
اعتُبرت السويد، على مدار العقود الأربعة الماضية، واحدة من أكثر البيئات الأوروبية تسامحاً واحتضاناً لجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. غير أنّ هذا النموذج الليبرالي وفّر، من دون قصد، مظلة آمنة لتغلغل تنظيمات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، إذ نجح التنظيم في تأسيس "دولة موازية" هادئة عبر التسلل إلى قطاعات التعليم والعمل الخيري والتمثيل الديني.
اليوم، يمر المشهد السويدي بمنعطف سياسي وتشريعي حاسم؛ حيث أعلنت وزيرة التعليم والاندماج السويدية، سيمونا موهامسون، بوضوح أنّ بلادها تعاملت في السابق "بسذاجة" مع التهديد الذي يمثله الإسلام السياسي. هذا الاعتراف الرسمي تُرجم إلى استراتيجية حكومية شاملة لتشديد الرقابة وتفكيك الشبكات الإخوانية مالياً وقانونياً، متجاوزة المقاربة الأمنية التقليدية إلى فحص البنى التنظيمية والتمويلات الأجنبية.
ومن جهتها كشفت وزارة العدل السويدية مطلع حزيران (يونيو) الماضي عن خطوات تشريعية جديدة لضبط التمويل الخارجي للأنشطة والجماعات الدينية، قدّمها الوزير غونار سترومر والمحقق مايكل مالكفيست. وتكاملت هذه الخطوة مع تكليف أمني-أكاديمي للباحث ماغنوس رانستورب لتقييم أثر الإسلام السياسي والراديكالية على البنية الديمقراطية ومؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التحركات وسط تشديد إعلامي وسياسي، وفق تقارير صحفية محلية، على تفكيك واجهات ومؤسسات تعليمية تُحسب على تنظيم الإخوان المسلمين، التي استُغلت لعقود كأدوات للتمدد الصامت. وبذلك تدشن السويد مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية لتركز على الرقابة المؤسسية وتجفيف منابع الدعم المالي.
خريطة النفوذ الإخواني... التغلغل عبر التعليم الحر والغطاء المدني
اعتمد تنظيم الإخوان المسلمين في السويد على استراتيجية تهدف إلى التغلغل الهادئ وتأسيس كيانات موازية مغطاة بالطابع القانوني والمدني، مستغلاً نظام الدعم المالي السخي الذي تقدمه الدولة للمدارس والجمعيات المدنية. وتتشكل خريطة النفوذ الإخواني من شبكة مؤسساتية مترابطة:
ـ الرابطة الإسلامية في السويد (IFIS) : وتُعدّ النواة الصلبة والجهة المظلية المرتبطة بـ "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIEO).
ـ جمعية "ابن رشد" الدراسية: الذراع التعليمية والإيديولوجية الأبرز؛ وهي اتحاد دراسي عام ظل لسنوات يتلقى ملايين الكرونات من أموال دافعي الضرائب.
ـ منظمة الإغاثة الإسلامية في السويد (Islamic Relief) : وتنشط كواجهة إنسانية وخيرية ترتبط إيديولوجياً بالتنظيم الأم.
ـ المدارس الحرة: (Friskolor) استغلت الجماعة قانون المدارس الخاصة في السويد للحصول على تمويلات حكومية ثابتة مقابل تشغيل مؤسسات تعليمية. وبرز في هذا السياق اسم القيادي الإخواني والسياسي السابق عبد الرزاق وابيري، الذي ارتبط اسمه بإدارة مدارس ورياض أطفال واجهت لاحقاً تحقيقات أمنية ومالية بتهم تحويل أموال عامة إلى الخارج وإدارة شبكات اختلاس ضخمة تجاوزت قيمتها مليار كرونة سويدية.
الإجراءات المتخذة ضد الجماعة... تجفيف مالي وحصار تشريعي
لم تعد الإجراءات السويدية تقتصر على مراقبة الأفراد المتطرفين، بل تحولت إلى استئصال هيكلي لمنظومة العمل الإخواني عبر أدوات الدولة الرسمية.
كلفت الحكومة السويدية الباحث المتخصص في شؤون الإرهاب والتطرف، ماغنوس رانستورب، بقيادة تحقيق رسمي موسع لدراسة مدى انتشار الإسلام السياسي وتأثيره في المجتمع السويدي. ويركز التحقيق على رسم خرائط تفصيلية لشبكات التأثير وآلياتها داخل المؤسسات الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.
كذلك أعلن "مجلس التعليم الشعبي" (Folkbildningsråd) وقف كافة أشكال التمويل الحكومي لجمعية "ابن رشد" الدراسية، إثر تحقيقات كشفت عن ترويج الجمعية لمواد دراسية معادية للسامية ومحرضة على الكراهية. بالتوازي مع ذلك، طالبت بلديات كبرى مثل ستوكهولم وغوتنبرغ باسترداد مئات الآلاف من الكرونات التي مُنحت للجمعية سابقاً.
وأغلقت السلطات السويدية عدداً من المدارس ورياض الأطفال الإسلامية بسبب مخاوف من التطرف وشبهات الفساد المالي. وقد شهدت المحاكم السويدية إدانات جنائية لشخصيات قيادية في هذه الشبكات، مثل إدانة القائمين على مدرسة "Nya Kastets" في غافله، بتهم الاحتيال المالي الممنهج ونقل المساعدات الحكومية إلى شركات واجهة في الخارج.
وعقد وزير العدل السويدي، غونار سترومر، مؤتمراً صحفياً كشف فيه عن تقرير المحقق الخاص مايكل مالكفيست بعنوان "إطار تنظيمي جديد لفحص التمويل الأجنبي للجماعات الدينية وغيرها من الأنشطة". وقد كشف التقرير أنّ التجمعات الدينية تلقت نحو 3.5 مليار كرونة، والجمعيات الإنسانية غير الربحية تلقت 21 مليار كرونة من الخارج خلال السنوات الأخيرة. ويقترح التقرير تشريعات تمنح السلطات صلاحية تخطي السرية المصرفية ووقف أيّ تمويل أجنبي يُسهم في بناء مجتمعات موازية أو يهدد الأمن القومي.
ومن جهته، أعلن جيمي أوكسون، زعيم حزب "ديمقراطيي السويد" (أحد الأطراف الرئيسية الداعمة للحكومة)، عن مبادرة سياسية للدفع نحو تبنّي قائمة إرهاب وطنية سويدية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين وحظرها محلياً.
كيف تؤثر هذه الإجراءات على الجماعة؟
تضرب الإجراءات المتلاحقة البنية الحيوية لجماعة الإخوان في السويد على عدة مستويات:
أوّلها الانهيار الاقتصادي: كان الدعم الحكومي السويدي يمثل المصدر الرئيسي لاستمرارية الأنشطة ودفع رواتب الموظفين وتوسيع المشاريع. قطع هذا الدعم مع فرض قيود على التدفقات المالية الخارجية يضع مؤسسات الجماعة تحت وطأة الخنق المالي الشامل.
سقوط ورقة "الاندماج": خسرت مؤسسات الإخوان صفتها كشريك استشاري للحكومة. وتصنيفها كمؤسسات لا تستوفي المعايير الديمقراطية يسلبها الشرعية والمصداقية أمام الجاليات المسلمة والشركاء المحليين.
تفكك الأدوات الإيديولوجية: إنّ إغلاق المدارس الإسلامية ووقف عمل الجمعيات الدراسية يحرم الجماعة من أهم منابرها لتنشئة الأجيال الجديدة وتمرير الأجندة الفكرية تحت غطاء الثقافة والتعليم.
ما الدلالات؟
تعكس القرارات السويدية تحولات عميقة في الفكر السياسي والأمني الأوروبي: مغادرة مربع "الاستيعاب" إلى "التفكيك": أثبتت التجربة السويدية لستوكهولم أنّ سياسة الاحتواء والدعم المالي لم تسهم في الاندماج، بل ساعدت على تشكيل "دولة موازية" ترفض القيم الديمقراطية الليبرالية.
تأثير العدوى الأوروبية: يظهر بوضوح تأثر السويد بالتحركات الفرنسية والأوروبية الأخيرة ضد الإسلام السياسي؛ حيث استلهمت ستوكهولم خطواتها من تقارير فرنسية وأوروبية رصدت آليات التغلغل الإخواني.
أولوية حماية الديمقراطية على التعددية غير المنضبطة: باتت الدولة السويدية ترى أنّ حماية السلم الأهلي والقيم الديمقراطية تقتضي عدم التسامح مع الجماعات التي تستخدم أدوات الديمقراطية لتقويضها من الداخل.
وتتأرجح مسارات الجماعة في السويد بين 3 سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: التراجع الهيكلي والاضمحلال التدريجي "الأرجح" من غياب التمويل السخي وإغلاق النوافذ المالية الأجنبية والمحلية، ويُتوقع أن تعجز الكيانات الإخوانية عن تشغيل مؤسساتها. سيؤدي هذا الضعف المالي والتنظيمي إلى انحسار نفوذ الجماعة التدريجي، ممّا يفسح المجال لبروز جمعيات مسلمة معتدلة ومستقلة تتبنّى الاندماج الحقيقي كخيار استراتيجي.
السيناريو الثاني: إعادة الهيكلة والتقية التنظيمية: قد تعمد الجماعة إلى حل بعض جمعياتها الشهيرة وتأسيس كيانات صغيرة جديدة بأسماء مختلفة ووجوه غير معروفة أمنياً للالتفاف على الرقابة. إلا أنّ هذا السيناريو سيصطدم بالتحقيقات الهيكلية المستمرة ورقابة البنك المركزي ومصلحة الضرائب التي باتت تركز على تتبع حركة تدوير الأموال وفحص الهويات.
السيناريو الثالث: تصدير خطاب المظلومية والاستقواء بالخارج: قد تحاول الجماعة توظيف شبكتها الإعلامية لاتهام الدولة السويدية بـ "معاداة الإسلام والمسلمين"، بهدف حشد الجاليات والضغط دولياً على ستوكهولم. لكنّ هذا الخيار قد يعزز عزلة الجماعة داخل السويد، لا سيّما في ظل وجود توافق سياسي برلماني واسع "بين الائتلاف الحاكم والمعارضة" على ضرورة حماية الأمن المجتمعي والسيادة القانونية من مخاطر التسييس الديني.
تثبت السويد من خلال إجراءاتها الراهنة أنّ مكافحة التطرف لا تتم فقط في غرف العمليات الأمنية، بل تبدأ من تجفيف المنابع المالية ومراجعة المناهج والأنشطة التعليمية، ممّا يشكل نموذجاً لسياسة أوروبية جديدة تسعى لاستعادة المبادرة وحماية السلم الأهلي من اختراقات الإسلام السياسي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%A8%D9%87%D8%A9%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_0_4_1_0_1_0_0_1_0.jpg.webp?itok=T28JJ5Jb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_64_0_0_0.jpg.webp?itok=J6-HjAus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

