العمران وإعادة إنتاج الهيمنة

العمران وإعادة إنتاج الهيمنة

العمران وإعادة إنتاج الهيمنة


08/07/2026

يُنسب إلى الفيلسوف الفرنسي "جاك لاكان" أنّ اللغة ليست ما يُنطق، وإنّما ما لا يُنطق، وما يُنطق فيكون للتعمية على الحقائق ليس إلا. ويُعرف عن لاكان صعوبة طروحاته الفلسفية، ولكن لبعض هذه الطروحات تمثلات في كيفية عمل السلطة وممارساتها. فأحيانًا لا يكون إعلان السلطة عن نفسها عبر الخطب والقوانين فقط، إنّما عن طريق الجغرافيا. فاختيار الأمكنة ليس محايدًا، وقد يُعتبر واحدة من أكثر اللغات التي تعتمدها السلطة لتوضيح وظائفها. فاختيار العاصمة، وبناء القصور، ونقل المؤسسات، وإنشاء المدن الجديدة، لا تعتبر مجرد قرارات هندسية تقنية تدخل ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي والعمران بشكل عام، فهي قرارات تحمل خيالًا وتصورات للسلطة عن الدولة وكيف تراها، والمجتمع وكيف تضبطه، والعلاقة التي تريد السلطة أن تشكلها بينها وبين المواطنين.

المكان بوصفه لغة السلطة

ولذلك، فالسؤال هنا لا يرتبط بالمكان في حد ذاته، إنّما بما يستبطنه من معنى سياسي. فإعادة رسم الجغرافيا لا يأتي فجأة لأنّه اكتُشف أنّ هذا الموقع أفضل من غيره، وإنّما لأنّ السلطة ترى في المكان وسيلة لإعادة تنظيم علاقتها بالمجتمع. فالسلطة دائمًا تسعى إلى إعادة إنتاج شرعيتها، والرموز الكبرى تجسد حضور الدولة وقدرتها على الفعل، ممّا يجعل من العمران جزءًا من خطاب سياسي متكامل يستهدف إعادة توزيع القوة وتعريف المسافة بين المجتمع والدولة.

وبالتالي، فمن التبسيط اعتبار أنّ نقل بعض المنشآت الحكومية إلى العاصمة الجديدة بمثابة قرارات إدارية تتعلق بالتخطيط العمراني. فنقل هذه المنشآت يجعلنا نطرح سؤالًا حول السلطة، وماذا ترى في نفسها حين تعيد رسم الجغرافيا؟ وكيف تتحول الأمكنة من أرض لممارسة الحكم إلى أداة من أدوات إعادة إنتاج الهيمنة والسلطة؟

فالمكان والجغرافيا عمومًا لا يمكن فصلهما عن البنى الاجتماعية والاقتصادية، فالدولة ليست محايدة، ولا معلقة بالهواء، ولا تتحرك في فراغ. ومن ثم، فهي تعيد تشكيل العمران وفقًا لشبكات المصالح وعلاقات القوة المرتكزة عليه. فالعمران لا يعكس حاجيات المجتمع فقط، إنّما يعكس الطريقة التي ترى السلطة من خلالها كيف تسيطر على المجتمع وتدير التناقضات داخله.

وبطبيعة الحال، فهناك عمران يكون الباعث عليه إنجاز حاجيات المجتمع وتوسعه وفقًا لمطالب السكان، إلا أنّ هناك عمرانًا يكون الأصل فيه أنّه جزء من مشروع سياسي، في ظاهره بناء الطرق والكباري والمدن الجديدة، وفي باطنه إعادة توزيع السلطة، وتحديد أصحاب الحظوة والمقربين من دائرة صنع القرار، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فيصير البناء تكثيفًا ماديًا عن تصورات سياسية.

العمران بين الشرعية وإعادة تشكيل المجال السياسي

ما حدث منذ أيام بنقل بعض المؤسسات إلى العاصمة الجديدة ليس أمرًا مبتدعًا وجديدًا، فالدول عبر العصور استخدمت المكان والجغرافيا لتأكيد سيادتها وإظهار القوة والهيبة، وإعادة إنتاج وتنظيم المجال الذي تمارس فيه السلطة، إلا أنّ ذلك يكون له دلالاته السياسية حين يحدث في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متراجعة، وهنا يتبادر إلى الأذهان الظرف الذي دعا إلى إعادة تعريف المكان أصلًا.

ففي التحليل المادي للتاريخ، الدولة لا تتحرك منفصلة عن الشروط الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية التي تنتجها. وحين تتعرض هذه الشروط لتناقضات واختلالات، فيظهر سؤال الشرعية ملحًا. فكما تؤثر الأزمات الاقتصادية على مستوى المعيشة، فهي كذلك تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، وتدفع السلطة إلى البحث عن صيغ لتأكيد حضورها وإعادة إنتاج نفسها. ومن هنا تصبح الجغرافيا، كالقانون، باعتبارهما من الأدوات التي تتبناها السلطة لإعادة تنظيم المجال الذي تمارس فيه السلطة سيادتها.

عادة لا أحبّ المقاربات التاريخية، فلكل لحظة تاريخية سياقاتها وظرفها، ولكن قذفت الذاكرة مقاربة تاريخية، ولعلها تستحق التأمل. ففي أواخر دولة المماليك البرجية شهدت ضغوطًا اقتصادية كبيرة وتحولات كبرى في طرق التجارة، فضلًا على الصراعات بين الأمراء، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة التناقضات والمحافظة على التوازنات المتوارثة.

في تلك اللحظة عملت دولة المماليك البرجية على الخروج من القاهرة التاريخية في اتجاه الصحراء، والتي أُطلق عليها فيما بعد صحراء المماليك. كان خروجًا يبدو كأنّه رغبة في التوسع العمراني والحضري، إلا أنّه كان لرغبة السلطة آنذاك في إعادة إنتاج نفسها وهيبتها، وتنظيم مؤسساتها، وذلك بالاعتماد على المكان بوصفه توزيعًا للسلطة، وتأطيرًا للمسافات، وتحديدًا لمن يملك إمكانية الوصول إلى العاصمة الجديدة، وتجفيف التناقضات داخلها، ممّا يحد من إمكانية التمرد، وفي الأخير إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الدولة ليست جهازًا إداريًا، فهي جزء من البنى التي تعيد إنتاج النظام الاجتماعي السائد، فالعمران ليس محايدًا أو بريئًا من التسييس، فهو أداة من أدوات إعادة إنتاج الهيمنة، إلا أنّ البعض قد يتناسى دروس التاريخ. فقد تستطيع السلطة رسم الجغرافيا، ونقل المؤسسات، وتشييد ما تريد من عواصم جديدة تتصدرها أبنية ضخمة وعالية ومسورة تعكس هيبتها وقدرتها على الفعل، إلا أنّ جميع هذه الممارسات تعمل داخل أزمات بنيوية لها جذر اقتصادي واجتماعي وسياسي، وإعادة تشكيل الجغرافيا لن تستطيع معالجتها، إنّما تأجيلها على الأكثر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية