"طارق التاجوري" لـ (حفريات): تيارات الإسلام السياسي تراجعت شعبياً... وتوحيد المؤسسة العسكرية مدخل لإنهاء الأزمة الليبية

"طارق التاجوري" لـ (حفريات): تيارات الإسلام السياسي تراجعت شعبياً... وتوحيد المؤسسة العسكرية مدخل لإنهاء الأزمة الليبية

"طارق التاجوري" لـ (حفريات): تيارات الإسلام السياسي تراجعت شعبياً... وتوحيد المؤسسة العسكرية مدخل لإنهاء الأزمة الليبية


10/06/2026

حوار/ رامي شفيق

بينما تتصاعد درجات التوتر في الشرق الأوسط، تمضي الأزمة الليبية نحو مزيد من التجاذبات بين المقاربات الدولية والتفاعلات المحلية وسط صراع متواصل بين الفاعلين في الداخل. وفي ظل هذا المشهد تبدو عقدة الأزمة متمركزة حول مجموعة من الخطوات المحددة والمعروفة، التي يفترض أن تفضي في نهاية المطاف إلى إنجاز الاستحقاق الانتخابي، سواء من خلال الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية والتشريعية.

وفي هذا السياق التقت (حفريات) بالمتحدث الرسمي باسم التجمع الوطني للأحزاب، "طارق التاجوري"، للحديث عن آفاق المشهد الليبي، وكيفية فض الاشتباك بين مسارات الحل المختلفة، وفرز الالتزامات بين الفاعلين السياسيين بما يخدم مستقبل ليبيا.

قال التاجوري، في حواره مع (حفريات): إنّ توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا يمثل ركيزة أساسية للحل، والخطوة الرئيسة نحو تحقيق قدر معتبر من الاستقرار في المشهد السياسي الليبي.

ولفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي في ليبيا فقدت إلى حد كبير زخمها الشعبي، ولم يعد المواطن الليبي يمنحها الثقة التي كانت تحظى بها في السابق.

وشدد التاجوري على أنّ تراجع تيارات الإسلام السياسي في دول الجوار انعكس بصورة مباشرة على حضورها وتأثيرها داخل ليبيا.

 نص الحوار:

 بعد سنوات من الانسداد السياسي وتعثر المسارات المختلفة، هل ترون أنّ ليبيا باتت أقرب اليوم إلى تسوية سياسية شاملة، أم أنّ أسباب الأزمة ما زالت قائمة وإن تغيرت أشكالها؟

ـ سأكون واقعياً ومتفائلاً في الوقت ذاته؛ إذ إنّ الأزمات في عالم السياسة تبدأ كبيرة ثم تتضاءل تبعاً للظروف التي تحيط بها، ولنا في التاريخ الكثير من العبر، وليبيا وأزمتها ليست استثناءً. ونرى، من خلال المؤثرات الإقليمية والدولية، أنّ ثمة فرصة ينبغي التمسك بها لإخراج ليبيا من هذا النفق الأسود، والعبور بالأزمة نحو الانفراج. وسيبدأ ذلك من توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وتأسيساً على ذلك يمكننا الحديث عن خطوات قادمة، كتوحيد الأجهزة التنفيذية وتسمية شاغلي المناصب السيادية.

فيما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي، هل تعتقدون أنّ الأولوية يجب أن تكون لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، أم أنّ هناك حاجة إلى مقاربة تدريجية تبدأ بأحد الاستحقاقين دون الآخر؟

ـ لن أبرح التفاؤل في هذا السؤال أيضاً، وسأقول لكم إنني آمل أن تشهد ليبيا تزامناً في الاستحقاقين، بحيث يتفاعل الشارع الليبي مع كليهما بالقدر نفسه من الزخم المطلوب.

لكنّ الواقعية ومعطيات المشهد الحالي تكشفان عن صعوبة تنفيذ الاستحقاقين في الوقت ذاته؛ لذلك أرجح أن يكون الاستحقاق الرئاسي أوّلاً، كي يتمكن من دفع بقية الاستحقاقات نحو التنفيذ. وربما تضع بعض التجارب الإقليمية في المنطقة، خاصة لدى الأشقاء في تونس، نموذجاً إيجابياً نحو تنفيذ الاستحقاق الرئاسي أوّلاً، ثم استكمال بقية الاستحقاقات، ولا سيّما النيابية والتشريعية.

هناك من يرى أنّ الأزمة الليبية لا يمكن حلها قبل تجديد الشرعيات القائمة، بينما يرى آخرون أنّ تغيير مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يجب أن يسبق أيّ انتخابات رئاسية. كيف تنظرون إلى هذه المفاضلة؟ وأيّ المسارين أكثر واقعية في الظرف الحالي؟

ـ نعم، يصعب تجاوز منطق هذا الطرح ومحدداته؛ فهذه الأجسام منتهية الصلاحية، وهي في تقديري أيضاً أساس المشكلة وليست جزءاً من الحل.

ولكن علينا الانتباه إلى خصوصية بعض الأوضاع الاستثنائية، مثل وجود جسم كمجلس النواب في شرق ليبيا؛ إذ إنّ استمرار وجوده، رغم عثراته، يمنع الدولة من الدخول في فراغ سياسي حاد قد يطيح بها في ظل هذا الانقسام.

غير أنّ تفعيل المسار الانتخابي يضع البلاد في مشهد أكثر أمناً، أو أن تُنقل السلطة إلى المجلس الأعلى للقضاء، أو إلى جيش موحد، كما يحدث في بعض النظم المماثلة، خاصة ما جرى في دول الجوار.

وعلى أيّ حال، ليست ليبيا حالة خاصة في التاريخ أو في النظم السياسية الانتقالية. كل ما هناك أننا في ليبيا نحتاج إلى لحظة صدق مع هذا الوطن، ووفاء لترابه وطموحات شعبه وآماله حتى نستطيع الوصول إلى استقرار نظام سياسي يجمع البلاد والجميع على كلمة سواء.

شهدت الفترة الأخيرة حديثاً عن مبادرات وتحركات دولية متعددة، من بينها المقاربة المنسوبة إلى السيد مسعد بولس، بالتوازي مع جهود بعثة الأمم المتحدة. هل ترون أنّ هناك تنافساً أو تضارباً بين هذين المسارين، أم أنّهما يمكن أن يشكلا مسارين متكاملين نحو الحل؟

ـ يقول المثل العربي: "ما حكّ جلدك مثل ظفرك"، ومن هذا المنطلق نرى أنّ الحل الحقيقي للأزمة الليبية يجب أن ينبع أوّلاً من إرادة الليبيين أنفسهم، أمّا المبادرات الدولية، سواء كانت مرتبطة بالسيد مسعد بولس أو ببعثة الأمم المتحدة، فيمكن النظر إليها كعوامل مساعدة، لكنّها لا تستطيع أن تحل محل التوافق الوطني الليبي.

وفيما يتعلق ببعثة الأمم المتحدة، فإنّ لدينا تحفظات على أدائها خلال السنوات الماضية. فمنذ اندلاع الأزمة الليبية تعاقب عدد كبير من المبعوثين الأمميين، ومع ذلك لم يتحقق تقدم ملموس ينهي حالة الانقسام ويقود إلى تسوية نهائية ومستدامة. بل إنّ كثيراً من الليبيين يرون أنّ الجهود الأممية لم تنجح حتى الآن في تجاوز حالة الجمود السياسي.

وتبرز تساؤلات مشروعة حول استمرار تدفق السلاح والدعم إلى أطراف الصراع، رغم وجود قرارات دولية واضحة تتعلق بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا. ويتساءل كثيرون عن مدى فاعلية آليات الرقابة الدولية في متابعة هذه الانتهاكات والحد منها، وعن أسباب استمرارها طوال هذه السنوات.

ومن هذا المنطلق، فإننا لا ننظر إلى المسارات الدولية باعتبارها متنافسة بقدر ما نرى أن نجاح أيّ مبادرة، أيّاً كان مصدرها، يبقى مرهوناً بقدرتها على دعم حوار ليبي حقيقي يقود إلى توافق وطني شامل. فالحل المستدام لن يتحقق إلا عندما تتوفر الإرادة السياسية لدى الأطراف الليبية لوضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.

إلى أيّ مدى يمكن أن يسهم مشروع توحيد المؤسسات التنفيذية وإنهاء ازدواجية السلطة في تهيئة الظروف للانتخابات؟ وهل يمكن أن يكون توحيد السلطة التنفيذية مدخلاً للحل قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟

ـ نعم، يمكن ذلك. فكل خطوة إيجابية في ليبيا يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في تحقيق الاستقرار وتعزيز مسار الخطوات الإيجابية الأخرى.

فهذا يعني في الأساس أنّ أيّ خطوة حقيقية وصادقة، مثلاً في ملف المصالحة، قد تدفع نحو تقدم سياسي إيجابي، كما أنّ أيّ تقدم في ملف توحيد السلطات ينعكس إيجاباً على ملف الاستحقاق الانتخابي. وكل هذه الخطوات ستكون في صالح ليبيا المستقبل.

كيف تقيمون موقف تيارات الإسلام السياسي والقوى المؤثرة في غرب ليبيا من الجهود الحالية الرامية إلى الحلحلة السياسية وتوحيد المؤسسات؟ وهل تعتقدون أنّها باتت أكثر استعداداً لتقديم تنازلات من أجل الوصول إلى تسوية وطنية شاملة؟

ـ تربط التيارات الإسلامية في ليبيا، ولا سيّما في مدن المنطقة الغربية، علاقات وتنظيمات متداخلة، بحيث إنّ أيّ تغير أو تراجع يطرأ على أحد مكوناتها أو امتداداتها الإقليمية ينعكس بدرجات متفاوتة على بقية الأطراف المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، يرى البعض أنّ الإجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين وما نتج عنها من تراجع نفوذ الجماعة، كان لها أثر على المشهد السياسي الليبي، حيث انعكس ذلك على مستوى حضور بعض التيارات الإسلامية وقدرتها على التأثير في العملية السياسية.

كما أنّ التطورات التي شهدتها تونس، وما رافقها من إجراءات بحق عدد من قيادات حركة النهضة وشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، أسهمت بدورها في تضييق هامش الحركة أمام بعض القوى المرتبطة بهذا التيار في ليبيا.

ونتيجة لهذه المتغيرات الإقليمية، أصبحت بعض التيارات الإسلامية أكثر ميلاً إلى تبنّي مواقف أقلّ حضوراً في المشهد العام، وإلى إبداء قدر أكبر من المرونة السياسية. ويرى مؤيدو هذا الطرح أنّ وجود مؤسسة عسكرية وطنية قوية وموحدة يمثل عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار والحد من نفوذ مشاريع الإسلام السياسي داخل الدولة.

كيف ينتقل الإسلام السياسي في غرب ليبيا من العمل الدعوي إلى العمل الحركي والسياسي عبر تنظيماته المختلفة، سواء من خلال جمعية الإحياء والتجديد، أو حزب العدالة والبناء، أو تيار دار الإفتاء؟

ـ يمكن وصف هذه التحركات بأنّها محاولات من بعض التيارات للعودة إلى دائرة التأثير واستعادة حضورها في المشهد الليبي.

كما أنّ هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنّ بعض القوى المحسوبة على تيار الإسلام السياسي لم تعد تتمتع بالزخم الشعبي الذي كانت تحظى به في السابق، سواء في غرب البلاد أو شرقها أو جنوبها، وذلك نتيجة جملة من المتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية.

ومن جهة أخرى، أسهم ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من الشارع الليبي في إعادة تقييم تجربة هذه التيارات ومواقفها وأدائها. ويتابع الرأي العام التجارب المرتبطة بالحركات الإسلامية في عدد من الدول، وهي تجارب تثير تبايناً في التقييم بين مؤيدين ومعارضين، وتدفع كثيرين إلى إعادة النظر في دور هذه التيارات ومستقبلها السياسي.

وعليه، فإنّه مهما سعت هذه القوى إلى إعادة تنظيم صفوفها أو إنشاء أطر وواجهات جديدة، فإنّ الظروف السياسية والاجتماعية الراهنة تختلف عمّا كانت عليه في السابق، الأمر الذي يجعل من الصعب استعادة مستوى التأثير والحضور الذي تمتعت به خلال مراحل سابقة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية