جماعة الإخوان في بنغلاديش تُصعّد المواجهة مع الحكومة من أجل السيطرة على الشارع

جماعة الإخوان في بنغلاديش تُصعّد المواجهة مع الحكومة من أجل السيطرة على الشارع

جماعة الإخوان في بنغلاديش تُصعّد المواجهة مع الحكومة من أجل السيطرة على الشارع


13/08/2026

لم تقتصر تحركات الجماعة الإسلامية في بنغلاديش خلال الأيام الأخيرة على النشاط البرلماني أو الخطاب المعارض داخل المؤسسات، بل امتدت إلى قواعدها المحلية في شمال البلاد، حيث ظهر أمير الجماعة وزعيم المعارضة البرلمانية الدكتور شفيق الرحمن في سلسلة لقاءات وتجمعات جمعت بين انتقاد أداء حكومة حزب بنغلاديش الوطني (BNP)، وحشد التنظيم، والدفع باتجاه استخدام الشارع إذا تعذر تمرير مطالبه عبر البرلمان.

وتكتسب الجولة أهمية خاصة بالنظر إلى أنّ شمال بنغلاديش، ولا سيمّا إقليم رانغبور، يمثل مساحة انتخابية مهمة للجماعة؛ لذلك لم تكن زيارة شفيق الرحمن إلى غايباندا وبوغرا مجرد جولة ميدانية، وإنّما جاءت في سياق محاولة لإعادة تنشيط البنية التنظيمية للحزب، وربطها بالمعارضة البرلمانية وبالتحركات الشعبية.

خطاب شعبوي بامتياز

في ساغاتا التابعة لمحافظة غايباندا، عقد شفيق الرحمن تجمعًا جماهيريًا في ملعب مدرسة بونارباري، موجّهًا انتقادات حادة إلى حكومة حزب بنغلاديش الوطني. واستعاد في خطابه الوعود الانتخابية التي سبقت وصول الحزب إلى السلطة، وفي مقدمتها تعهداته بتحويل شمال البلاد، ومنطقة رانغبور الكبرى خصوصًا، إلى مركز زراعي رئيسي، قبل أن ينتقل إلى اتهام الحكومة بأنّها تدير البلاد وفق ما وصفه بالأهواء، بدلًا من الالتزام بما وعدت به الناخبين.

خطاب زعيم الإخوان ربط بين انتقاد الوضع الأمني في البلاد، والتحريض على الثورة، متحدثًا، في حديث مرسل دون أدلة أو تقارير رسمية، عن ارتفاع معدلات القتل والسرقة والسطو والاغتصاب والابتزاز، ثم دعا أنصار الجماعة إلى الاستعداد للتحرك في الشوارع، مستعيدًا تجربة احتجاجات عام 2024 التي انتهت بسقوط حكومة رابطة عوامي آنذاك.  

ولا تنفصل هذه الرسالة عن خطاب شفيق الرحمن في مناسبات سابقة؛ ففي تموز/ يوليو، قال صراحة إنّ المطالب المتعلقة بتنفيذ "ميثاق يوليو" إذا لم تُنتزع داخل البرلمان، فسيكون الحسم في الشارع. 

واكتسبت زيارة غايباندا بُعدًا تنظيميًا إضافيًا من خلال برنامج شفيق الرحمن قبل التجمع، إذ زار قبور اثنين من قيادات الجماعة والجماعة الإسلامية الطلابية "شاترا شيبير"، اللذين قُتلا في المنطقة، والتقى أفراد أسرتيهما.

ويكتسب هذا الجزء من الزيارة دلالة خاصة في ضوء مقتل سيف الله باري، رئيس الجناح الطلابي المسلح للجماعة في اتحاد بونارباري، في حزيران/ يونيو الماضي خلال هجوم زعمت الجماعة أنّ عناصر مرتبطة بقيادات محلية من حزب بنغلاديش الوطني الحاكم قامت به. وكانت قيادات الجماعة قد حولت القضية منذ وقوعها إلى ملف سياسي وأمني، لابتزاز الحكومة دون وجود أيّ أدلة.

وفي اليوم نفسه، انتقل شفيق الرحمن إلى بوغرا، حيث عقد اجتماعًا مع قيادات الجماعة والجناح الطلابي، وتناول اللقاء ملفًا يبدو في ظاهره إداريًا وتعليميًا، يتعلق بصلاحيات تعيين المعلمين في المؤسسات التعليمية الخاصة، إلا أنّ النقاش اتخذ طابعًا سياسيًا عندما حذر شفيق الرحمن من نقل سلطة التعيين من هيئة تسجيل واعتماد المعلمين (NTRCA) إلى مجالس إدارة المؤسسات، معتبرًا أنّ ذلك قد يفتح الباب أمام المال والمحسوبية بدلًا من الكفاءة.

ومن داخل الاجتماع، أعاد أمير الجماعة طرح المعادلة نفسها: البرلمان أوّلًا، والشارع إذا تعذر تحقيق المطالب داخله. وهذا التداخل بين الملفات المحلية والبرنامج السياسي العام يكشف أنّ الجماعة تعمل على إبقاء كوادرها في حالة تعبئة مستمرة؛ من أجل العودة إلى الشارع وتأجيج البلاد والدفع بها للاضطرابات.

تحويل الخلاف السياسي إلى معركة شعبية

في 12 آب/أغسطس الجاري انتقلت المواجهة إلى رانغبور، حيث نظمت الجماعة مسيرة احتجاجية ضد تصريحات الأمين العام لحزب بنغلاديش الوطني ووزير الحكم المحلي ميرزا فخر الإسلام علم المغير.

القضية لم تكن خلافًا حول برنامج حكومي محدد بقدر ما كانت صراعًا على الهوية السياسية لمنطقة رانغبور وعلاقتها بالحكومة المركزية. فقد أثارت تصريحات فخر الإسلام غضب الجماعة بعدما ربط، في حديث عن أوضاع المنطقة، استمرار تخلف رانغبور بخيارات سكانها الانتخابية بين أحزاب مختلفة، من بينها حزب بنغلاديش الوطني، وحزب جاتيا، والجماعة الإسلامية.

وردت الجماعة بتحرك ميداني في مدينة رانغبور، بدأ من محيط المكتبة العامة، وجاب عددًا من الشوارع والنقاط الرئيسية، وانتهى بتجمع في ميدان شابلا، بقيادة أمير الجماعة في رانغبور إيه تي إم عظيم خان.

ولم تكتفِ قيادة الجماعة المحلية بالمسيرة، بل تحرك نوابها أيضًا على المستوى السياسي؛ إذ عقد 11 نائبًا من نواب الجماعة في منطقة رانغبور مؤتمرًا صحفيًا طالبوا فيه ميرزا فخر الإسلام بسحب تصريحاته، معتبرين أنّ ربط التنمية بالاختيار الانتخابي يمثل مساسًا بحق المواطنين في اختيار الحزب الذي يريدونه.

وتحاول الجماعة استغلال الواقعة من أجل بناء خطاب إقليمي، فبدل أن يكون السؤال: لماذا لم تتطور رانغبور؟ أصبح السؤال الذي تطرحه الجماعة هو: هل تعاقب الحكومة منطقة بسبب تصويتها السياسي؟ وهو ما يسمح لها بتحويل المنافسة مع حزب بنغلاديش الوطني من منافسة بين تنظيمين سياسيين إلى قضية أوسع تتعلق بالعدالة في توزيع التنمية والموارد، وهو خطاب يمكن أن يستقطب ناخبين يتجاوزون القاعدة الإسلامية التقليدية للحزب.

وتأتي أحداث رانغبور ضمن مواجهة أوسع بين الجماعة وحزب بنغلاديش الوطني. فقد كان ميرزا فخر نفسه قد هاجم الجماعة في تموز/يوليو، واصفًا إيّاها بأنّها تصف حزب بنغلاديش الوطني بالفاشية بسبب نقص المعرفة أو بسبب طبيعة ذهنية معينة، بينما قدّم حزبه بوصفه حزبًا ديمقراطيًا ليبراليًا. 

في المقابل، كانت الجماعة تدفع منذ أشهر باتجاه تقديم نفسها كقوة معارضة قادرة على الجمع بين الوجود البرلماني والسيطرة على الشارع. لذلك فإنّ تحركات الجماعة تبدو أقرب إلى استراتيجية مترابطة ضمن خطة أكبر لتفجير المشهد السياسي في البلاد.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية