
لم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما كشفته من اصطفاف الإخوان مع إيران باعتبارها جبهة إسناد سياسية، مع تلميحات إلى دعم ميداني وعسكري تصعيدي، تحديدًا كما هو الحال في السودان ولبنان، لم تكن أمرًا طارئًا، بل إنّ التنظيم الدولي والأفرع الإقليمية للجماعة الأم للإسلام السياسي تنسج علاقات خفية ومعلنة، بعضها قديم والآخر راهن، مع نظام "الولي الفقيه"، لا سيّما في ظل ارتباطات تتجاوز التباينات الإيديولوجية والعقائدية إلى مصالح ومقاربات براغماتية وتحميها الشراكات السياسية والإقليمية.
منذ بدايات القرن العشرين شهدت المنطقة صعود حركات وشخصيات تبنت مواقف إيديولوجية تجاه الوضعين الاجتماعي والسياسي، حيث قدمت هذه المشاريع، التي تُعرف بـ"الإصلاحية" أو "النهضوية" ظاهريًا، بيئات مواتية لصعود الأفكار الإسلاموية التكفيرية والجهادية التبشيرية، إذ تحول الدين إلى أداة وظيفية ووسيلة كفاحية للانقلاب على الحكومات ورفض أو نبذ المجتمعات وتصنيفها على أساس ديني هوياتي. ولهذا، كانت جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها المؤسس حسن البنا امتدادًا لهذا المسار الذي اعتمد على مصادر فكرية، منها رشيد رضا، بالإضافة إلى آخرين، منهم جمال الدين الأفغاني وأبو الأعلى المودودي وغيرهم.
ويمكن القول إنّ الارتباط بين الإخوان والإسلاميين في إيران بدأ منذ فترة مبكرة، تسبق اندلاع الثورة الإيرانية في نهايات سبعينيات القرن الماضي. وقد برز لقب "المرشد" بوصفه أحد أكثر الألقاب السياسية والدينية إثارة للاهتمام في العالم الإسلامي المعاصر، ويتشارك فيه الطرفان. فاللقب لا يحمله اليوم سوى شخصيتين تمثلان تجربتين مختلفتين في الظاهر ومتقاربتين في الجوهر والمضمون؛ حيث إنّ الأولى لمرشد النسخة السنية من الإسلام السياسي، والثانية للنسخة الشيعية. وبين النموذجين تتكشف شبكة معقدة من التشابهات الفكرية والتنظيمية تتجاوز الفوارق المذهبية التقليدية بين السنة والشيعة.
وبحسب دراسة لمركز (تريندز)، فإنّ كلمة "المرشد" في أصلها تشير، في المعاجم العربية، إلى الدليل والهادي والموجّه. غير أنّ تطورها داخل التنظيمات الإسلامية الحديثة منحها أبعادًا تتجاوز المعنى اللغوي المباشر. فمع الزمن، لم تعد الكلمة تشير إلى واعظ أو مصلح ديني فحسب، بل إلى شخصية تمتلك سلطة روحية وتنظيمية تجعلها المرجع النهائي في تحديد الاتجاهات الفكرية والسياسية للحركة.
كما أنّ التحول من العمل الدعوي إلى المشروع السياسي كان عاملًا رئيسيًا في تضخم مكانة القائد داخل هذه التنظيمات. فكلما توسعت الطموحات السياسية للحركة، ازدادت الحاجة إلى مركز قيادي قادر على فرض الانضباط، وتوحيد الرؤية، وحسم الخلافات الداخلية، وهو ما جعل مفهوم "المرشد" يتجاوز دوره التربوي ليصبح جزءًا من بنية السلطة ذاتها.
ومن ثم، فإنّ العلاقة بين جماعة الإخوان وإيران ليست وليدة الثورة الإسلامية عام 1970، بل تعود إلى عقود سابقة، تحديدًا في ثلاثينيات القرن الماضي، حين زار رجل الدين الشيعي تقي الدين القمي مصر والتقى حسن البنا، لتنشأ آنذاك فكرة التقريب بين السنة والشيعة، وهي الصيغة ذاتها التي يسعى نظام الملالي إلى تدشينها طوال الوقت لتكون نافذة أو منصة للتماس مع الطرف الآخر من العالم الإسلامي والعربي.
وشهدت تلك المرحلة سلسلة من اللقاءات والحوارات بين قيادات إخوانية وشخصيات دينية شيعية، انتهت لاحقًا إلى تأسيس "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية". وربما تجاوزت هذه المساحة مجرد النقاش النظري في الأدبيات الدينية والتراث الديني للمذهبين، وشكلت نواة لاصطفافات سياسية وحركية. ورغم استمرار الخلافات العقائدية، فإنّ نشوء مفهوم "الإسلام السياسي" وفر أرضية مشتركة للتقارب. فكلا المشروعين انطلق من تصور يعتبر أنّ الدين لا يقتصر على المجال الروحي أو الإيماني المفارق للواقع، وإنّما هو صيغة يمكن تحشيدها وتعبئتها لأدوار سياسية وإيديولوجية "ثورية" و"انقلابية" بغرض التمكين.
الحاكمية وولاية الفقيه... تقاطع المرجعيات
من أبرز الأفكار التي جمعت بين التجربتين الإخوانية والإيرانية مفهوم "الحاكمية"، الذي يقوم على أولوية المرجعية الدينية في إدارة الشأن العام. فقد شكلت كتابات سيد قطب، وتحديدًا كتابه "معالم في الطريق"، مرجعًا مؤثرًا في العديد من الحركات الإسلامية الراديكالية. بل إنّ المرشد السابق، الذي تم اغتياله مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ترجم أحد كتب سيد قطب ووضع له عنوان: "بيان ضد الحضارة الغربية".
وكان كتاب "الحكومة الإسلامية"، من تأليف المرشد المؤسس الخميني عام 1969، يحمل الرؤية الشيعية لمبدأ الحاكمية، ووجدت صداها في أدبيات النسخة السنّية للإسلام السياسي مع الإخوان. ومن ثم، جرى توليد نظرية "ولاية الفقيه"، معتبرًا أنّ الفقيه الجامع للشرائط يتولى نيابة الإمام الغائب في إدارة شؤون الأمة. وبهذا المعنى أعادت الثورة الإيرانية إنتاج فكرة القيادة الدينية المطلقة بصيغة تتناسب مع المذهب الشيعي، وقدّمت جماعة الإخوان تصورها الخاص لقيادة الأمة عبر مشروع الخلافة الإسلامية.
ورغم اختلاف المسارات الفقهية، فإنّ النتيجة السياسية تبدو متقاربة؛ إذ إنّ الحكم أمسى ضمن العقيدة، بينما تتحول السلطة إلى امتداد لرسالة دينية ومعنى كفاحي وجهادي، بما يمنح القيادة السياسية شرعنة، وربما قداسة متوهمة، تعفيها من النقد والمساءلة.
وفيما يبدو، فإنّ المرشد في نظام "الولي الفقيه"، كما لدى جماعة الإخوان، يقوم على مبدأ السمع والطاعة، الذي يحتل موقعًا مركزيًا في أدبيات التنظيم. فالفرد المنتمي إلى الجماعة ينظر إلى المرشد باعتباره المرجعية الكليّة.
المرشد والسلطة... تشابه المواقع واختلاف الأدوار
فإذا كان مرشد الإخوان يقود تنظيمًا أمميًا عابرًا للحدود، فإنّ المرشد الأعلى في إيران يقود دولة كاملة. ومع ذلك، فإنّ التشابه بين الموقعين لا يقتصر على الاسم فقط، بل يمتد إلى طبيعة السلطة الممنوحة لكل منهما، وفق مركز (تريندز). ففي الجمهورية الإسلامية، يحتل المرشد الأعلى قمة الهرم السياسي والعسكري والأمني والديني، وتخضع له المؤسسات الأكثر تأثيرًا في الدولة. ورغم وجود رئيس منتخب، وبرلمان، وهيئات دستورية متعددة، فإنّ القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية الكبرى يظل مرتبطًا بموقع المرشد.
وقد أدى هذا النموذج إلى نشوء ما يصفه الباحثون بـ "الدولة العقائدية"، حيث تتداخل شرعية النظام السياسي مع شرعية المرجعية الدينية، ويصبح الحفاظ على المشروع الإيديولوجي أولوية تتقدم، أحيانًا، على مقتضيات الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها البيروقراطية.
وتكشف المقارنة بين مرشد الإخوان ومرشد إيران عن مفارقة لافتة؛ فالأوّل يقود تنظيمًا يسعى إلى الوصول إلى السلطة، بينما يقود الثاني دولة نجحت بالفعل في تحويل النظرية إلى نظام حكم. غير أنّ القاسم المشترك بين التجربتين يتمثل في مركزية القائد، وفي الاعتقاد بأنّ مشروع النهضة أو الخلاص لا يتحقق إلا عبر قيادة تمتلك سلطة استثنائية تتجاوز حدود السياسة التقليدية.
ومن هنا تكتسب كلمة "المرشد" دلالتها الحقيقية؛ فهي ليست مجرد لقب تنظيمي، بل تعبير عن رؤية كاملة للعلاقة بين الدين والسلطة، وبين الجماعة والفرد، وبين المشروع السياسي والقيادة التي تحتكره. ولذلك بقي اللقب أحد أكثر الرموز حضورًا في أدبيات الإسلام السياسي، سواء في نسخته السنّية ممثلة بالإخوان المسلمين، أو في نسخته الشيعية ممثلة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.










![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_2.jpg.webp?itok=q3WAf0sR)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b.png.webp?itok=z8QoLTX3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=QMttpOfs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5ef6434f-60b5-4d8e-9e50-0c7205d9ae75.png.webp?itok=hjYIPSiB)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)