الزيت مقابل الطحين... الحصار المالي يعيد قطاع غزة إلى زمن المقايضة

الزيت مقابل الطحين... الحصار المالي يعيد قطاع غزة إلى زمن المقايضة

الزيت مقابل الطحين... الحصار المالي يعيد قطاع غزة إلى زمن المقايضة


06/08/2026

لم يعد الجوع في قطاع غزة يقاس بما تفتقده الموائد من طعام، بل بما فقدته الجيوب من نقود، بعدما تحولت السيولة النقدية إلى سلعة نادرة بفعل الحصار المالي وتعطل النظام المصرفي، بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.

وبين الأسواق التي امتلأت بالبضائع المحدودة والخيام التي تعج بالعائلات النازحة، أخذت ظاهرة المقايضة تعود إلى الواجهة، زيت الزيتون مقابل كيس من الطحين، وبطانية مقابل علبة حليب، وملابس أطفال مقابل بعض الخضراوات، في مشهد يعيد السكان إلى أنماط تبادل ظنوا أنّها أصبحت جزءاً من التاريخ.

ووفق تقارير الأمم المتحدة، انخفضت عمولات الحصول على النقد في غزة إلى نحو 11% بعد أن بلغت 23% عقب وقف إطلاق النار في أواخر 2025، لكنّ الأمم المتحدة أكدت أنّ شح السيولة ما يزال حاداً ويحدّ من قدرة السكان على استخدام أموالهم، كما أنّ الأسواق ما زالت تحت ضغط شديد.

وبحسب التقرير، ما تزال أسعار السلع غير الغذائية أعلى بنحو 235% مقارنة بما قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأعلى بنحو 88% مقارنة بفترة وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ممّا يزيد من صعوبة شراء الاحتياجات الأساسية. 

وبين التقرير أنّ كميات البضائع التجارية الداخلة لا تكفي للحفاظ على المخزون، وأنّ كثيراً من السلع تنفد خلال يومين إلى عشرة أيام فقط، ممّا يزيد تقلبات الأسواق ويضعف النشاط التجاري.

وقدّرت الأمم المتحدة أنّ تكلفة المعيشة بلغت نحو 282% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مع تقلبات يومية في الأسعار تتراوح بين 10% و15%، ممّا يدفع الأسر للبحث عن وسائل بديلة للحصول على احتياجاتها، مثل المقايضة.

وأفادت تقارير أممية بأنّ نسبة الأسر التي تعتمد على الأسواق المحلية لشراء الغذاء تراجعت، بينما ازداد الاعتماد على المساعدات الإنسانية، مع انخفاض استهلاك الخضراوات والفواكه والبروتينات إلى مرة أسبوعياً أو أقلّ لدى كثير من الأسر.

حين يصبح الزيت عملة

تقول الفلسطينية ياسمين العريني (52 عاماً)، وهي نازحة تقيم في خيمة بمدينة غزة: إنّ حياتها انقلبت رأساً على عقب بعدما أصبحت الأموال التي تملكها بلا قيمة عملية بسبب انعدام السيولة. 

وتضيف العريني: "احتفظت بمبلغ من المال كنت أدخره لأيام الشدة، لكنني لم أستطع سحب سوى جزء يسير منه، وحتى عندما يتوفر النقد تفرض عمولات مرتفعة تلتهمه، فاضطررت إلى حمل زجاجتي زيت زيتون كنت أخبئهما منذ سنوات، وذهبت بهما إلى أحد التجار مقابل كيس من الطحين وبعض العدس، ولم أتخيل يوماً أن يصبح الزيت عملة، وأن أعود لأبادل ممتلكاتي الأساسية من أجل إطعام أطفالي".

وتواصل حديثها بصوت يختلط فيه الإنهاك بالحسرة: "في كل مرة أفتح حقيبة صغيرة أحتفظ فيها بما تبقى من مقتنيات المنزل، أفكر أيّ قطعة سأضحي بها اليوم، فمرة استبدلت بطانية ثقيلة ببضع علب فاصولياء، ومرة أخرى أعطيت أدوات مطبخ مقابل حفاضات لحفيدتي، ولم يعد السؤال ماذا أريد أن أشتري، بل ماذا أملك لأبادله، فأشعر كأنّ سنوات طويلة من التعب والادخار تتبخر قطعة بعد أخرى، بينما أقف عاجزة عن حماية أبسط حقوق أسرتي في الغذاء".

وتبين أنّ "المقايضة لم تعد خياراً فردياً، فقد أصبح الناس يتفاوضون على الطعام كما لو كانوا في زمن بعيد، والجميع يخسر في هذه الصفقات لأنّ الحاجة أقوى من القدرة على الاختيار، وأحياناً أعود إلى خيمتي وأنا أبكي لأنني أعلم أنّ ما أعطيته كانت قيمته أكبر بكثير ممّا حصلت عليه، ولكنّ الجوع لا ينتظر".

الجوع يهزم المدخرات

ولا تقتصر معاناة العريني على توفير الطعام، بل تمتد إلى الإحساس بفقدان الكرامة، وتوضح: "الأصعب ليس أن أبادل الزيت بالطحين، بل أن أشعر بأنني فقدت السيطرة على حياتي، وتضيف: "كنت أذهب إلى السوق وأشتري ما أحتاجه، أمّا اليوم، فأقف أمام الناس أعرض ما أملك كأنني أستجدي فرصة لإطعام أسرتي، فهذه ليست تجارة، بل معركة يومية للبقاء، ندفع فيها أثماناً نفسية لا تقلّ قسوة عن الجوع نفسه".

وتتابع العريني حديثها قائلة: "لم يعد لدينا ما يمكن الاستغناء عنه، فكل قطعة في الخيمة أصبحت مهددة بأن تتحول إلى ثمن لوجبة أو دواء، وأخشى أن يأتي اليوم الذي لن أجد فيه شيئاً أبادله، فالجوع لا ينتظر، فالحرب لم تكتفِ بسلبنا بيوتنا، بل امتدت لتسلبنا حقنا في استخدام أموالنا التي تعبنا سنوات في جمعها".

وتشير إلى أنّ مشاهد المقايضة باتت جزءاً من الحياة اليومية في الأسواق ومحيط مراكز الإيواء، موضحة: "نرى نساء يحملن عبوات زيت، وأخريات يعرضن أغطية وأواني منزلية، ورجالاً يطوفون بين الناس بحثاً عمّن يقبل استبدال ما لديهم بالطعام، ولم تعد الأسعار هي التي تحدد قيمة الأشياء، بل شدة الجوع وحجم الحاجة، وغالباً تمنح أغلى ما تملك مقابل كمية قليلة من الغذاء، لأنّ البديل هو أن ينام أطفالك جائعين".

وتختتم العريني حديثها برسالة يملؤها الألم: "لسنا بحاجة إلى الشفقة، بل إلى أن نستعيد حقنا في حياة طبيعية، أن ندخل متجراً ونشتري احتياجاتنا بأموالنا، لا أن نحمل ما تبقى من ذكريات بيوتنا لنقايضها بكيس طحين، فأكثر ما يؤلمني أنّ أبناءنا يكبرون وهم يعتقدون أنّ المقايضة أمر طبيعي، بينما الحقيقة أنّها دليل على حجم الانهيار الذي وصلنا إليه، وعلى واقعٍ قاسٍ لم نكن نتخيل يوماً أننا سنعيشه".

حين تصبح الممتلكات ثمناً للخبز

ويرى سفيان خليل (48 عاماً)، من سكان حي النصر بمدينة غزة، وهو أب لستة أبناء، أنّ الأزمة لم تعد أزمة فقر فحسب، بل أزمة فقدان القدرة على استخدام المال أصلاً، ويضيف: "أملك رصيداً في البنك، لكنني لا أستطيع الوصول إليه إلا بشق الأنفس، وإن حصلت على جزء منه تلتهمه عمولات السحب المرتفعة، حيث وقفت ذات يوم أمام بائع الطحين ولم يكن بحوزتي نقد، فعدت إلى المنزل وأحضرت أربعة لترات من زيت الزيتون كنت أحتفظ بها للشتاء، وطلبت منه أن يأخذها مقابل كيس طحين وبعض الأرز، وشعرت للحظة أنني عدت عشرات السنين إلى الوراء، حين كانت السلع تبادل بالسلع، لا بالنقود".

ويتابع خليل حديثه: "لم تتوقف المقايضة عند الغذاء، بل أصبحت جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، وقبل أسابيع استبدلت بطارية إنارة تعمل بالطاقة الشمسية بعلب حليب للأطفال، ثم بعت هاتفاً قديماً لأحصل على أسطوانة غاز، وفي مرة أخرى أعطيت أدوات كهربائية نجت من القصف مقابل كمية من العدس والسكر، ولم يعد الإنسان يسأل عن سعر الشيء، بل عن قيمته في نظر الطرف الآخر، وكل يوم نفقد قطعة جديدة من ممتلكاتنا كي نستطيع العيش يوماً إضافياً".

ويصف ما يجري داخل الأسواق الشعبية قائلاً: "تشاهد رجالاً يقفون حاملين أكياس الدقيق أو عبوات الزيت أو البطانيات، ويسألون المارة إن كانوا يرغبون في مبادلتها بشيء آخر، وأكثر ما يؤلم أنّ الناس لا يبيعون الكماليات، بل يفرطون في الأشياء التي يحتاجونها أصلاً، لأنّ الجوع أصبح أقوى من الرغبة في الاحتفاظ بأيّ مقتنى".

ويضيف بصوت يغلب عليه الأسى: "في منزلي الذي دمر جزئياً بقيت بعض الذكريات، طقم ضيافة، وسجادة اشتريتها بعد سنوات من العمل، وأدوات ورثتها عن والدي، وكنت أعتقد أنّها آخر ما يمكن أن أفرط فيه، لكنني وجدت نفسي أبادل بعضها بالغذاء، ولم أكن أتخيل أن يصل الإنسان إلى مرحلة يقيس فيها قيمة الذكريات بعدد أرغفة الخبز التي يمكن أن توفرها، وهذه ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل هو انهيار كامل للشعور بالأمان والاستقرار".

حين تفقد النقود قيمتها

ولم يكن خليل يتحدث عن فقدان المال فقط، بل عن فقدان المعنى الذي كان يحمله المال في حياة الناس، فالرصيد البنكي الذي كان يمثل له ولأسرته مصدر أمان في الأزمات، تحول إلى أرقام عاجزة لا توفر خبزاً ولا دواء، بينما أصبحت السلع المخزنة في المنازل أكثر قيمة من النقود نفسها، ويبين أنّ "أصعب ما يواجهه الإنسان اليوم ليس قلة ما يملك، بل عجزه عن تحويل ما يملكه إلى احتياجات أساسية في ظل تعطل الأسواق ونقص السيولة".

ويضيف خليل أنّ أكثر ما يؤلمه في هذه المرحلة هو اضطراره للتخلي عن أشياء كانت تحمل قيمة عاطفية كبيرة مقابل متطلبات الحياة اليومية، فالأغراض التي احتفظ بها سنوات طويلة، لم تعد تقاس بقيمتها المادية أو ذكرياتها، بل بما يمكن أن توفره من طعام لأطفاله، ويواصل: "لم أكن أتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه ذكرى من والدي أو قطعة أثاث من منزلي ثمناً لكيس طحين أو بعض المواد الغذائية، لكنّ الجوع يضع الإنسان أمام خيارات لم يكن يتصورها".

ويرى خليل أنّ انتشار المقايضة بين الناس يكشف حجم التحول القاسي الذي أصاب تفاصيل الحياة في غزة، حيث لم يعد السؤال عن السعر بقدر ما أصبح عن الحاجة والقدرة على التبادل، مؤكداً أنّ "الناس لم يعودوا يملكون رفاهية الاحتفاظ بممتلكاتهم أو تأجيل احتياجاتهم، فكل شيء أصبح قابلاً للتبادل أمام ضغط البقاء". 

ويؤكد خليل: "نحن لا نبيع أشياءنا لأننا لا نريدها، بل لأننا نحاول إنقاذ ما تبقى من حياتنا، وكل عملية مبادلة تترك في داخلنا شعوراً بأنّ الحرب أخذت منا شيئاً جديداً".

انهيار دورة المال

ويوضح الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "انتشار المقايضة في غزة جاء نتيجة أزمة السيولة وصعوبة الوصول إلى الأموال المودعة في البنوك، إلى جانب ارتفاع عمولات السحب وتراجع القدرة الشرائية، هو ما دفع المواطنين لاستخدام السلع المتوفرة لديهم بديلاً عن النقد لتأمين احتياجاتهم الأساسية".

ويشير جودة إلى أنّ "الأزمة أدت إلى انكماش النشاط التجاري وتراجع حركة البيع والشراء، بعدما أصبح توفر النقد عاملاً حاسماً في الأسواق، ممّا دفع بعض التجار إلى قبول المقايضة أو البيع بالدين، واضطرت الأسر إلى مبادلة ممتلكاتها مقابل الغذاء".

ويؤكد أنّ "توسع ظاهرة المقايضة يعكس ضعفاً واضحاً في النظام النقدي واضطراباً في آليات السوق، فضلاً عن استنزاف ممتلكات الأسر وازدياد الضغوط النفسية التي تهدد شعور المواطنين بالأمن الاقتصادي".

ويحذر جودة من أنّ "استمرار الظروف الحالية قد يؤدي إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ممّا يفاقم الأزمة ويجعل التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة في المستقبل".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية