
تكشف تحركات جماعة الإخوان المسلمين في الخارج عن نمط متكرر وممنهج من التناقضات السلوكية التي تعكس أزمة عميقة في بنيتها الفكرية وعلاقتها بمفهوم الدولة الوطنية، ففي الوقت الذي تجوب فيه شوارع العواصم الغربية حملات دعائية منظمة لتشويه صورة الدولة المصرية ومحاولة ضرب قطاعها السياحي واقتصادها القومي، تطل المنصات الإعلامية للجماعة ذاتها بخطاب ناعم يبدو حريصاً على تشجيع المنتخب المصري لكرة القدم ومشاركة الجماهير مشاعرها الوطنية في المحافل الرياضية الدولية.
هذه الازدواجية الفجة لم تكن مجرد سلوك عشوائي، بل مثلت مادة خصبة للتحليل العلمي والسياسي الهادف لتفكيك العقل التنظيمي للإخوان، وفي هذا السياق، قدّمت الدكتورة أسماء دياب، المديرة التنفيذية لـ "مركز رع للدراسات الاستراتيجية" ورئيسة برنامج دراسات التطرف والإرهاب بالقاهرة، دراسة تحليلية معمقة نُشرت تحت عنوان "براجماتية التنظيم... لماذا تشجع "جماعة الإخوان" المنتخب المصري وتهاجم الدولة في الخارج"؟
تبدأ الدراسة بالوقوف عند واقعة "الحافلة الدعائية" التي جابت شوارع العاصمة البريطانية لندن، حاملة عبارات مسيئة باللغة الإنجليزية تحث السياح على عدم السفر إلى مصر، بالتزامن مع وقفات احتجاجية مشابهة في عدة عواصم أوروبية مثل لاهاي، وترى الكاتبة أنّ هذه الحركة لم تكن مجرد احتجاج عفوي، بل هي جزء من استراتيجية دعائية محترفة تستهدف نقل الصراع إلى المجال العام الغربي وتحويل الرسائل السياسية إلى مادة بصرية قابلة للتداول والتسويق الرقمي.
وتشير الدراسة إلى أنّ اختيار لندن يحمل دلالة رمزية مهمة، لكونها عاصمة حقوقية وسياسية وإعلامية مركزية توفر بيئة مثالية لتدويل الرسائل، كما أنّ تصميم الحملة باحترافية وكتابتها باللغة الإنجليزية يثبت أنّ الرأي العام الغربي وصناع القرار في أوروبا هم الجمهور المستهدف الحقيقي، وليس الداخل المصري، وتكمن خطورة هذا المسلك في كونه يتجاوز معارضة النظام السياسي إلى محاولة ضرب ركائز الدولة واستقرارها الاقتصادي عبر استهداف قطاع السياحة الذي يمثل شريان حياة لملايين المواطنين العاديين، ممّا يكشف عن قطيعة تامة بين مصلحة المواطن وحسابات التنظيم.
خداع الوطنية والبحث عن مظلة شعبية
في المقابل، تتساءل الدراسة عن دلالة التناقض الصارخ المتمثل في تبنّي المنصات الإخوانية خطاباً حماسياً مشجعاً للمنتخب المصري في منافساته الكروية وتوجيه رسائل دعم ظاهرها الوطنية، وتجيب الباحثة بأنّ هذا السلوك يمثل "خداعاً وطنياً" تكتيكياً تحاول الجماعة من خلاله تحقيق عدة أهداف استراتيجية تسعى لمنع عزلتها التامة.
إنّ السعي للحفاظ على حضور الإخوان داخل المجال العام المصري عبر قضايا جامعة تثير شغف الجماهير مثل كرة القدم، يهدف بالأساس إلى منع عزل الجماعة شعبياً بوصفها كياناً معادياً لكل ما هو مصري، ويسهم هذا السلوك الرياضي في ترويج سرديتها بأنّها مجرد "جماعة معارضة" تستهدف المصلحة الوطنية وتدعم طموحات الشعب. يضاف إلى ذلك أنّ هذا الخطاب يتيح للجماعة الاستمرار في حملات التحريض الخارجي بشكل يبدو مبرراً أمام قواعدها، حيث تمنحها البراجماتية القدرة على مخاطبة كل جمهور بالشكل واللغة التي تناسب وعيه وخلفيته الثقافية.
تنتقل الدكتورة أسماء دياب في دراستها إلى تفكيك الجذر المعرفي والفلسفي لمفهوم "الوطن" في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، وترى أنّ الوطنية في العقل الإخواني ليست قيمة ثابتة أو غاية في حد ذاتها، بل هي أداة خطابية يتم استدعاؤها للتوظيف العملي وتجاوزها أو مهاجمتها عندما تتعارض مع مصالح التنظيم الشمولي.
وتوضح الدراسة أنّ الوطن، في المرجعية الفكرية للإخوان، لا يمثل قيمة مقدسة أو كياناً مستقلاً بذاته، بل يُنظر إليه كمجرد "وسيلة" جغرافية وبشرية تخدم تحقيق المشروع الأممي الأكبر للتنظيم، والمتمثل في إقامة الخلافة والتمكين للإيديولوجيا، وبناء على هذا الفهم النفعي، لا يجد العقل الإخواني أيّ حرج أخلاقي في استخدام الخطاب الوطني الرنان عندما يخدم ذلك أهداف التعبئة والحشد الشعبي، ثم الانتقال فوراً إلى النقيض وتبنّي خطابات تحريضية تسعى لضرب مقدرات الدولة واقتصادها عندما يقتضي الصراع التنظيمي ذلك.
حروب الجيل الخامس وصراعات السيطرة على العقول
تخلص الدراسة الصادرة عن "مركز رع" إلى قراءة المشهد في سياق حروب الجيل الخامس والصراعات المعاصرة في القرن الحادي والعشرين، فالصراعات لم تعد تدار فقط على الحدود الجغرافية أو داخل أروقة المؤسسات السيادية للدول، بل انتقلت لتدور في فضاءات العقول الرقمية وميادين تشكيل الوعي.
في هذا الفضاء الافتراضي المفتوح، تتحول الصور البصرية (مثل حافلة لندن) إلى أسلحة حقيقية، وتتحول الانطباعات المصطنعة إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي، وتغدو الرواية الإعلامية ميدان مواجهة لا يقلّ خطورة عن المعارك العسكرية التقليدية، وتؤكد وقائع هذه الازدواجية أنّ التنظيمات الإيديولوجية المعاصرة لا تتحرك بمنطق الثبات العقائدي في تعاطيها مع السياسة والاجتماع، بل بمنطق المصلحة البحتة؛ فهي لا تقدس الوسائل بل توظفها بمرونة فائقة، وتغير خطابها ببراعة لتتلاعب بالرأي العام وتمرير أهدافها الفئوية الضيقة على حساب مصالح الأوطان واستقرارها.
تُعدّ الدراسة مساهمة قيمة في كشف آليات البراجماتية المفرطة لجماعة الإخوان المسلمين وتناقضاتها البنيوية، فالجماعة التي تعجز عن صياغة علاقة متصالحة مع مفهوم الدولة الوطنية تظل أسيرة خطابين متباعدين: خطاب يسعى لتدمير ركائز الدولة واقتصادها في الخارج لجلب الضغوط الدولية، وخطاب يتقمص دور المشجع الوطني في الداخل لاستجداء العواطف الشعبية.
تفكيك هذه الازدواجية يثبت للمجتمعات العربية والغربية على حد سواء أنّ قناع الوطنية الذي ترتديه الجماعات الإيديولوجية يسقط سريعاً عندما تتعارض مصلحة المواطن اليومية "كالاستقرار الاقتصادي والسياحي" مع معارك التنظيم الوجودية، ممّا يؤكد أنّ الوطن بالنسبة إلى الإخوان سيظل مجرد "جغرافيا تكتيكية" تابعة للمشروع، وليس مرجعية نهائية للولاء والانتماء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Rk8SG_Qtc8CbygQV5HKhiR9Z3lPfuVk5Gw19NuuHdlJvBFdROv5NhuZ-5YhmPCOiKiLsxP4kZavbaJ6kkLvQvXTc-GqU7Q14rqISBYV37LwkmRrZVaLCFLvSDASBum-eDFY2AUAKtKABjVFpxC6AUxpwvpINV2msbjB126uyVaxaLexCkPYB1LeSqJ-ek9eb.jpg.webp?itok=ojoRjVWE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5VOjAPCrZdvxmCza2c_KU9YAq3wGpJmLWAYdHx1IrbbzWuFZ1jsbVvBmMHj5r5ybiNus8ALdu849DclWzG2yVbHt_IVXW-sqL98F7TuogRHuupA1BPjZrfbOtAmSc_xJ8P1KVsq4IKfA3hJHZUxz6JTkhGejDjBDxYyExUMUMZ40r8PdzRFdLkVznUoC8mJT.jpg.webp?itok=GJ6Etlrb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wR8u7H7WSZG8oS6lXm5u_nLa6aR6aawveLQAo54pilyJ49hcrOepqYMf88zfAm4IAi2GI1c0-sKj5QXbMCwgyZIId5eTWrVtbEKka7LxiUC_GkZEKxFWtspSlStvJglqVIDJCirs3kLBLjt9m-vs1mMXRVa0IoTT9IOlr64dR15wb9PhyXvYbV3qeKofDUlf.jpg.webp?itok=1FuXzNBJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kCck9Y8tKCgi4221FrP7wpxAJMYm6a0NujAx6GDA62SotoszQHLP9h_WpGT_nM3pcqpr5vPJMfG8OYgFeT3yLqnoaiTMx670sLHYRWKq74-nMkBJrEO_0NRidfSpf8m8aO6nTdFU2U144NOE8KjiVDtXM7d8KizS3-sz3PMUyEwehaqAJGEebFqnekRcsvSu.jpg.webp?itok=_q1wL0Po)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ASNAYznVyprc4uWpMoeEllhRxlYX3_VD5bbtS4WJlXvyvSKUjPzwnlPlcDFGdKw9BUtvz0XH5u1nztMACcyaYf50Fg02RFfefGXWAsi0H9Y1oQvdGXnky6YNUW1LMvjPF1CdZcUPY0PruLe7bdi6VtZhETItVfULFyfH5rIUa8JTTtQCCV_w5vE6_REdYKwW_0.jpg.webp?itok=3sDa8UZg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%A8%D9%88_1_0_1.jpg.webp?itok=VRXMbhtl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_5_0.jpg.webp?itok=T6w4U3G6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/EaGwN4UWg_pC8hEtwnWFHxmFtXdmW5-CwMD_UzFx1q4ahtpmH3eHcz8NHve3dpaoQbF6Q3-IqdAKNenL7XcCIXAuILoizwqFF9aCkRfYt62lRIGl0f1FeQNAalDKeBmStlF-G_03fNS0EPllF5saVvyIE81CadDi9XI-x6TpPm3sOeqrFoJacycmUD13VFJn.jpg.webp?itok=7rpV-1k1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/D72F3eVXsR-nnE9I6IxCep_UDrLT_DkdFHj7CU4veF2mfufsAdRSCS4Pj_h2JSm2TNRuNI_IczQOKaDzDs8ct0wTtATa9a0ZDibP29tOacT0IhHbNoD8D3J91TBDNmnBMDZu3pasE74G3BGMMbA7SwqFkKhtaU-vYRCk6Esxh-gT3fli1I8nBMSV4WsSSK2Q.jpg.webp?itok=GyiUSHyf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9v5mAR66KilVWgMgYDnO-CenHh42iIp6ubvTlTeM-dSqxGme8-sf5our9lE_Uk7k_JPk_JsM-MEZIaotgU1CnEvRozXivQE13AJqd7yjM_2o8n0a3dTGyZItmUQSVm-nuMZ2QEuVvEsWxvU2N2ZAP4K4EbrzyXQy4ExXl18st6QR60sdsSUw790Qk__axMJO%20%281%29.jpg.webp?itok=6hwxR2-f)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/-x2q3r8vOfk3ZbNPSaEftCynZKODAlhMFMM0iUbQcG1r4u1JS8Kyud82Zv9SwYtbKAJexxmQ9S-miUSy9naEkub7BYC6HRPOzEfnRIYYrFeIAiC78J_QBx1KupLzENMBEtlGMvHPTebpDcZLYDERCD72Gh1MBrcQ_EKqoe8AwYqXdFVOt09DJahqrp9-zHPI%20%281%29.jpg.webp?itok=eVXVCOb2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Jl9PyZfh0X4p-IcZLUVNE6P9JjaRoHAhCqawF546FwGtMC1TpgJ2EWlMduYwx0Wc_Hp6B_1WYl_mVQzCBdbqh9_5k4Uiotd8fguW9rLgL-eBbIR4Yc5uv0LqzOEr6SSd8FzvoKxn8JeAJ8ECzpJc8VWGpzQHi1DiOVGFRmviLcNJdUHQcxOiKlRh9ndv2xXQ%20%281%29.jpg.webp?itok=EZ1rThKB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/uokrzTpRWFGk8W0XnbdzjO4Iv3y8-cjd0uXDfZAFA6KIklZ2Q1-Y7Rp_TSLnzAvqKGREZ9x0nA7rEcIJHNw4y3F3iVQIbdzS57YmnCacw8Pi7acC-Y1SiX_i4YRYYuvzafP0HbDTzcoXfLCRJs84apLGyLPGxFS1rhROc993tioLS-TIv-_qjfiwd-ka2w8M%20%281%29.jpg.webp?itok=feQFC6Jl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_18.jpg.webp?itok=LXNODYrw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%87%D9%85_0_0.jpg.webp?itok=U_ZuewlY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=WOJjHIwZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_32_0_1.jpg.webp?itok=fuqjBCi5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/-vOpdOT0L4p62K3xO7sr-QkqWeoCdUP4ZGh4Mx5MQ9Wqoc8Z6fEUheAPlEV7RrkOTcyz3aLMbLsJlG305t6426N72A-vjLZyip_546doubjEM6KY8j1cDK6nPo1P3VqnpGpV7R1TfaVRZqOlcTo4mOsnnpiqcpwxI5xQ-vKqOVc2lVJsb7OnCxgdADkNCeLg%20%281%29.jpg.webp?itok=SeAJnrdR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_3.jpg.webp?itok=KE0VCaW3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_3.jpg.webp?itok=xVE89XIG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_2_0.jpg.webp?itok=KsUddOOW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)