شبكات الفكر وصناعة المجتمعات الموازية... تفكيك الواجهات الفكرية التابعة للإخوان في أوروبا

شبكات الفكر وصناعة المجتمعات الموازية... تفكيك الواجهات الفكرية التابعة للإخوان في أوروبا

شبكات الفكر وصناعة المجتمعات الموازية... تفكيك الواجهات الفكرية التابعة للإخوان في أوروبا


06/08/2026

شهد حضور جماعة الإخوان المسلمين في القارة الأوروبية تحولاً عميقاً منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث انتقلت الجماعة تدريجياً من حيز العمل الدعوي والخدمي المباشر إلى فضاء "التسلل الناعم" عبر النوافذ الفكرية والأكاديمية والبحثية. 

ويشكل هذا التحول جوهر استراتيجية الجماعة الرامية إلى بناء ما سمّاه مرشدها الفقهي الراحل يوسف القرضاوي بـ "المجتمع الصغير داخل المجتمع الكبير" أو "حارة المسلمين"، كأداة لخلق مجتمعات موازية تحت لافتة التعددية الثقافية وحرية التعبير.

ولتحقيق هذه الهندسة الاجتماعية، دشنت الجماعة شبكة واسعة من مراكز الفكر، ومؤسسات الأبحاث، ومجالس الإفتاء، التي لا تعمل كأدوات دينية فحسب، بل كمنصات ضغط سياسي ومطابخ لاهوتية تسعى لإعادة صياغة الهوية الإسلامية في الغرب بما يتوافق مع أدبيات تمكين الإسلام السياسي. 

مجلس مسلمي أوروبا وتدوير الهياكل في مؤتمر إسطنبول 

يمثل "مجلس مسلمي أوروبا" المظلة التنظيمية والفكرية الأم التي تنسق وتوجه أنشطة مختلف المراكز الإسلامية والبحثية التابعة للإخوان في القارة الأوروبية.  والمجلس هو المسمّى الجديد الذي جرى اعتماده تكتيكياً بدلاً من الاسم التاريخي "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي. وتكشف كواليس المؤتمر العام للمجلس، الذي عُقد في مدينة إسطنبول التركية، عن استمرار الجماعة في ممارسة تكتيك إعادة تدوير الهياكل والوجوه؛ حيث انتهى المؤتمر بإعادة انتخاب عبد الله بن منصور رئيساً للمجلس حتى عام 2030.

ويشرف هذا المجلس مباشرة على رسم الاستراتيجيات الفكرية والدعائية للواجهات الإخوانية الفرعية، مثل "منتدى المنظمات الشبابية والطلابية الإسلامية الأوروبية" في بروكسل. 

وتسعى الجماعة من خلال قرارات مؤتمر إسطنبول الأخير إلى تقليل الظهور التنظيمي المباشر للرموز التقليدية، مقابل الدفع بالصفين الثاني والثالث من الوجوه الشابة والأكاديمية التي لا تمتلك سجلاً أمنياً أو تصنيفاً سلبياً لدى الحكومات الأوروبية، بهدف تفادي الرقابة المالية الصارمة والحظر الذي تفرضه دول مثل فرنسا وألمانيا والنمسا على أنشطة تيار الإسلام السياسي.

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: لاهوت التمكين في دبلن تحت مجهر الملاحقة

يُصنف "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"، الذي يتخذ من كلونسكي في العاصمة الأيرلندية دبلن مقراً رئيسياً له، كأهم مطبخ لاهوتي وإيديولوجي يوجه الجاليات المسلمة في أوروبا. تأسس المجلس في عام 1997 بمبادرة من اتحاد المنظمات الإسلامية وبإشراف مباشر من يوسف القرضاوي، بهدف صياغة ما يُعرف بـ "فقه الأقليات" كإطار فقهي يشرعن بقاء المسلمين في الغرب دون اندماجهم في النسيج الثقافي والقانوني للدول المضيفة.

ومع تسارع الإجراءات الأوروبية لمحاصرة الإسلام السياسي، تحولت أيرلندا إلى خط مواجهة ساخن ضد هذا الكيان؛ إذ تصاعدت دعوات نيابية وحقوقية تطالب الحكومة الأيرلندية باتخاذ تدابير حازمة بحظر أنشطة المجلس وتجميد أصوله المالية. 

وتستند هذه الحملات القانونية، التي تقودها منظمات مثل "مسلمون ضد معاداة السامية"، إلى مفارقة تكمن في سماح دبلن لمؤسسة تروج علناً لأفكار يوسف القرضاوي وتصدر فتاوى تحض على الكراهية والانفصالية الثقافية، بالرغم من أنّ القرضاوي نفسه كان ممنوعاً رسمياً من دخول الأراضي الأيرلندية وبريطانيا والولايات المتحدة بسبب فكره المتطرف. ويشرف المجلس حالياً على لجان فتوية وبحثية فرعية تمتد إلى بريطانيا، وفرنسا، والنمسا، والسويد، وتصدر دراسات فقهية تعالج المعاملات المالية والفقه السياسي للمهاجرين لتأصيل العزلة الثقافية.

مؤسسة قرطبة بلندن وإعادة الهيكلة للتخفي

في العاصمة البريطانية لندن، تعمل "مؤسسة قرطبة" كواحد من أكثر مراكز الفكر تغلغلاً وتأثيراً في صياغة مواقف النخب السياسية والأكاديمية الغربية تجاه الإسلام السياسي. وتأسست هذه المنظمة وتدار بوساطة أنس التكريتي، نجل المراقب العام السابق لإخوان العراق أسامة التكريتي، الذي يُصنف كأحد أهم مهندسي الدبلوماسية العامة والعلاقات الخارجية للتنظيم الدولي للإخوان في أوروبا.

وتنشط مؤسسة قرطبة في تقديم أوراق السياسات، وتنظيم الندوات الدولية، وبناء تحالفات وثيقة مع أحزاب يسارية ومنظمات مجتمع مدني بريطانية للدفاع عن مصالح الجماعة وتشويه الأنظمة العربية المناهضة للتنظيم. غير أنّ المعلومات الاستخباراتية الأخيرة المسربة تكشف عن رعب يعصف بقرطبة بعد قيام بنك بريطاني معروف بإغلاق الحسابات المصرفية للمؤسسة ولأنس التكريتي شخصياً.

ودفع هذا التضييق المالي الأمين العام للتنظيم الدولي والمسؤول عن قطاع أوروبا، بالتعاون مع التكريتي، إلى صياغة استراتيجية سرية تقوم على "تغيير جلد الإخوان" وإعادة هيكلة الواجهات البحثية لدفع وجوه وسيطة وتغيير المسمّيات القانونية لتفادي الرقابة المالية والحظر البرلماني الوشيك في عواصم أوروبية عدة.

المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومعهد ماركفيلد

إلى جانب الكيانات السياسية والفقهية المباشرة، يعتمد التنظيم الدولي للإخوان على شبكة من المعاهد الأكاديمية المتخصصة لتوفير "الغطاء العلمي والبحثي" لأطروحاته؛ ويبرز في هذا الإطار "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"، الذي يمتلك فروعاً نشطة في بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية. 

ويتخذ المعهد من لافتة "الإصلاح المعرفي" و"أسلمة المعرفة" مظلة لتغلغله داخل الجامعات الغربية، حيث يقوم بتمويل كراسي أبحاث متخصصة للدراسات الإسلامية لضمان تقديم رؤية متسامحة مع إيديولوجيا الإسلام الحركي وتبييض صورة الجماعة تاريخياً.

ويتكامل هذا الدور مع "معهد ماركفيلد للتعليم العالي" في مقاطعة ليسترشاير البريطانية، الذي يرتبط تاريخياً بالمؤسسة الإسلامية التي دشنها القيادي الباكستاني خورشيد أحمد المرتبط فكرياً وتنظيمياً بجماعة الإخوان. ويعمل المعهد على منح درجات علمية معترف بها في مجالات الفقه المصرفي والسياسي، مخرجاً جيلاً من الباحثين والأكاديميين المسلمين الذين يحملون الجنسيات الأوروبية ويتولون صياغة دراسات وبحوث تطبيع وتوطين أفكار الجماعة وتصويرها كبديل معتدل عن الجماعات العنيفة.

وتُثبت التطورات المتلاحقة طوال العام الجاري أنّ الساحة الأوروبية بدأت تغلق أبواب التسامح التاريخي مع هذه الشبكات الفكرية والبحثية الإخوانية المعقدة. فالمراجعات الأمنية والاستخباراتية المكثفة التي تقودها فرنسا وألمانيا، جنباً إلى جنب مع المطالبات القانونية المستمرة في أيرلندا وبريطانيا، تكشف عن تشكل إجماع أوروبي نخبوي يرى في هذه المراكز البحثية ومجالس الإفتاء خطراً وجودياً يسعى لهدم قيم التماسك المجتمعي وصناعة مجتمعات موازية تحت لافتة العمل الأكاديمي والحقوقي.

ومع تفعيل أدوات الرقابة والشفافية المالية الصارمة، تضيق هوامش المناورة لـ"مجلس مسلمي أوروبا" و"مؤسسة قرطبة"، لتواجه هذه الكيانات مأزقاً هيكلياً يعصف بتمويلاتها ومواقع تأثيرها، ممّا يؤكد أنّ الاستراتيجية الإخوانية التاريخية القائمة على التخفي خلف الأقنعة البحثية والأكاديمية قد تهاوت أمام يقظة تشريعية تدرك أنّ لاهوت التمكين الإخواني ليس لاهوت تحرير ودمج، بل هو أداة لتقويض المجتمعات الليبرالية من الداخل.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية