على عربة يجرها حمار إلى غسيل الكلى... رحلة علاج يثقلها الوجع في غزة

على عربة يجرها حمار إلى غسيل الكلى... رحلة علاج يثقلها الوجع في غزة

على عربة يجرها حمار إلى غسيل الكلى... رحلة علاج يثقلها الوجع في غزة


10/08/2026

لم تعد رحلة الوصول إلى المستشفى بالنسبة إلى كثيرين من مرضى غزة طريقاً للعلاج، بل معركة يومية مع الألم والإرهاق والخوف، فمرضى غسيل الكلى، الذين يحتاجون إلى جلسات منتظمة لا تحتمل التأجيل، يضطر بعضهم إلى التنقل فوق عربات تجرها الحمير، وسط طرق مدمرة وركام وشح في وسائل النقل، لتبدأ معاناة العلاج قبل الوصول إلى المستشفى.

ومع كل حفرة واهتزاز وتأخير يزداد إنهاك أجساد أنهكها المرض والحرب، بينما ينشغل المريض بتأمين أجرة النقل والوصول في الموعد ثم العودة بعد جلسة تستنزف قوّته، وهكذا يتحول الوصول إلى العلاج من حق أساسي إلى رحلة شاقة محفوفة بالوجع والانتظار.

ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 19 حزيران/يونيو 2026، فإنّ نحو 700 مريض في غزة يحتاجون إلى غسيل الكلى، ثلاث مرات أسبوعياً.

وبحسب التقرير، يواجه مرضى غسيل الكلى نقصاً حاداً في المستلزمات الطبية، كما أنّ دواء الإريثروبويتين (Erythropoietin)، الضروري لتحفيز إنتاج خلايا الدم الحمراء لدى مرضى الفشل الكلوي، كان خارج المخزون منذ أيلول/سبتمبر 2025، ممّا دفع بعض المرضى للحاجة إلى نقل الدم.

وما تزال خمسة مراكز فقط لغسيل الدم  تعمل في غزة، مقارنة بتسعة مراكز قبل تشرين الأول/أكتوبر2023، وكانت هذه المراكز الخمسة تشغل 114 جهاز غسيل كلى وتخدم 684 مريضاً.

وقبل الحرب كان يعيش في قطاع غزة نحو 1100 فلسطيني يعانون من الفشل الكلوي، بينهم 45 طفلاً، وكانت مستشفيات القطاع تقدم أكثر من 13 ألف جلسة غسيل كلى شهرياً، بحسب دراسة منشورة في المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية عام 2025.

غسيل الكلى فوق عربة يجرها حمار

وفي مخيم النجمة المكتظ بالنازحين في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تستعد الفلسطينية سناء منصور (53 عاماً) منذ ساعات الصباح الباكر لرحلة جديدة إلى مركز غسيل الكلى، وترتب أدويتها داخل كيس صغير، وتحمل زجاجة ماء، ثم تجلس بحذر على عربة خشبية يجرها حمار، بعدما غابت عن حياتها وسائل النقل المريحة والمنتظمة.

وتقول منصور: "لم أتخيل يوماً أن أصل إلى غسيل الكلى فوق عربة حمار، فكنت أذهب إلى المستشفى بالسيارة، وأحياناً يرافقني أحد أبنائي، أمّا اليوم فأفكر أوّلاً، كيف سأصل؟ وكم سأدفع؟ وهل سأجد عربة تعيدني إلى الخيمة بعد انتهاء الجلسة؟".

وتضيف: "مرض الكلى وحده يكفيني، لكنّ الطريق أصبح مرضاً آخر، وكل اهتزاز في العربة يؤلمني، وكل حفرة أشعر أنّها تضرب جسدي من الداخل، وغالباً أصل إلى المستشفى وأنا منهكة قبل أن تبدأ جلسة الغسيل".

وتوضح أنّ "الطرق التي كانت تعرفها تغيرت بفعل الدمار والنزوح، وأصبحت السيارات قليلة ومكلفة، لتتحول العربات التي تجرها الحيوانات إلى وسيلة اضطرارية للوصول إلى العلاج".

وتشرح منصور أنّ "يوم الغسيل يبدأ بالنسبة إليها قبل ساعات من موعد الجلسة، بالبحث عن وسيلة نقل وانتظار صاحب عربة يقبل أن ينقلها، ثم التفكير في كيفية العودة بعد انتهاء العلاج".

وتوضح: "الجلسة نفسها تستمر ساعات، لكن يوم الغسيل كله أصبح بين الخوف والتعب، ولا أستطيع أن أقول إنني لن أذهب، فجسدي يحتاج إلى العلاج، لكنني أخشى الطريق بقدر خوفي من المرض".

وتزداد معاناتها بعد جلسة الغسيل، إذ تشعر بالدوخة والضعف والإرهاق، ثم تضطر إلى الجلوس مجدداً فوق الخشب والعودة عبر طرق غير معبدة، وتقول: "بعد الغسيل أريد فقط أن أستلقي وأغمض عينيّ، لكنني أجد نفسي مضطرة إلى الصعود إلى العربة، وعندما تتحرك فوق الحفر والطرق الوعرة أشعر بألم في ظهري وصدري، وأحاول أن أتماسك حتى أصل".

المرض والحرب والطريق

وتشير إلى أنّ "انتظام جلسات غسيل الكلى يجعل الوصول إلى المركز ضرورة لا يمكن تأجيلها بسهولة، ممّا يضاعف قلقها في ظل صعوبة الحركة وارتفاع تكاليف النقل وشح الوقود، مبينة: "إذا تأخرت أشعر بالقلق، وإذا لم أجد وسيلة نقل أشعر بالاختناق، ولا أملك علاجاً آخر، ولا أستطيع أن أقول لجسدي انتظر حتى تتحسن الطرق أو تتوفر سيارة".

ولم يعد المرض شأناً يخصها وحدها، بل تحول إلى مصدر قلق للعائلة بأكملها، وتروي: "أبنائي يسألونني في كل مرة، كيف ستذهبين؟ من سيأخذك؟ كم ستدفعين؟ وهل تستطيعين العودة؟ حتى أصبح موعد الغسيل موعداً للقلق في البيت كله، مشيرة أنّ أكثر ما يؤلمها شعورها بأنّها أصبحت بحاجة إلى الآخرين في أبسط تفاصيل حياتها، من مساعدتها على ركوب العربة إلى حمل حقيبتها وتأمين وسيلة للعودة".

وتستذكر أيام ما قبل الحرب قائلة: "كنت أذهب إلى المستشفى وأعود في اليوم نفسه دون أن أفكر كثيراً، كنت أعرف الطريق والمواصلات، وكان المرض هو همي الوحيد، أمّا الآن فأفكر في كل شيء، فليس هناك سيارة، والطرق ليست سهلة، ولا مال لديّ يكفي، ولا طاقة في جسدي".

وتكمل بصوت خافت: "أبكي من دون أن يراني أحد، ليس لأنني لا أريد العلاج، بل لأنني أريد أن أتعالج مثل أيّ إنسان، وأن أصل إلى المستشفى دون أن أخاف من الطريق، وأن أعود إلى مكان نومي دون أن أشعر أنني خضت معركة جديدة".

وتؤكد أنّ حلمها بات بسيطاً للغاية وتقول: "أتمنى فقط أن أركب سيارة عادية، أجلس فيها دون ألم، وأن أصل إلى المستشفى في وقت قصير، وقد يبدو هذا الأمر بسيطاً للناس، لكنّه بالنسبة إليّ أصبح حلماً".

وقبل دخولها إلى جلسة الغسيل، تصمت للحظات قبل أن تقول: "لا أعرف كيف ستكون رحلتي القادمة، لكنني أعرف أنني سأذهب، سأستمر ما استطعت، لأنّ لدي أبناء ينتظرون عودتي".

وتختتم بالقول: "لا أريد أن يتذكر الناس أنني ركبت عربة حمار فقط، بل أن يتذكروا أنّ هناك مرضى في غزة يحاربون المرض والحرب والطريق في الوقت نفسه".

غسيل الكلى رحلة تبدأ قبل المستشفى

وقبل أن يصل إلى جهاز غسيل الكلى، يكون جسد الشاب حسام خليل (29 عاماً)، من مخيم البريج شرق قطاع غزة، قد خاض معركة أخرى تبدأ بالبحث عن وسيلة نقل وتنتهي بإرهاق يضاعف ما يتركه العلاج من ضعف.

ويخرج خليل من مكان نزوحه في ساعات مبكرة، محاولاً العثور على وسيلة تقله إلى المستشفى، قبل أن يستقر فوق عربة يجرها حمار، متشبثاً بجانبها الخشبي لتخفيف وطأة الاهتزازات التي تضرب جسده مع كل حفرة أو حجر في طريق مدمرة.

ولم يعد الوصول إلى جلسة غسيل الكلى بالنسبة إلى خليل مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل رحلة شاقة تفرض عليه مواجهة سلسلة من التحديات قبل بدء العلاج، ويقول: "أصبح الطريق إلى المستشفى أصعب من كثير من الأشياء التي كنت أخاف منها قبل الحرب، فأنا مريض كلى وأحتاج إلى الغسيل بانتظام، لكنني أحتاج قبل ذلك إلى وسيلة توصلني إلى المستشفى، فأقف وقتاً طويلاً أنتظر عربة، وغالباً لا أجد إلا عربة يجرها حمار".

ويستعيد خليل كيف تحول هذا الخيار، الذي كان يسبب له الحرج في البداية، إلى ضرورة لا يملك أمامها بديلاً، ويضيف: "في البداية كنت أشعر بالحرج، وكنت أقول في نفسي، كيف سأجلس أمام الناس فوق عربة يجرها حمار وأنا ذاهب إلى المستشفى؟ لكنّ المرض لا يترك لك مجالاً للحرج، وعندما يصبح الغسيل مرتبطاً بحياتك، تفعل أيّ شيء حتى تصل".

ولا يبدأ يوم خليل عند وصوله إلى مركز الغسيل، وإنّما قبل ذلك بساعات، إذ يضطر إلى الاستعداد مبكراً والتأكد من وجود وسيلة نقل فيحمل أدويته وأغراضه الشخصية، ويكمل: "أستيقظ وأنا أفكر في الطريق، وأوّل سؤال أسأله لنفسي: كيف سأذهب؟ ثم كيف سأعود؟ إذا وجدت عربة، أبدأ بالتفاوض على الأجرة، وإذا لم أجد، أنتظر حتى يأتي أحد يستطيع نقلي".

ويواصل أنّ تكرار الرحلات يجعل أجرة النقل عبئاً متواصلاً على أسرته، قائلاً: "أنا لا أذهب إلى المستشفى مرة واحدة في الشهر، بل أحتاج إلى جلسات متكررة، وكل رحلة لها كلفة، وحتى لو كانت العربة أرخص من السيارة، فإنّ المبلغ يتراكم".

وبين الحاجة إلى العلاج وتوفير متطلبات الحياة اليومية، يجد خليل نفسه أمام معادلة قاسية لا يفترض أن يواجهها مريض، ويتابع: "أحسب النقود في يدي وأقول، هل أدفع أجرة الطريق أم أشتري شيئاً لأطفالي؟ فالمريض يجب ألّا يفكر بهذه الطريقة، والمفروض أن يفكر في علاجه، وليس في أجرة الطريق".

طريق يضاعف الألم

لكنّ العبء الأكبر لا يتعلق بالمال وحده، فالطريق ذاته يتحول إلى مصدر ألم، ويوضح خليل أنّ العربة تهتز بعنف، خصوصاً عند مرورها فوق الحجارة والحفر، ويقول: "أحاول أن أمسك نفسي بيدي حتى لا أسقط، فأشعر أنّ جسدي كله يتحرك مع العربة، وتزداد قسوة الرحلة في طريق العودة، حين يكون جسدي قد أنهكته جلسة الغسيل".

ويبين: "بعد جلسة الغسيل تحديداً أكون ضعيفاً، ولا أستطيع أن أتكلم كثيراً أو أن أجلس في وضعية واحدة طويلاً، لكنني مضطر إلى العودة بالطريقة نفسها".

ويتذكر خليل إحدى رحلات العودة التي بقيت عالقة في ذاكرته، بعدما غادر المستشفى منهكاً واستقلّ العربة في طريقه إلى مكان نزوحه،  ويشرح: "في كل مرة كانت تمر فوق حفرة كنت أعضّ على أسناني من الألم، ولم أكن أريد أن أطلب من صاحبها التوقف، كنت أعرف أنّ الطريق طويل، وكلما توقفنا تأخرت في الوصول". 

ولا يفارق خليل خلال هذه الرحلات خوف آخر أكثر خطورة من الألم والإرهاق، يتمثل في احتمال التأخر عن موعد جلسة الغسيل أو عدم الوصول إليها أصلاً، ويقول: "أعيش مع خوف دائم من أن أتأخر، وإذا لم أجد وسيلة نقل في الوقت المناسب أشعر أنّ كل شيء ينهار. موعد الغسيل ليس شيئاً يمكنني تأجيله كما أؤجل شراء شيء أو زيارة شخص"، فالبنسبة إليه الوصول إلى المستشفى في الموعد ليس رفاهية، بل ضرورة مرتبطة باستمرار العلاج والحفاظ على حياته.

ويبقى هاجس خليل الأكبر أن يأتي يوم يعجز فيه عن الوصول إلى جلسة الغسيل بسبب غياب وسيلة النقل أو عدم قدرته على تحمل مشقة الطريق، موضحاً: "هذا أكثر شيء أخاف منه، ليس الموت وحده ما أخشاه، بل أن يأتي يوم لا أستطيع فيه الوصول إلى المستشفى، فإذا مرضت أكثر، من سيحملني؟ وإذا لم أجد عربة، ماذا سأفعل؟". 

النقل الآمن ضرورة علاجية

بدوره، يرى استشاري أمراض الكلى الدكتور خالد مهنا أنّ "انتظام جلسات غسيل الكلى ضرورة للحياة، وأيّ تأخير أو تفويت قد يؤدي إلى تراكم السوائل وارتفاع البوتاسيوم واضطرابات الضغط ومضاعفات قلبية خطيرة. ويؤكد أنّ صعوبة الوصول إلى مراكز الغسيل في غزة تزيد هشاشة المرضى، إذ لا يمكنهم تأجيل العلاج حتى تتحسن ظروف النقل".

ويضيف مهنا أنّ "رحلة النقل الشاقة تضاعف معاناة المريض جسدياً ونفسياً، خصوصاً بعد جلسة الغسيل التي قد يعقبها ضعف ودوخة وانخفاض في ضغط الدم. ويؤكد أنّ اجتماع المرض والإرهاق والانتظار والطرق الوعرة يجعل رحلة العودة عبئاً صحياً إضافياً".

ويشير إلى أنّ "النزوح يزيد صعوبة التزام مرضى الكلى بالأدوية والغذاء المناسب والسوائل الآمنة والمتابعة الطبية، ويؤدي تكرار التنقل وانقطاع المرضى عن مراكزهم العلاجية إلى تعقيد حالتهم الصحية وصعوبة استمرار الرعاية المنتظمة".

ويؤكد مهنا أنّ "صعوبة النقل ليست مشكلة لوجستية فحسب، بل هي من العوامل التي قد تهدد حياة المريض، لأنّ جلسات الغسيل لا تحتمل التأجيل المتكرر، لذلك  فإنّ توفير نقل آمن ومنتظم لمرضى الكلى، خصوصاً الأكثر ضعفاً، يجب أن يُعدّ جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية في غزة، لا خدمة ثانوية".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية