
تبدو الصورة، للوهلة الأولى، كأنّها تكرار لمشهد عرفته الحركات الإسلامية مرارًا؛ خلافات داخلية، واستقالات، وانشقاقات، وشهادات يكتبها أعضاء سابقون يراجعون تجربتهم بعد سنوات من الانتماء. غير أنّ شيئًا مختلفًا يحدث هذه المرة. فالمسألة لم تعد تتعلق بخروج أفراد من تنظيم، بل بخروج جيل كامل من النموذج الذي حكم علاقة الإسلاميين بالدين والعمل العام طوال نصف قرن.
لا يقتصر هذا التحول على جماعة الإخوان، ولا يمكن تفسيره بأزمة سياسية بعينها، أو بنتائج الربيع العربي، أو حتى بما جرى في مصر بعد عام 2013. فالظاهرة أوسع من ذلك. إذ يمكن ملاحظتها، بدرجات متفاوتة، داخل معظم البيئات الإسلامية الحركية؛ حيث يتزايد عدد الشباب الذين يعيدون النظر في فكرة التنظيم نفسها، لا في الأشخاص الذين يديرونه فقط. بعضهم بقي قريبًا من المرجعية الإسلامية، وبعضهم ابتعد عنها، لكنّ المشترك بينهم أنّهم لم يعودوا يرون في التنظيم الطريق الطبيعي إلى التدين أو الإصلاح أو العمل العام.
عندما يكون الانتماء إلى الجماعة نمطًا للحياة
تكمن أهمية هذا التحول في أنّه يمس الوظيفة التي قامت عليها الحركات الإسلامية منذ نشأتها. فقد وُلدت هذه الحركات، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها أكثر من تنظيم سياسي أو دعوي. كانت مشروعًا متكاملًا لتكوين الإنسان؛ تبدأ رحلته من الأسرة التربوية، وتمر بالأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتنتهي إلى بناء هوية جماعية ترى العالم من خلال منظومة واحدة من الأفكار والقيم والرموز. لم يكن التنظيم مجرد وسيلة للعمل، بل كان البيئة التي يعيش داخلها العضو، ويتعلم فيها كيف يفهم الدين والسياسة والمجتمع، بل كيف يفهم نفسه.
منذ مطلع الألفية، ومع انتشار الإنترنت، ظهرت مساحة معرفية لا تخضع لسيطرة التنظيم.
لهذا السبب ظل الانتماء إلى الجماعة، لعقود طويلة، أكثر من قرار تنظيمي. كان نمطًا للحياة. فالعضو لا يكتسب أصدقاءه فقط، بل يكتسب لغته، ومصادر معرفته، وصورته عن المجتمع، وأحيانًا شريك حياته ومساره المهني. لذلك كان الخروج من التنظيم يحمل كلفة اجتماعية ونفسية كبيرة، لأنّ معناه لم يكن فقدان عضوية، بل مغادرة عالم كامل.
لكنّ هذا العالم بدأ يتغير قبل أن تتغير السياسة. فمنذ مطلع الألفية، ومع انتشار الإنترنت ثم المدونات، ظهرت للمرة الأولى مساحة معرفية لا تخضع لسيطرة التنظيم. لم يعد الشاب مضطرًا إلى انتظار اللقاء الأسبوعي أو توصية المسؤول التربوي ليقرأ كتابًا أو يستمع إلى رأي مختلف. ومع اتساع الفضاء الرقمي، بدأت المرجعيات تتعدد، وبدأت السلطة المعرفية التي احتكرتها التنظيمات الإسلامية تتآكل تدريجيًا.
كانت جماعة الإخوان من أوائل التنظيمات التي واجهت هذه التحولات. فقد كشفت شهادات كثير من شبابها، كما أوضحت دراسات تناولت البنية الداخلية للجماعة، أنّ أزمة الهوية والانتماء سبقت بسنوات الصدام السياسي الكبير، وأنّ التوتر بين الأجيال بدأ مع ظهور جيل أراد أن يناقش أكثر ممّا يطيع، وأن يسأل أكثر ممّا يتلقى. ولم يكن من المصادفة أن تصبح المدونات، ثم منصات التواصل الاجتماعي لاحقًا، المساحة التي خرجت منها أولى موجات النقد الداخلي، بعدما ظلت مثل هذه النقاشات حبيسة الاجتماعات المغلقة لسنوات. وربطت دراسة "الأواصر الممزقة" بين هذه التحولات وبين أزمات الهوية والشرعية والعضوية التي أصابت الجيل الثالث من شباب الإخوان، معتبرة أنّ التكنولوجيا لم تغير أدوات التواصل فقط، بل غيرت أيضًا طبيعة العلاقة بين الشباب والتنظيم.
لكنّ اختزال الظاهرة في حالة الإخوان وحدها يقود إلى نتيجة مضللة. فما جرى داخل الجماعة كان جزءًا من تحول اجتماعي أوسع، أصاب المجال الإسلامي كله. فالشاب الذي كان يحتاج قبل ثلاثين عامًا إلى تنظيم كي يصل إلى المعرفة الدينية، أو يمارس العمل العام، أو يشعر بالانتماء إلى مشروع أكبر، لم يعد بحاجة إلى ذلك بالقدر نفسه. لقد تغيرت البيئة التي صنعت الإسلام الحركي، ومع تغيرها بدأ يتغير الإنسان الذي كان يمثل مادته الأساسية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: لماذا يخرج هؤلاء الشباب من التنظيمات؟ بل: ماذا حدث حتى لم تعد التنظيمات هي الإجابة الأولى عن أسئلتهم؟
التنظيم لم يعد يحتكر الهوية
تقوم معظم التنظيمات الإيديولوجية على افتراض بسيط: أنّ الطريق إلى الفكرة يمر عبر التنظيم. لذلك استثمرت الحركات الإسلامية، طوال عقود، في بناء منظومات للتنشئة والتربية، لا تكتفي بتلقين الأفكار، وإنّما تصوغ شخصية العضو وعلاقته بالعالم. كانت الأسرة التربوية، واللقاءات الأسبوعية، والكتب المعتمدة، والرموز المرجعية، تشكل منظومة متكاملة لإنتاج هوية جماعية متماسكة، حتى بدا التنظيم كأنّه يحتكر تعريف التدين الصحيح، والعمل العام، بل أحيانًا معنى الالتزام نفسه.
اختزال الظاهرة في حالة الإخوان وحدها يقود إلى نتيجة مضللة، فما جرى كان جزءًا من تحول اجتماعي أوسع.
غير أنّ هذا الاحتكار بدأ يتآكل مع تغير البيئة المعرفية. فلم يعد الوصول إلى المعرفة يحتاج إلى وسيط، ولم تعد الجماعة هي البوابة الوحيدة إلى الفكر الإسلامي أو العمل الدعوي أو النشاط السياسي. خلال سنوات قليلة انتقل الشباب من عالم محدود المصادر إلى فضاء مفتوح لا يعترف بالحدود التنظيمية. أصبح الهاتف المحمول يحمل مكتبة أكبر من تلك التي كانت تملكها الأسر التنظيمية، وأصبح الشاب يقارن بين عشرات العلماء والمفكرين والتيارات في جلسة واحدة، بعدما كان يكتفي، في الماضي، بما تقترحه عليه جماعته.
لا يتعلق الأمر بوفرة المعلومات فقط، وإنّما بتغير علاقة الفرد بالسلطة. فقد نشأ جيل جديد لا يرى أنّ احترام القيادة يعني التسليم بكل ما تقول، ولا أنّ الانتماء إلى جماعة يفرض إغلاق باب الأسئلة. وهذا التحول أصاب جوهر النموذج الذي قامت عليه الحركات الإسلامية؛ إذ كان نجاحها، منذ سبعينيات القرن الماضي، مرتبطًا بقدرتها على إنتاج مرجعية متماسكة، تقلّ فيها الأصوات المتنافسة، ويحتفظ فيها التنظيم بدور الوسيط بين العضو والمعرفة.
من هنا تبدو أزمة الإسلام الحركي اليوم أعمق من أزمة تنظيمية. فالمشكلة لا تكمن في أنّ بعض الشباب غادروا جماعاتهم، بل في أنّ الجماعات نفسها فقدت قدرتها على احتكار تشكيل الهوية. وحين يفقد أيّ تنظيم هذه الوظيفة، يصبح أكثر عرضة لفقدان أعضائه، حتى لو احتفظ بهيكله الإداري أو بقيت قياداته في مواقعها.
ليست أزمة الإخوان... بل أزمة نموذج
لهذا يصعب تفسير ما جرى داخل جماعة الإخوان من خلال الصدام السياسي بعد عام 2013 وحده. صحيح أنّ هذه المرحلة سرعت من وتيرة التحولات، لكنّها لم تصنعها من العدم. فقد كانت الأزمة تتشكل منذ سنوات، مع ظهور جيل أكثر استقلالًا في علاقته بالمعرفة، وأكثر ميلًا إلى النقد، وأقلّ استعدادًا للقبول بالمرجعيات المغلقة. وقد ظهرت ملامح ذلك داخل الإخوان مبكرًا، حين بدأت المدونات تفتح نقاشًا علنيًا حول قضايا كانت تُعدّ جزءًا من الشؤون الداخلية للجماعة، ثم اتسعت هذه المساحة مع وسائل التواصل الاجتماعي حتى أصبح من الصعب إعادة ضبطها بالآليات التقليدية.
لكنّ جماعة الإخوان ليست الحالة الوحيدة. فالسلفيون، والجماعات الدعوية، وحركات الإسلام السياسي في أكثر من بلد عربي، واجهت الإشكالية نفسها بدرجات متفاوتة. الجميع وجد نفسه أمام جيل لا يرفض الدين، لكنّه يرفض أن يكون التنظيم هو الممر الإجباري إليه. جيل يريد أن يختار شيوخه، وقراءاته، وأولوياته بنفسه، من دون أن يشعر بأنّ هذا الاختيار يمثل خروجًا على الجماعة أو تمردًا على الفكرة.
يصعب تفسير ما جرى داخل جماعة الإخوان من خلال الصدام السياسي بعد عام 2013 وحده.
لهذا يبدو الحديث عن "أزمة الإخوان" وحدها قاصرًا عن تفسير المشهد. فما نشهده هو أزمة نموذج تاريخي تشكل في سياق اجتماعي وثقافي مختلف، ثم وجد نفسه أمام عالم تغيرت فيه مصادر المعرفة، وأنماط الانتماء، وصور السلطة. لقد قامت الحركات الإسلامية على فكرة أنّ التنظيم هو الحاضنة الطبيعية للفكرة، بينما تكشف تحولات العقدين الأخيرين أنّ الفكرة تستطيع، اليوم، أن تتحرك خارج التنظيم، وأن تجد لنفسها مسارات جديدة لا تمر بالضرورة عبر الهياكل الهرمية التي عرفها القرن العشرون.
لهذا، فإنّ السؤال الأكثر أهمية لم يعد: لماذا يغادر بعض الشباب التنظيمات الإسلامية؟ بل: هل ما زال التنظيم، بصورته التقليدية، قادرًا على أداء الوظيفة التي نشأ من أجلها؟ ربما تختلف الإجابات من جماعة إلى أخرى، لكنّ المؤكد أنّ العلاقة بين التدين والتنظيم لم تعد بالبداهة التي كانت عليها قبل جيل واحد. فالحركات الإسلامية لم تخسر أبناءها لأنّهم فقدوا اهتمامهم بالدين، بل لأنّ البيئة التي منحت التنظيم احتكاره للهوية لم تعد موجودة. وفي هذه النقطة تحديدًا يبدأ التحول الحقيقي الذي يواجه الإسلام الحركي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.









![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=QMttpOfs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5ef6434f-60b5-4d8e-9e50-0c7205d9ae75.png.webp?itok=hjYIPSiB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/2d527aec-b2f5-4225-9259-bd9488ac3272.png.webp?itok=Xegu8X6Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f9cff6a2-2049-4205-9923-d468d751c5de.png.webp?itok=CFcv08yD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%88%D9%8A_0_1_0.jpg.webp?itok=xC3mf9Aj)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)