في ذكرى سقوط الإخوان: الدولة الوطنية في مواجهة مشروع الجماعة

في ذكرى سقوط الإخوان: الدولة الوطنية في مواجهة مشروع الجماعة

في ذكرى سقوط الإخوان: الدولة الوطنية في مواجهة مشروع الجماعة


30/06/2026

أثار الجدل حول علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالدولة الوطنية اهتمامًا واسعًا، خصوصًا بعد وصول الجماعة إلى السلطة في بعض الدول ثم خروجها منها، وما كشفته تلك التجارب من تباين بين طبيعة التنظيم العقائدي ومتطلبات إدارة الدولة الحديثة. ولم يعد الخلاف مقتصرًا على الممارسة السياسية، بل امتد إلى اختلاف في مفهوم الدولة والسيادة والولاء ومصدر الشرعية.

تقوم الدولة الوطنية الحديثة على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون والدستور، بحيث يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية أو السياسية، وتستند السلطة إلى الإرادة الشعبية والمؤسسات الدستورية. وفي المقابل، تنطلق جماعة الإخوان من مفهوم "الحاكمية" ومن مشروع ذي بعد أممي يتجاوز حدود الدولة القطرية، وهو ما جعل العلاقة بينها وبين الدولة الوطنية محل خلاف فكري وسياسي منذ تأسيسها.

الدولة مجرد أداة عند الإخوان

تنظر جماعة الإخوان المسلمين إلى الدولة بوصفها أداةً لتنفيذ مشروعها الفكري والتنظيمي، أكثر من كونها الإطار النهائي الذي تُدار داخله الشؤون السياسية وفق مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. وينعكس هذا التصور في الأدبيات التنظيمية التي تربط العمل السياسي بهدف أوسع يتمثل في بناء المجتمع وفق رؤية الجماعة وإقامة نظام يُعبّر عن مرجعيتها الفكرية.

وفي هذا السياق، يحتل الانتماء للتنظيم مكانة مركزية في البناء الفكري للجماعة، إذ يُنظر إلى العضوية في الجماعة باعتبارها إطارًا جامعًا للالتزام الفكري والحركي، بما يرسخ روابط الولاء والانضباط الداخلي. وقد أثار هذا التصور نقاشًا واسعًا في الدراسات الأكاديمية حول العلاقة بين الولاء التنظيمي والانتماء الوطني، ولا سيّما عندما تنتقل الجماعة من موقع المعارضة إلى موقع المشاركة في إدارة الدولة.

هذا التداخل قد يخلق إشكاليات تتعلق بترتيب الأولويات بين متطلبات التنظيم ومتطلبات مؤسسات الدولة، خصوصًا في البيئات التي تتولى فيها الجماعة مسؤوليات تنفيذية أو تشارك في السلطة. وفي المقابل، ترى أدبيات الجماعة أنّ المشروع التنظيمي لا يتعارض مع خدمة الدولة، وإنّما يمثل وسيلة لتحقيق الإصلاح السياسي والاجتماعي وفق مرجعيتها الإسلامية. 

ويُعدّ مفهوم "التمكين" من المفاهيم التي حظيت باهتمام واسع ضمن أدبيات الجماعة للإشارة إلى بناء القدرة على تطبيق مشروعها الإصلاحي من خلال التدرج في العمل الدعوي والاجتماعي والسياسي. وقد ارتبط هذا المفهوم بتوسيع حضور الجماعة داخل مؤسسات المجتمع والدولة عبر المشاركة في المجالات السياسية والإدارية والنقابية والتعليمية والاجتماعية.

تطبيق مفهوم التمكين في الممارسة السياسية أدى إلى تعزيز النفوذ التنظيمي داخل مؤسسات الدولة، بما يثير تساؤلات حول العلاقة بين الانتماء التنظيمي ومتطلبات الإدارة العامة، ولا سيّما في الدول التي تقوم مؤسساتها على مبادئ الحياد المؤسسي وتكافؤ الفرص والكفاءة الإدارية، وهو ما يُفضي إلى تداخل بين الاعتبارات التنظيمية وآليات عمل مؤسسات الدولة.

وكشفت ممارسة الإخوان عن وجود فجوة بين الخطاب المعلن، الذي يزعم قيم الديمقراطية والتعددية والشراكة السياسية، وبين الممارسات التي نُسبت إلى الجماعة خلال فترات مشاركتها في السلطة، التي عكست ميلًا إلى توسيع النفوذ التنظيمي داخل مؤسسات الحكم. 

استحالة الجمع بين الدولة والانتماء إلى الجماعة

ومن أبرز نقاط الخلاف أيضًا مفهوم الشرعية. فالدولة تستند إلى الدستور والقانون والمؤسسات المنتخبة، بينما تمنح الجماعة أهمية كبيرة للمرجعية الفكرية والتنظيمية التي تحكم قراراتها الداخلية، وهو ما يخلق ازدواجية بين شرعية الدولة وشرعية التنظيم عندما يتولى أعضاؤها مسؤوليات تنفيذية داخل أجهزة الحكم.

وتعتمد الدولة الحديثة على المؤسسية والفصل بين السلطات وتوزيع الصلاحيات، بينما يقوم البناء التنظيمي للجماعة على هيكل هرمي يعتمد السمع والطاعة والانضباط الداخلي، وهو ما يجعل الانتقال من إدارة تنظيم مغلق إلى إدارة دولة تضم مؤسسات مستقلة وتوازنات سياسية ومجتمعية معقدة أمرًا بالغ الصعوبة.

وظل ملف العنف أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الجماعة. فبينما تؤكد في بياناتها الرسمية التزامها بالعمل السياسي، ارتبط اسمها تاريخيًا بخروج تنظيمات وأجنحة تبنت العنف المسلح واستندت إلى أفكار عدد من مُنظّريها، وهو ما دفع دولًا عدة إلى تصنيفها تنظيمًا محظورًا أو إرهابيًا وفق تشريعاتها الوطنية واعتباراتها الأمنية.

وتُعدّ مفاهيم الحاكمية والجاهلية والولاء والبراء من أكثر المفاهيم التي أثارت الجدل في أدبيات الجماعة، إذ أعادت تقديم العلاقة بين الفرد والدولة والمجتمع بصورة تختلف عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وهو ما جعلها محل انتقاد واسع في العديد من الأوساط الفكرية والدينية.

وتتجاوز الأزمة بين جماعة الإخوان والدولة الوطنية حدود الخلافات السياسية أو التنافس الانتخابي، لتصل إلى مستوى أعمق يرتبط بتباين جوهري في طبيعة كل من المشروعين. فالدولة الوطنية الحديثة تقوم على منظومة من الحدود الجغرافية المحددة، والسيادة القانونية، ووحدة المؤسسات المدنية والعسكرية، بما يضمن انتظام السلطة داخل إطار وطني موحد.

في المقابل، يستند مشروع الجماعة إلى تصور تنظيمي ذي امتداد عابر للحدود، يقوم على ترابط شبكي بين فروعه المختلفة خارج الإطار الجغرافي للدولة الواحدة. هذا التباين البنيوي بين منطق الدولة ومنطق التنظيم يجعل مسألة التوافق بين المرجعيتين شديدة التعقيد، خصوصًا في الحالات التي يقترب فيها التنظيم من ممارسة السلطة أو إدارة مؤسسات الدولة، حيث تتداخل الأولويات وتتباين آليات اتخاذ القرار.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية