الإسلام السياسي السوري: تحولات الفكر والممارسة

الإسلام السياسي السوري: تحولات الفكر والممارسة

الإسلام السياسي السوري: تحولات الفكر والممارسة


22/06/2026

تسعى دراسة "الإسلام السياسي السوري: قراءة في تحوُّلات الفكر والممارسة" للباحث مناف الحمد، إلى تقديم قراءة واسعة لمسار الحركات الإسلامية في سوريا، منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين حتى صعود التيارات السلفية الجهادية وما بعد الإسلاموية السورية، من خلال تتبع تطورها التاريخي والفكري، وتحليل خطابها السياسي والاجتماعي، وقياس مدى قدرتها على التفاعل مع مفاهيم الدولة الحديثة، ولا سيّما الديمقراطية والعلمانية والمواطنة والحريات العامة، مع محاولة استشراف مستقبل خطاب الإسلام السياسي السوري في ضوء التحوُّلات التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.  

الإخوان المسلمون في سوريا: النشأة والتحولات  

يستهلّ الحمد القسم الأول من بحثه، الصادر عن مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، بتناول جماعة الإخوان المسلمين بوصفها الفاعل الأبرز في الإسلام السياسي السوري في القرن العشرين، ويعتمد في مقاربته على أدوات من علم النفس الاجتماعي ونظريات الحركات الاجتماعية، محاولًا تفسير نشأة الجماعة ضمن بيئتها الاجتماعية لا باعتبارها مجرد امتداد لأفكار دينية أو انعكاسًا لنصوص عقائدية.   

ويذهب الباحث إلى أنّ "إخوان سوريا" نشؤوا في سياق اجتماعي ارتبط إلى حد كبير بطبقة "صغار الكسبة" والشرائح المدنية الوسطى التي شهدت تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة من العهد العثماني وفترة الاستقلال، ومن هنا تبدو الجماعة، وفق الباحث، استجابة اجتماعية وسياسية لواقع متغيّر أكثر منها تجسيدًا لمشروع ديني ثابت ومعزول عن التاريخ.   

ويحلّل الحمد ما يسمّيه "التديُّن المؤسَّساتي السياسي"؛ حيث يتحول الدين من تجربة فردية إلى إطار تنظيمي يحمل مشروعًا سياسيًّا ويسعى إلى التأثير في المجال العام ومؤسسات الدولة. 

وفي هذا السياق يميز الباحث بين "التديُّن الشخصي" و"التديُّن المؤسساتي"، معتبرًا أنّ الإسلام السياسي يمثل نمطًا خاصًّا من التديُّن يسعى إلى تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع اجتماعي وسياسي.    

ويبين البحث أنّ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا على يد مصطفى السباعي "لم يأتِ من عدم"، وإنّما كان "تتويجًا وامتدادًا" لـ "جمعيات إسلامية" سابقة انتشرت في المدن السورية قبل عقود من التأسيس الرسمي. 

أمّا الحاضنة الاجتماعية الأساسية للإخوان، فقد تشكلت بنيويًّا، كما ذكر آنفًا، من "طبقة صغار الكسبة" وهي فئة اقتصادية تتوسط الطبقة الوسطى العليا والوسطى الدنيا، وتشمل الحرفيين وصغار التجار والموظفين ذوي الدخول المستقرة، ولكن بلا نفوذ اقتصادي كبير مقارنة بالإقطاع أو البرجوازية التقليدية، وهذا الانتماء الطبقي يفسر، بحسب الباحث، ظاهرتين في فكر الجماعة الأولى: "التداخل والافتراق"؛ حيث تداخلت الجماعة مع "التديُّن الشعبي" الملتزم في شريحتها الطبقية، لكنّها افترقت عنه سياسيًّا عبر التأكيد على نظام سياسي إسلامي خاص ومميز، ومحاولة اختراق مؤسسات الدولة للوصول إلى السلطة. 

أمّا الظاهرة الثانية، فهي "الاشتراكية الإسلامية"؛ إذ إنّ انخراط فئات عمالية وصغار الكسبة في صفوف الإخوان جعل فكرهم يتأثر بالضغط المجتمعي التقليدي الباحث عن العدالة الاجتماعية، ممّا يفسر مسارعة مصطفى السباعي لتأليف كتابه الشهير "اشتراكية الإسلام" لتقديم بديل شرعي يزاحم الأفكار الاشتراكية والشيوعية الصاعدة آنذاك. 

ويوضح الباحث أنّ تفكيك الخطاب المبكر للسباعي يكشف عن "نوسان" واضح بين أدبيات السياسة الشرعية التقليدية والمفاهيم السياسية الحديثة المفروضة بفعل سياق الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال؛ فقد سعى السباعي لحظة التأسيس الفكري للإخوان المسلمين في سوريا إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية ومقتضيات الدولة الوطنية الحديثة، وأبدى انفتاحًا نسبيًّا تجاه المشاركة السياسية والمؤسسات البرلمانية، فضلًا عن إظهاره قبولًا بمبدأ المواطنة من خلال إشراك غير المسلمين في بعض المبادرات السياسية. 

وتبين الدراسة أنّه رغم هذا "الانفتاح المحدود"، عانى فكر المؤسِّس من قصور بنيوي؛ إذ افترض "التطابق التام بين الأمة الدينية (المسلمين) والأمة السياسية (المواطنين)"، وهي فرضية تحمل، في جوهرها، وفق الباحث الحمد، بذرة طائفية بالقوة؛ لأنّها تفرض هوية الأغلبية الدينية على الواقع السياسي التعدُّدي، وقد تبدَّى هذا القصور بوضوح في كتاب السباعي "هكذا علمتني الحياة"؛ حيث أكد أنّ الحاكم المؤمن فقط هو الصالح للحكم، واعتبر أنّ رفض العلمانية نابع من كونها تمثل خطرًا يلغي هوية الأمة وتاريخها. 

وترى الدراسة أنّ الخطاب الإخواني شهد تحولات ملحوظة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تجلّت بصورة خاصة في كتابات سعيد حوّى؛ بسبب تصاعد الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام السوري في تلك الحقبة. 

وتشير الدراسة إلى أنّ الصدام العنيف مع السلطة دفعت الخطاب نحو مزيد من الإيديولوجية والحدّية، فبرزت ثنائيات: "الحق والباطل" و"الإيمان والكفر" بصورة أوضح من المرحلة السابقة، وأدى ذلك إلى تراجع النزعة التوافقية التي طبعت مرحلة السباعي، وإلى تضييق مساحة الحوار مع القوى السياسية الأخرى. 

ويرى الباحث أنّ خطاب حوّى عجز عن فهم التحولات البنيوية وتوازنات القوى الاجتماعية والسياسية فهمًا موضوعيًّا، واعتماده على تصورات إيديولوجية مسبقة أغفلت تعقيدات البنية الطائفية والإثنية للمجتمع السوري. 

وقد أفضى ذلك، بحسب الدراسة، إلى انغلاق فكري وتنظيمي متزايد، تمثل في تضييق مساحات الحوار مع القوى السياسية الأخرى وترسيخ نزعة العزلة العقائدية داخل الجماعة، وهو ما أسهم في إنتاج قطيعة سياسية واجتماعية امتدت آثارها لعقود طويلة.  

الإخوان والثورة السورية 

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وجد الإخوان المسلمون أنفسهم أمام فرصة لإعادة تقديم خطابهم السياسي في صورة أكثر توافقًا مع مطالب التغيير الديمقراطي؛ حيث حاولت الجماعة ممارسة "استراتيجية تكيفية" للعودة إلى المشهد السوري وإعادة تقديم خطابها. 

وبرز ذلك مبكرًا في مؤتمر المعارضة ببروكسل؛ حيث أكد قادة الجماعة ضرورة بناء نظام مدني تشاركي، وشددوا على حماية الطابع الوطني للثورة ورفض الطائفية. 

توّجت الجماعة هذا المسار بإصدار وثيقة "عهد وميثاق" في آذار (مارس) 2012، التي دافعت عن مبدأ المواطنة والمساواة والتداول الديمقراطي للسلطة وصيانة الحريات العامة بصرف النظر عن الخلفيّات؛ الدينية أو العرقية. 

ورغم هذا الانفتاح، ترى الدراسة أنّ خطاب الجماعة ظل يعاني من توترات داخلية وتناقضات جوهرية؛ إذ أعادت لاحقًا نشر وثيقة "سوريا التي نريدها"، التي أعادت تأكيد الهوية العربية الإسلامية ومرجعية الشريعة، وهو ما اعتبره الباحث تراجعًا ومحاولة لإفراغ المفاهيم المدنية من جوهرها عبر وضع قيود فقهية مستترة تعيد إنتاج الهيمنة الإيديولوجية التقليدية، ورفض فصل الدين عن السياسة. 

ويكشف التحليل المُعمَّق لخطاب الإخوان في هذه المرحلة، وفق الدراسة، عن غموض بنيوي وتعمّد لإغفال تساؤلات حرجة مثل؛ الموقف القانوني والدستوري في حال وصول مواطن غير مسلم إلى الرئاسة عبر تداول ديمقراطي حر. 

هذا التذبذب يُظهر "البُعد المعرفي" في تديُّن الجماعة المؤسَّساتي السياسي متقلبًا وغير ثابت؛ حيث يتأرجح بين القبول اللفظي بالديمقراطية والتمسك بالمرجعية العليا للتشريع. 

وفي سياق متصل، يناقش الباحث "ميثاق الشرف الثوري" الذي وقّعت عليه فصائل قريبة من الإخوان والسلفيين عام 2014، معتبرًا إيّاه محاولة لتأسيس أرضية مشتركة بين قوى إسلامية مختلفة. 

ورغم أنّ الميثاق استخدم لغة سياسية أقلّ إيديولوجية؛ كاستخدام مصطلحات "المقاتلين" و"العمل العسكري" بدلًا من "الجهاد" و"المجاهدين"، وأكد على حقوق الإنسان، ووحدة الأراضي السورية، وتصنيف تنظيم "داعش" كعدو للشعب؛ إلا أنّه أخفق في تبديد الغموض المستمر بشأن طبيعة الدولة المنشودة، وحدود العلاقة بين المرجعية الإسلامية والدولة المدنية.   

صعود "السلفية الجهادية"

أمّا القسم الثاني من الدراسة، فقد خصّصه الباحث لتحليل "السلفية الجهادية" بوصفها أحد أبرز التحولات التي شهدها المشهد الإسلامي السوري بعد الثورة، محاولًا تفسير ظهورها وتوسعها.  

ويبدأ الباحث بتفكيك مفهوم السلفية نفسه، موضحًا أنّ السلفية ليست كتلة واحدة؛ بل سلسلة من التجارب والتحولات التاريخية التي اتخذت أشكالًا متعددة، ومن هذا المنطلق يرفض التعامل معها على أنّها ظاهرة ثابتة أو متجانسة.   

وتتناول الدراسة نشأة "الطليعة المقاتلة" بوصفها التعبير المبكر عن الاتجاه الجهادي داخل البيئة السورية، ثم تتبع التحولات التي أعقبت الثورة السورية؛ حيث برزت تنظيمات مثل؛ "أحرار الشام" و"لواء التوحيد" و"جبهة النصرة" و"جيش الإسلام".  

ويشير الباحث إلى أنّه لا يمكن تفسير صعود التيارات الجهادية من خلال العامل الديني وحده؛ وإنّما يرتبط هذا الصعود بجملة من العوامل؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن أبرز هذه العوامل؛ التهميش الذي تعرضت له مناطق واسعة من سوريا واتساع الفقر والبطالة، لا سيّما في الأرياف والمناطق الطرفية؛ حيث شكّلت هذه الظروف بيئة مناسبة لاستقطاب الشباب نحو الحركات الراديكالية.  

أبرز الفصائل الإسلامية المسلحة

يفرد الباحث في القسم الثاني فصولًا مستقلة لتحليل أبرز الفصائل الإسلامية المسلحة التي ظهرت خلال الثورة السورية؛ حيث تقدم الدراسة حركة "أحرار الشام" بوصفها النموذج الأكثر تعقيدًا داخل السلفية الجهادية السورية. 

ويشير الباحث إلى أنّ الحركة نشأت على أيدي شخصيات تأثرت بأدبيات السلفية الجهادية، لكنّها حاولت لاحقًا تطوير خطاب أكثر مرونة من التنظيمات الجهادية التقليدية.  

وترى الدراسة أنّ داخل الحركة تيارين رئيسيين؛ هما: تيار سلفي جهادي محافظ، وآخر براغماتي أكثر انفتاحًا على العمل السياسي.  

أمّا موقف الحركة من الديمقراطية فكان، وفق الباحث، مزدوجًا؛ إذ رفضت الديمقراطية باعتبارها فلسفة بديلة عن حكم الشرع، لكنّها قبلت بعض آلياتها الإجرائية مثل؛ الرقابة على السلطة والتداول والشورى والمحاسبة، ورفضت العلمانية بصورة صريحة وعدّتها مناقضة للإسلام.  

وينوّه الباحث بأنّ الحركة واجهت تحديين بارزين: فك الارتباط الفكري والتنظيمي مع القاعدة مع الاحتفاظ بالهوية السلفية، وتحديد الموقف من قتال تنظيم "داعش".  

ويتوقف الباحث عند تجربة "لواء التوحيد" الذي نشأ في بيئة محافظة في حلب، وأصبح أحد أبرز الفصائل العسكرية المعارضة؛ حيث توضح الدراسة أنّ اللواء شارك في تشكيل "الجبهة الإسلامية" التي دعت إلى إقامة دولة إسلامية تكون السيادة فيها للشريعة الإسلامية وحدها. 

ورفض اللواء بصورة صريحة مفاهيم العلمانية والديمقراطية والدولة المدنية، وعدّها غير منسجمة مع تصوره الإسلامي للدولة. ورغم ذلك، لم يطور اللواء إطارًا فكريًّا مفصلًا يشرح كيفية إدارة الدولة أو تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.  

أمّا "جبهة النصرة" فتمثل، وفق الدراسة، النموذج الأكثر راديكالية داخل التيار الجهادي السوري؛ فخطابها يستند إلى مرجعيات سلفية جهادية تقليدية ترفض الديمقراطية، وتنظر إليها بوصفها نظامًا فاسدًا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وترفض مبدأ سيادة الشعب باعتباره مصدرًا للتشريع، وتتبنّى رؤية تتجاوز حدود الدولة الوطنية نحو مشروع إسلامي عابر للحدود.

وتلفت الدراسة إلى أنّ "الخطاب النصروي" يتبنّى مواقف إقصائية تجاه الأحزاب؛ القومية والعلمانية والشيوعية، ويقوم على رؤية صراعية أكثر منها تشاركية.  

وتخصص الدراسة حيزًا لـ "جيش الإسلام" بوصفه أحد أكبر الفصائل المسلحة التي نشأت في الغوطة الشرقية، ورغم الحضور العسكري والسياسي الكبير للتنظيم، يلاحظ الباحث وجود فقر واضح في الأدبيات الفكرية الخاصة به؛ فقد اقتصر خطابه، غالبًا، على الدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية ورفض العلمانية والديمقراطية دون تقديم تصور متكامل لشكل الدولة أو مؤسساتها أو آليات الحكم فيها.  

ويظهر في بعض مواقف قيادات "جيش الإسلام" تحفّظ على تولّي المرأة بعض المناصب العليا، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية.  

ويخلص الباحث إلى أنّ الاختلافات بين هذه التنظيمات لا تلغي وجود أرضية فكرية مشتركة، كما أنّ التحولات التي شهدتها كانت، غالبًا، استجابات للظروف السياسية والعسكرية أكثر من كونها مراجعات فكرية عميقة.    

ما بعد الإسلاموية السورية 

أمّا القسم الثالث من الدراسة، فجاء بعنوان "ما بعد الإسلاموية بين التكيفية والأصولية"، ويتناول محاولات بعض التيارات الإسلامية الجديدة تجاوز إشكالات الإسلام السياسي التقليدي عبر الانخراط في العمل الحزبي والمدني. 

ويرى الباحث أنّ هذه التيارات جاءت نتيجة إدراك متزايد لفشل الصيغ التقليدية للإسلاموية، سواء في نسختها الإصلاحية التي يمثلها الإخوان المسلمون أو في نسختها الجهادية.   

ومن الأمثلة التي تناقشها الدراسة "حزب وعد" وبعض الشخصيات الإخوانية التي تبنّت خطابًا أكثر انفتاحًا على المشاركة السياسية والمواطنة؛ حيث سمح الحزب بانضمام غير المسلمين إلى صفوفه، وتولى أحد المسيحيين رئاسته في إحدى المراحل، لكنّ الدراسة لا تبالغ في تقدير حجم هذا التحوّل؛ إذ تؤكد أنّ كثيرًا من هذه المحاولات ظل يتأرجح بين الانفتاح على المفاهيم الحديثة والتمسك بالأطر الفكرية القديمة، وهو ما جعلها أقرب إلى التكيفية منها إلى القطيعة الحقيقية مع التراث الإسلاموي.     

أزمة مفهوم الدولة    

لعل الفكرة المركزية التي تتكرر في مختلف فصول الدراسة هي غياب تصور واضح للدولة الحديثة لدى معظم تيارات الإسلام السياسي السوري، فبحسب الباحث، جرى التعامل مع الدولة باعتبارها معطى قائمًا أو إطارًا جاهزًا، من دون إنتاج نظرية متماسكة حول طبيعتها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع والمواطنة والقانون. 

ومن هنا نشأت محاولات الجمع بين مفاهيم حديثة مستمدة من التجربة السياسية المعاصرة وبين منظومات فقهية تعود إلى سياقات تاريخية مختلفة، الأمر الذي أنتج كثيرًا من التناقضات والالتباسات في الخطاب الإسلامي السوري.    

ويشكل تحليل المواقف من الديمقراطية والعلمانية والدستور والحريات وحقوق المرأة محورًا أساسيًا في الدراسة؛ ففي ما يتعلق بالديمقراطية، يلاحظ الباحث أنّ معظم التيارات الإسلامية أبدت قدرًا من القبول بالديمقراطية، لكنّها غالبًا ما أعادت تفسيرها باعتبارها امتدادًا لمفهوم الشورى الإسلامي أو تربطها بقيود مستمدة من المرجعية الدينية، ولهذا بقي قبولها للديمقراطية قبولًا إجرائيًّا أكثر منه قبولًا فلسفيًّا كاملًا.  

أمّا العلمانية، فتظل القضية الأكثر إشكالية في خطاب الحركات الإسلامية؛ إذ قوبلت في معظمها برفض واسع انطلاقًا من النظر إليها بوصفها مشروعًا لفصل الدين عن المجال العام، بل مرادفًا للإقصاء الديني أو العداء للدين لدى قطاع من الإسلاميين. 

ويرى الباحث أنّ النقاش حول العلمانية يفتقر، غالبًا، إلى فهم معمق لتجارب العلمانية المختلفة وتنوع نماذجها، في الوقت الذي لم تنجح فيه هذه الحركات في تقديم تصور بديل متماسك يضمن حياد الدولة السياسي ويحافظ في الوقت نفسه على المرجعية الدينية للمجتمع.      

وفي ما يتعلق بالحريات العامة وحرية الاعتقاد وحقوق الأقليات والمرأة، تكشف الدراسة استمرار التردد والتناقض في كثير من المواقف؛ حيث تتبنّى الحركات الإسلامية خطابًا عامًّا مؤيدًا للمواطنة والمساواة، لكنّها تضع قيودًا مستمدة من المرجعية الفقهية التقليدية عند الانتقال إلى التفاصيل الدستورية والتشريعية.  

وتخلص الدراسة إلى أنّ الحركات الإسلامية السورية، على اختلاف اتجاهاتها، ما تزال تفتقر إلى نظرية متكاملة للدولة الحديثة ذات الأساس الدستوري والقانوني؛ فبحسب الباحث، تكتفي هذه الحركات باستعارة مفاهيم حديثة مثل؛ الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان، ثم تفصلها عن سياقاتها الفكرية والتاريخية وتحاول دمجها بصورة انتقائية ضمن المنظومة الفقهية التقليدية، وهو ما يفضي إلى خطاب ملتبس ومزدوج تبرز فيه تناقضات واضحة بين الشعارات العامة والتطبيقات السياسية المقترحة. 

وفي ختام الدراسة يطرح الباحث مناف الحمد رؤية استشرافية للخروج من مأزق الإسلام السياسي السوري، تقوم على إعادة بناء العلاقة بين الدين والدولة بما يسمح بتأسيس دولة وطنية جامعة تستند إلى المواطنة المتساوية وسيادة القانون. 

وفي هذا السياق، يدعو إلى تبنّي صيغة من "العلمانية الإجرائية" التي تحيّد مؤسسات الدولة وتضمن مساواتها بين جميع المواطنين والمكونات الاجتماعية، من دون أن تعادي الدين أو تستبعده من المجال الثقافي والأخلاقي للمجتمع. 

ويقترح الباحث تطوير نموذج ديمقراطي يستلهم المقاصد العليا للشريعة مثل؛ الحرية والعدالة وصون الكرامة الإنسانية، بدلًا من الارتهان للجدالات الفقهية التقليدية والقراءات التراثية الصدامية، ويرى أنّ هذا المسار قد يفتح المجال أمام بناء عقد وطني جديد يحقق تطلعات السوريين في الحرية والكرامة والاستقرار، ويسهم في تجاوز الانقسامات الإيديولوجية التي أعاقت تطور الحياة السياسية في سوريا لعقود طويلة.   




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية