
تحتل الحرب السودانية موقعاً متقدماً في حسابات القوى الإقليمية والدولية، ليس فقط بسبب تداعياتها الأمنية والإنسانية، بل أيضاً لما تمثله من فرصة لإعادة تشكيل موازين النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، برزت إيران كأحد الأطراف الساعية إلى توسيع حضورها في السودان، مستفيدة من حاجة الجيش السوداني إلى الدعم العسكري والسياسي في ظل استمرار الصراع مع قوات الدعم السريع.
ويكتسب هذا التقارب أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان، الذي يمتلك واحداً من أطول السواحل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ومع عودة العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران بعد سنوات من القطيعة، تتزايد التساؤلات حول الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إيران إلى تحقيقها من خلال السودان، وحول انعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية ومستقبل الأمن البحري في المنطقة.
كانت لافتة زيارة وزير الخارجية السوداني، علي يوسف، طهران في شباط/فبراير الماضي، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وعدداً من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي. وخلال الزيارة أعلنت إيران دعمها للحكومة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع، واتفق الطرفان على تعزيز التعاون في مجالات إعادة الإعمار ونقل التكنولوجيا وتشجيع الشركات الإيرانية على المشاركة في مشاريع مستقبلية داخل السودان.
البحر الأحمر في صلب الحسابات الإيرانية
لا يقتصر الهدف الإيراني على تقديم الدعم العسكري للجيش السوداني، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إقامة وجود بحري مباشر يمنح طهران قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة العالمية. فامتلاك موطئ قدم في البحر الأحمر سيعزز قدرة طهران على الضغط على خصومها الإقليميين والدوليين، عبر الاقتراب من أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، إلى جانب مضيق هرمز الذي تتحكم فيه من خلال موقعها الجغرافي. من ثم، يمثل السودان خياراً مهمّاً بالنسبة إلى طهران، لأنّ ساحله الطويل على البحر الأحمر يمنحها منفذاً مباشراً نحو المنطقة، في وقت لا توجد فيه على الأراضي السودانية قواعد بحرية أجنبية كبرى باستثناء وجود روسي محدود.
كما أنّ الموقع السوداني يتيح لإيران الاقتراب من مناطق استراتيجية، من بينها الساحل الغربي للسعودية ومدينة جدة. في حين يمتد الاهتمام الإيراني بالسودان إلى سنوات طويلة، إذ عملت طهران على تعزيز حضورها الثقافي والديني في البلاد، خصوصاً خلال فترة حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير. ففي العقد الأول من القرن الحالي أنشأت إيران مراكز ثقافية ومساجد شيعية في السودان ضمن جهود لنشر المذهب الشيعي، لكنّ هذه الأنشطة أثارت ردود فعل واسعة في بلد ذي أغلبية سنّية، وانتهت عام 2014 بإغلاق تلك المراكز وطرد الملحق الثقافي الإيراني.
الدعم العسكري والضغوط الإقليمية
من جهته، يرى المحلل السياسي السوداني محمد المختار أنّ إيران تعرف أنّ العلاقة مع الخرطوم لم تكن مستقرة دائماً؛ فقد كانت "طهران حليفاً لنظام البشير، وساندته في مراحل مختلفة، لكنّ العلاقات تراجعت لاحقاً، خاصة بعد طرد السفير الإيراني من السودان عام 2016 عقب أزمة الهجوم على السفارة السعودية في طهران، لكنّ اندلاع الحرب الحالية أعاد فتح الباب أمام التقارب بين الجانبين. فمع تراجع وضع الجيش السوداني في بدايات الحرب، اتجه إلى البحث عن دعم خارجي، ووجد في إيران وروسيا شريكين مستعدين لتقديم مساعدات عسكرية تشمل الأسلحة والطائرات المسيّرة".
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023 استأنفت إيران والسودان العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة استمرت 8 سنوات، حيث استفادت إيران من حاجة الجيش السوداني إلى أسلحة متطورة، وقدمت له دعماً عسكرياً شمل طائرات مسيّرة من طراز "مهاجرـ 6"، وهي الطائرات نفسها التي استخدمتها روسيا في حرب أوكرانيا بعد حصولها عليها من طهران. كما أنّ إيران طرحت فكرة إقامة قاعدة بحرية لها على الساحل السوداني، لكنّها واجهت رفضاً من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وبدلاً من ذلك، عرضت طهران دعماً عسكرياً مباشراً مقابل السماح لها بإقامة وجود بحري في بورتسودان، إلا أنّ هذه الخطوة لم تصل إلى اتفاق نهائي.
وفي المقابل، تسعى روسيا أيضاً إلى توسيع وجودها في البحر الأحمر، عبر اتفاقات مع السودان تشمل إنشاء منشأة لوجستية وقاعدة قادرة على استقبال مئات الجنود الروس، حسبما ألمح المحلل السياسي السوداني محمد المختار، وقال لـ (حفريات): إنّ إيران تدرك أهمية البحر الأحمر بعدما أثبتت جماعة الحوثي في اليمن، الحليف الأقرب لطهران، قدرتها على التأثير في حركة الملاحة الدولية من خلال الهجمات على السفن التجارية، وقد دفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى زيادة مدة الرحلات البحرية وتكاليفها.
ويردف المختار في تصريحاته لـ (حفريات): "مع احتمال توسع النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، تتابع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات التطورات في السودان عن كثب. وفي حال تمكنت إيران من تثبيت وجود عسكري دائم على الساحل السوداني، فإنّ إخراجها من المنطقة قد يصبح أكثر صعوبة، خصوصاً إذا استمرت حاجات الجيش السوداني إلى الدعم الإيراني والروسي. ورغم أنّ البرهان يبدو حذراً تجاه تنامي النفوذ الإيراني، إلا أنّ ضغوط الإخوان تغير المعادلة والخيارات والاتجاهات. كما أنّ استمرار الحرب قد يمنح طهران الفرصة التي تبحث عنها منذ سنوات متمثلة في موطئ قدم استراتيجي على ساحل البحر الأحمر".
ويعكس التقارب المتجدد بين السودان وإيران تشابك المصالح السياسية والعسكرية في ظل الحرب المستمرة داخل السودان، حيث تسعى الخرطوم إلى تنويع مصادر الدعم الخارجي لمواجهة التحديات الميدانية، بينما ترى طهران في السودان فرصة لإعادة بناء نفوذها في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة. ويأتي هذا التقارب في سياق إقليمي يشهد تنافساً متصاعداً بين قوى دولية وإقليمية على النفوذ في البحر الأحمر وممراته البحرية الحيوية.
وفي الوقت الذي ما تزال فيه ملامح هذا التعاون قيد التشكل، فإنّ مستقبل العلاقات بين الجانبين سيظل مرتبطاً بمسار الحرب السودانية وتوازنات القوى الإقليمية المحيطة بها. كما أنّ أيّ توسع محتمل للحضور الإيراني في السودان سيبقى محل متابعة من الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بأمن البحر الأحمر، نظراً لما يحمله من انعكاسات محتملة على معادلات الأمن والملاحة والتنافس الجيوسياسي في المنطقة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)