
لم يكن تراجع الصوفية في تونس نتيجة انهيار فكرتها أو فقدانها لجذورها الاجتماعية، بقدر ما كان انعكاسًا لاختلال موازين القوة بين نموذجين مختلفين في فهم الدين ووظيفته. فمن جهة، ظل التصوف وفيًّا لفكرة إصلاح الفرد وبناء العلاقة الروحية مع الله، بعيدًا عن الصراع السياسي والاستقطاب الأيديولوجي، ومن جهة أخرى، ظهرت تيارات وافدة من المشرق، في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين ثم التيارات السلفية، تحمل تصورًا يجعل الدين مشروعًا سياسيًا ومجالًا للتعبئة والتنظيم والمنافسة على النفوذ.
لهذا، لم تكن المنافسة متكافئة منذ البداية. فالطرق الصوفية لم تدخل معركة السيطرة على المجال العام، بينما جعلها خصومها هدفًا رئيسيًا ضمن مشروع إعادة تشكيل التدين في تونس.
وخلال عقود طويلة، كان التصوف يمثل أحد أهم مكونات الهوية الدينية التونسية. فقد ارتبط التدين الشعبي بزيارة الزوايا، وإحياء المواسم الدينية، والاحتفاء بالأولياء الصالحين، وانتشرت الطرق الصوفية في المدن والأرياف على حد سواء، من زاوية سيدي بلحسن الشاذلي في العاصمة إلى عشرات الزوايا في مختلف الجهات.
ويقوم التصوف على الهروب من صعوبات الحياة إلى فضاء الزوايا والتعبد الجماعي، وقد مثلت الطرق الصوفية، في جانب كبير منها، ملاذًا للفئات الفقيرة ومحدودة التعليم، التي وجدت في التجربة الروحية وسيلة لمواجهة قسوة الواقع وبناء عالمها الداخلي.
ويقوم التصوف، في جوهره، على التدين الفردي، إذ يهتم بأثر الإسلام في حياة الإنسان أكثر من اهتمامه بالشأن السياسي، وهو ما يفسر أن الطرق الصوفية في تونس لم تتخذ، في الغالب، مواقف سياسية من أنظمة الحكم، حتى في المراحل التي شهدت توترًا مع السلطة، كما حدث خلال عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
ولم يكن هذا الحضور في تعارض مع جامع الزيتونة، الذي مثل المرجعية المالكية التاريخية في تونس. فالتدين الزيتوني والتصوف السني المالكي تقاسما المجال الديني لعقود، وتقاسما أيضًا فكرة إصلاح الفرد باعتباره المدخل الطبيعي لإصلاح المجتمع، مع حضور سياسي محدود اقتصر، في الغالب، على مقاومة الاستعمار الفرنسي.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع وصول أفكار الإسلام السياسي القادمة من الشرق، التي نقلت الدين من المجال الروحي إلى المجال السياسي، وجعلت التنظيم والحشد والاستقطاب جزءًا من العمل الدعوي.
وفي هذا السياق، وجدت الصوفية نفسها أمام منافسين لا يشبهونها. فالطرق الصوفية تقوم على حلقات الذكر، والتربية الروحية، والعلاقة المباشرة بين الشيخ والمريد، بينما اعتمدت الحركات الإسلامية الحديثة على التنظيم الهرمي، والعمل الإعلامي، والتمويل، وشبكات العلاقات الخارجية.
ولذلك، لم يكن انسحاب الصوفية من المجال العام تعبيرًا عن ضعف فكري، بقدر ما كان امتدادًا لطبيعتها. فهي لا تنظر إلى التدين باعتباره مشروعًا للصراع على السلطة أو الهيمنة على المجتمع، وإنما تعتبره تجربة فردية تقوم على تزكية النفس، وتغليب السكينة على الجدل، والابتعاد عن الخصومات السياسية.
كما أن هذه الطرق لم تكن تمتلك الإمكانات المادية التي توفرت للتنظيمات الوافدة. فأنشطتها كانت تعتمد أساسًا على تبرعات المريدين وإمكانات محدودة، بعيدًا عن شبكات التمويل الضخمة أو المؤسسات الإعلامية أو الدعم الخارجي الذي استفادت منه تيارات الإسلام السياسي خلال مراحل مختلفة.
وبالمقابل، كانت الحركات الإسلامية تستثمر في الجمعيات، والمنابر الإعلامية، والعمل الطلابي والنقابي، والأنشطة الخيرية، بما وفر لها حضورًا متزايدًا داخل المجتمع.
ولم تقتصر المنافسة على جماعة الإخوان المسلمين، بل جاءت السلفية لاحقًا بخطاب أكثر حدة تجاه الموروث الديني التونسي، فاعتبرت الزوايا من البدع، وهاجمت التبرك بالأولياء وإقامة الأضرحة، وعدّت كثيرًا من الممارسات الصوفية خروجًا عن العقيدة الصحيحة.
وفي المقابل، اتهمت جماعة الإخوان الصوفية بالحياد السياسي، واعتبرت أن انشغالها بالذكر والطقوس الروحية جعلها بعيدة عن قضايا الأمة، بل واتهمتها أحيانًا بمهادنة الأنظمة الحاكمة. ورغم أن العلاقة بين هذه التيارات لم تتحول، في الغالب، إلى مواجهات مباشرة، فإن الخصومة الفكرية بقيت معلنة، وأسهمت في إضعاف حضور التصوف داخل المجال الديني.
وبعد ثورة 2011، دخلت الصوفية مرحلة أكثر صعوبة. فقد تعرض عدد من الزوايا والمقامات الدينية إلى اعتداءات نفذها متشددون، في محاولة لترهيب أتباع الطرق الصوفية وفرض قراءة أكثر تشددًا للدين.
ورأى الباحث في الفكر الإسلامي بدري المداني، في تصريح سابق لصحيفة “العرب”، أن الزوايا كانت من أبرز ضحايا المد المتطرف بعد الثورة، مشيرًا إلى أن بعض القائمين عليها تصدوا لهذا الفكر، لكنهم لم يمتلكوا الوسائل الكافية لاستعادة المبادرة.
وأضاف المداني أن الأزمة ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضًا، فالكثير من مشايخ الزوايا، بحسب رأيه، يفتقرون إلى التأهيل العلمي الكافي، وهو ما حدّ من قدرتهم على تقديم خطاب ديني قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة أو التفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
كما انتقد غياب الدور الاجتماعي للزوايا خلال الأزمات الكبرى، مثل جائحة كورونا، في وقت نجحت فيه جمعيات أخرى في توسيع حضورها داخل المجتمع عبر المساعدات والعمل الميداني.
ومن هنا، فإن أزمة التصوف في تونس لا تبدو مرتبطة فقط بصعود السلفية أو الإسلام السياسي، بل أيضًا بعجزه عن تجديد نفسه. فالعالم تغير، بينما بقيت كثير من الزوايا متمسكة بالأدوات التقليدية نفسها، دون تطوير خطابها أو توسيع وظائفها الاجتماعية والثقافية.
لذلك، تبدو الصوفية التونسية اليوم أمام مفترق طرق. فهي تمتلك رصيدًا تاريخيًا عميقًا، وحضورًا راسخًا في الذاكرة الدينية للتونسيين، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف دورها في مجتمع تغيرت أولوياته ووسائل تأثيره. فالمعركة لم تعد تدور حول الزوايا وحدها، بل حول القدرة على إنتاج خطاب ديني يجمع بين العمق الروحي، والتأهيل العلمي، والحضور المجتمعي.
وبهذا المعنى، لم يكن تراجع الصوفية انتصارًا كاملًا لخصومها، كما لم يكن نتيجة سقوط مشروعها الروحي، بقدر ما كان تعبيرًا عن انتقال المجال الديني من منطق التربية الفردية إلى منطق التنظيم والتنافس على النفوذ. واليوم، وبعد انحسار الإسلام السياسي وتراجع الزخم السلفي، تبدو أمام الطرق الصوفية فرصة لاستعادة جزء من حضورها، لكن ذلك لن يتحقق بالحنين إلى الماضي، بل بإعادة بناء مشروع روحي وثقافي قادر على مخاطبة المجتمع التونسي بلغة العصر، مع الحفاظ على خصوصيته التاريخية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_17_2_0.jpg.webp?itok=OJHiLu6x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_1.jpeg.webp?itok=xGkcco37)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2025_10_18_18_31_31_0_0_1_0.jpg.webp?itok=SkXCybmu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=R9aTMdTp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86%D9%8A%D8%A9_5_0.jpg.webp?itok=CQ1Rgb7y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9333_1_0.jpg.webp?itok=jfpte7TE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_8_4.jpg.webp?itok=6NTbdxV3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%86_6_2_0_4_2.jpg.webp?itok=HDOykwKF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82_1.jpg.webp?itok=z9nR16Au)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/imkU1lEaIhWv6KjKI6A08QBTT-wkIgWNabNKMf3CoBZajwmmUf05S8CcJZ0F3cS48ZztE7bScTKicQfsJ05BheuH7W8vT-vNZtzdvfl_yfIn5Voq2MeF3YMSYBNlGqXbcZtibKq0DDDzJ3s1Om6TkgVpw_CTqwzJKG8LyWkGwMone3TNjFi4j6UBT4G2o1DC%20%281%29.jpg.webp?itok=4jHlYVhu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/4_14_0.jpg.webp?itok=87RfWcU8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/research1691816762-scaled_1_0.jpg.webp?itok=zJaW43iV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1_2.jpg.webp?itok=Eub_WwrE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84%20%281%29.jpg.webp?itok=l5QIZWVA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ttrf_4_1_0_0.jpg.webp?itok=eGM7A27D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/TJyYoaIPWCb1i5d30Gjrpw7fLXt0iCSz_exnQwWgbxq2nakNU1YgtKTMSrnLWGV6oejqsbylYy6kBo9aS7uXz6CvVnoHqfbzqkKbxmBNv48pdva8BItkBRhoHzHFsEo5ZxvOtzRo1hiYjMV05u-j7a9mdc0d_lyaHWz4cAvTjyne5JUgmZKNBw6oKSbXUweF.jpg.webp?itok=lutg-h0E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9_0_0_0.jpg.webp?itok=ZdFIrzY9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%AA.png.webp?itok=VbHyzx0h)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/EgfuTZjn4Z5LmUdgOi9iC7_LqDTQiCe5sGrcdhQG4oOCUqB9DIKJoy07EmCIi7i-EUFRamvItNPmjhAqo3XonOdcpEfWjXE30wohoqjIudISrFrtCEbLmY-x1jEWRA91iKb2f1XEZu5Pvi-nINfN4vuQhkdQXVSpQN0ZQ-mQ6T-oRvP3XB4avr-b-ifO4ZK2.jpg.webp?itok=UehYwX-M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_93.png.webp?itok=wop19a6T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/900_0.png.webp?itok=FYTtVJ5O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_9_0_0.jpg.webp?itok=wQUJCmfX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%B7.jpg.webp?itok=Q8py6cl-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_56_1_0_0.jpg.webp?itok=rfODfedt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

