
تشير التطورات في المقاربة الأمريكية للملف الإيراني إلى أن واشنطن بدأت تتجه نحو إعادة صياغة تعاطيها مع قضيتين محوريتين تمثلان أولوية استراتيجية لها: أمن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي الإيراني، ويبدو أن الاتجاه العام في هذه المقاربة يقوم على تحويل هذين الملفين من قضايا ذات طابع ثنائي أميركي–إيراني، أو حتى إقليمي محدود، إلى قضايا ذات طابع دولي متعدد الأطراف، وهو ما يعني عملياً استبدال خيارات المواجهة العسكرية المباشرة أو إدارة الأزمات بشكل منفرد، بنهج يقوم على إشراك أطراف دولية وإقليمية في تحمل مسؤولية إدارة هذه الملفات، بحيث تتوسع دائرة المسؤولية السياسية والأمنية، وتزداد كلفة أي تصعيد محتمل قد تقدم عليه طهران، لانها لن تواجه الولايات المتحدة وحدها، بل تواجه منظومة أوسع من الفاعلين الدوليين، ولعل ما ينبغي الاشارة اليه هنا ان هذه المقاربة الامريكية ليست جديدة بالكامل على السياسة الأمريكية، إذ سبق لإدارة الرئيس دونالد ترامب أن حاولت توسيع نطاق المشاركة الدولية والإقليمية في التعامل مع التهديدات في الخليج، بما في ذلك إشراك بعض دول الناتو ودول من المنطقة، إلا أن هذه الجهود لم تُترجم بشكل كامل إلى إطار جماعي مستدام وعلني وفاعل.
فعلى صعيد قضية مضيق هرمز، تعمل واشنطن على إعادة تعريف أمن المضيق بوصفه قضية دولية تمس الاقتصاد العالمي وسلاسل إمداد الطاقة، وليس مجرد مسألة ترتبط بالمصالح الأمريكية المباشرة، لذلك تدفع باتجاه تعزيز دور الحلفاء والشركاء في حماية خطوط الملاحة البحرية، وذلك بتشجيع الدول الأوروبية على الانخراط في مبادرات لحماية الملاحة، إلى جانب ممارسة ضغوط سياسية على بعض الأطراف الإقليمية، بما في ذلك سلطنة عُمان، مع اتهامات غير مباشرة لها بالتساهل أو التعاون مع إيران في بعض الملفات ذات الصلة،وقد بدأت بالفعل بعض الدول الأوروبية بالمشاركة في عمليات حماية الملاحة في الخليج، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن دورها لا يرقى إلى المشاركة في عمليات هجومية ضد إيران، بل يقتصر على مهام دفاعية وحماية للسفن التجارية.
ومن الواضح أن إيران استوعبت هذا التحول في المقاربة، إدراكاً منها أن أي استهداف للمضيق أو للسفن التجارية لم يعد يُقرأ كتصعيد مع الولايات المتحدة فقط، بل كتهديد مباشر للمجتمع الدولي بأسره، وهو ما سيرفع بصورة كبيرة الكلفة السياسية والعسكرية لأية خطوة تصعيدية، وربما تراهن واشنطن على أن أي استهداف لسفن محمية من قبل أطراف أوروبية قد يدفع هذه الأطراف إلى الانخراط بشكل أوسع في ردود الفعل، بما قد يوسع دائرة المواجهة.
أما في الملف النووي، ورغم تعدد المقترحات التي طُرحت لمعالجة الأزمة—ومنها نقل اليورانيوم المخصب إلى دول ثالثة مثل روسيا أو الصين أو كازاخستان—وهو ما رفضته إيران بشكل متكرر، فإن واشنطن تتجه نحو تعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها المرجعية الفنية والقانونية الأساسية في ملف عدم الانتشار النووي، ويهدف هذا التوجه إلى إعادة تدويل الرقابة على البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح فرض ضغوط إضافية عبر القنوات الدولية، وليس فقط عبر العقوبات الأمريكية،فتعزيز دور الوكالة يساهم في ربط الملف النووي بالمنظومة الدولية الأوسع، ويجعل إيران أكثر عرضة للانتقادات داخل المؤسسات متعددة الأطراف كلما تراجعت مستويات التعاون أو تصاعدت الشكوك بشأن طبيعة أنشطتها النووية، وفي المقابل، قد تجد إيران في هذا المسار مساحة مناورة نسبية، إذ يمكنها تقديم بعض التنازلات بوصفها استجابة لمؤسسة دولية محايدة، وليس استجابة مباشرة للولايات المتحدة، رغم التوتر القائم تاريخياً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
من الواضح أن سياسة تدويل الملفين—أمن الملاحة والبرنامج النووي—ستسهم في تقليص هامش المناورة الإيراني، من خلال نزع الطابع الثنائي عن المواجهة، إذ لم يعد بإمكان طهران تصوير الضغوط، التي تمارس عليها، باعتبارها أمريكية خالصة، بل أصبحت مرتبطة بإجماع أو شبه إجماع دولي، ما يرفع كلفة التصعيد، وفي المقابل، تعزز هذه المقاربة موقع الولايات المتحدة بوصفها قائدة لجهود دولية في حماية أمن الطاقة ومنع الانتشار النووي، ما يمنحها قدراً أكبر من الشرعية السياسية والدبلوماسية في تحركاتها الخارجية، خاصة مع إحالة تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة.
وفي الخلاصة،يمكن القول إن ربط أمن الملاحة البحرية والملف النووي الإيراني بالإطار الدولي يمنح الولايات المتحدة أدوات أوسع لحشد الدعم السياسي والدبلوماسي، ويحد من قدرة إيران على إدارة التصعيد بصورة منفردة وفق حساباتها الخاصة،ومع ذلك، يبقى نجاح هذه المقاربة مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها استمرار وحدة الموقف بين الحلفاء، وفاعلية المؤسسات الدولية، وقدرتها على إدارة الخلافات دون انقسام، كما يعتمد نجاحها على الحفاظ على قنوات الاتصال الإقليمية التي تمنع انزلاق التوتر إلى مواجهات مفتوحة.
وفي ضوء ذلك، يبدو مستقبل هذه الاستراتيجية مرتبطاً بقدرة واشنطن على تحقيق توازن دقيق بين الضغوط الاقتصادية والسياسية من جهة، وتفادي الانزلاق إلى صراع واسع قد يهدد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي من جهة أخرى، خاصة في ظل احتمالات طرح مبادرات دولية جديدة بشأن أمن الملاحة في المحافل الكبرى مثل قمة الناتو المقبلة التي ستعقد بعد ايام في تركيا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_4.jpg.webp?itok=j8uCSdgw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_0.jpg.webp?itok=bE2_Ah-g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_2_0.jpg.webp?itok=oSG7P5ro)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_1_0_12.png.webp?itok=NlkJmy2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86_3_0.jpg.webp?itok=qej6oSWK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D9%85_0_0_0_0.jpg.webp?itok=m_GnUzM6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_4.jpg.webp?itok=6-C-ifoA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=IZGOGP9L)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AF_4_0_1.jpg.webp?itok=z0NH8KoL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=sYmdnbQa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22.jpg.webp?itok=d0zAs0_H)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%A9.jpg.webp?itok=waHcFty-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_2.jpg.webp?itok=6xnH0ImP)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hrmz_1_0_5_1.jpg.webp?itok=TKlST296)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%88%D8%B1_3.jpg.webp?itok=wrsAg3D5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5YTmzoxRDC9d4MmYVdeZ-s961mAllXxIWexH58DYTH4Ca3CxJ6td92-OSRFfcrckM8hdtTRYBcBBT4-tCjfiME-tN5gPkmrXuI1OqpSZ0LPQ8PFVl4jcBbjYdjDU-Qr27B7zbOY2bLjYpebK6gUD8qkAbEZtt6C33eqQHvE46uuyhlw75mD0pHUEeP-wPT7W.jpg.webp?itok=I39PCZfU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)