُركّب بالهزيمة والعجز والانسحاق النفسي أمام واقع سياسي واقتصادي واجتماعي جعل الفرد خارج نطاق القدرة على التأثير. وهنا تتدخل منظومة إرهاب السوق؛ لتحويل هذا الشعور السلبي بالهزيمة إلى شعور رمزي بالقوة والانتصار، من خلال تقديم منتجات تمنح مستهلكها صورة متخيلة عن القوة والمجد الغابر والسيادة. فالملابس التي تحمل عبارات ذات مضامين قتالية عنيفة، إلى جانب صور السيوف والرماح وشخصيات تاريخية مرتبطة بالفتوحات والحروب، لا تؤدي وظيفة استهلاكية محضة، وإنّما تتحول مع الوقت إلى رموز للهوية. ويصبح ارتداؤها وسيلة للتعبير عن الذات المتعالية بالدين، والقدرة الموهومة على استعادة الشعور بالقوة والكرامة في مواجهة إحساس سابق بالهزيمة. ومن ثم، فإنّ المستهلك لا يشتري السلعة بالضرورة بسبب قيمتها المادية، وإنّما بسبب القيمة الرمزية والنفسية التي تحملها له.
وتعمل هذه الآلية، في أحد مستوياتها، من خلال استدعاء الماضي بوصفه بديلاً رمزياً عن الحاضر. فبدلاً من مواجهة أسباب التراجع والهزيمة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، يجري استحضار صور انتقائية من التاريخ، واستدعاء شخصيات ومراحل يُنظر إليها باعتبارها تمثل زمناً للقوة والمجد. وبذلك يتحول الماضي من موضوع للدراسة التاريخية إلى مورد رمزي لتعويض عجز الحاضر؛ ومن ثم، يصبح الماضي موضوعاً في مواجهة العالم، ويصبح العنف أداة وحيدة لاستعادة هذا الماضي.
وتكمن خطورة هذه الآلية في أنّها لا تعالج مصادر الإحباط، وإنّما تعيد تدويرها في صورة شعور متخيل بالتفوق والاستحقاق. فالفرد الذي يشعر بالهزيمة أو التهميش، يجد في الرمز العنيف وسيلة لإعادة بناء صورته عن ذاته؛ من شخص يشعر بالعجز إلى شخص يرتدي رمز القوة، ومن فرد غير مؤثر إلى شخص يعلن انتماءه إلى جماعة أو سردية -متخيلة - تمنحه شعوراً بالأهمية والاعتراف الاجتماعي.
ومن هنا يمكن فهم عملية تسويق العنف باعتبارها عملية تحويل للعنف من فكرة مجردة إلى منتج رمزي قابل للاستهلاك. فالاختيار هنا ليس محايداً؛ إذ كان من الممكن انتقاء رموز وشعارات دينية مرتبطة بالرحمة والتآخي والتكافل والإنسانية، لكنّ اختيار العبارات القتالية والصور المرتبطة بالسيف والحرب يمنح المنتج قيمة رمزية مختلفة، ويجعله أكثر قدرة على مخاطبة مشاعر الغضب والإحباط والرغبة في القوة.
وبذلك تصبح السوق جزءاً من عملية رسملة العنف؛ أي تحويل العنف من مضمون إيديولوجي إلى رأس مال رمزي يمكن إنتاجه وتسويقه وبيعه واستهلاكه. وكلما اتسع استهلاك هذه الرموز، أصبحت أكثر حضوراً واعتياداً في المجال العام، وهو ما يسهم في التطبيع مع خطاب العنف وتوسيع دائرة قبوله اجتماعياً.
إنّ انتشار هذه الملابس يؤدي بصورة مباشرة أو حتمية إلى ممارسة العنف والإرهاب في مرحلة لاحقة؛ في علاقة سببية يمكن افتراضها؛ ذلك أنّ تقمص الرمز يؤجج الغضب في ظل استمرار الانسحاق الجمعي. ويمكن القول إنّ تسويق الرموز العنيفة في بيئة اجتماعية مأزومة يؤدي إلى خفض الحاجز النفسي والاجتماعي أمام الإرهاب، خصوصاً عندما يقترن بخطاب إيديولوجي مقدّس يبرره أو يمنحه شرعية دينية.
وعليه، فإنّ إرهاب السوق يمثل، في هذا التصور، مرحلة تتجاوز مجرد بيع المنتجات ذات المضامين الدينية أو السياسية؛ إذ تتحول السلعة إلى وسيط لإعادة إنتاج هوية رمزية -متخيلة- تقوم على القوة والثأر والعمل من أجل استعادة المجد البائد. وهنا تكمن خطورة الظاهرة؛ لأنّها تخترق بنعومة كل عوامل مقاومة العنف داخل البنية النفسية للمجتمع، ممّا يجعل من استهلاك العنف الرمزي وسيلة لتعويض الهزيمة، كمدخل مباشر لانفجار الإرهاب.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_92_1_0_0.jpg.webp?itok=C4z25v-X)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/StMPEl1Fc9xKmBXazZnIjk-Qf2HwVEc9IMLSJyyYwvnL-nbkldTJkVyF0xZ4wmZTqx4wF8zOrmNxGT9rEVwLKsidfRueyzzMk7YUS6q9nMldJtUVWz-DmwTkPc8m9mN-QnPpzYWhM8AWNniyOaQi8U8H6-F616d49rb4vUC-akA3riYxHsDJ6eMN7GeWHp4O.jpg.webp?itok=AHmLtY3j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0.jpeg.webp?itok=GwiyL61a)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_206_0.jpg.webp?itok=54BJ5L6Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_1.jpg.webp?itok=HiSjRkaZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0.jpg.webp?itok=qv1UIFJ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_1.png.webp?itok=rxXk5DEh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_1.png.webp?itok=Fb6uB5fW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KwVHMk9_iXW2OmEEwYzKw9YwtnojyB58oWT2f8aqcH2oxPDboVp672B3lIznXWDzyHwtCTD_IG3v80sV3yfOBP0d54vKq0PhgrsZ9xgCULQKjJIVUoO5aC2E8247S0SM0410uXoA-I06c-smYPMwz2pBPTCSKFVEHLVjWcy3KIzrKXaLLN8633CRzGHDqDUy.jpg.webp?itok=A0vfHZK1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_1_6_0_0_0_1_2_1_0.png.webp?itok=pHZz6M_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0.jpg.webp?itok=C6ynXhh9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/G8aSC3poWT22tcUMyixO__4tQqNBq8w6f5n8Ng0kNzKzU817899X4Cy-okoyZf-AFMRWoARG4d5hHpS9zHYq2eLyk6J2hUKB35h6akd7e9rLkFCrwgFRF0esXNQzuggReKZC_Q4D3ReNI2JKHzESJ63I8O5Dqsd593N0aQ37U5BJGzL4PSKQ9BMn2iKhhT7g%20%281%29.jpg.webp?itok=rQ_sZOWG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=hImxY3gi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%81_5.jpg.webp?itok=I2pS18mO)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

