اليسار وسؤال الهزيمة المؤجل في ذكرى "أروى صالح"

اليسار وسؤال الهزيمة المؤجل في ذكرى "أروى صالح"

اليسار وسؤال الهزيمة المؤجل في ذكرى "أروى صالح"


09/06/2026

في السابع من حزيران (يونيو) تتجدد ذكرى رحيل اثنين من أبناء جيل السبعينيات: أحمد عبد الله رزة وأروى صالح. وفي العادة يمر هذا التاريخ محمّلًا بالاحتفاء المستحق برزة، أحد أبرز قادة الحركة الطلابية المصرية، فيما تمر ذكرى أروى صالح برغبة في عدم تذكرها، ولربما كان ذلك لأنّها صاحبة الشهادة الأكثر قسوة على ذلك الجيل، التي نكأت جروحًا في حياتها واستمرت بعد رحيلها.

ليس هناك مجال للمقارنة بين الشخصين وتفضيل أيٍّ منهما على الآخر؛ فبينما استمر نضال رزة في العمل العام حتى وفاته، قررت أروى إنهاء حياتها بشكل درامي. إلا أنّ ما يستدعي التأمل هو الطريقة التي يتشكل بها الوجدان والذاكرة السياسية، وتفضيلات ما نختاره تاريخيًا لنتذكره وما نفضل أن ننساه.

خرج رزة وأروى من الجيل ذاته، جيل هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وناضلا سويًا وقت صعود الحركة الطلابية في السبعينيات، آملين في تحقيق أحلام كبرى حول الاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي والجمهورية الديمقراطية. إلا أنّ مصائر أبناء هذا الجيل جاءت مشتتة على عكس آمالهم؛ فمنهم من واصل العمل العام، ومنهم من انخرط في سوق العمل، ومنهم من هاجر، ومنهم من اندمج داخل المؤسسات الحكومية، وتبخر آخرون داخل مجريات الحياة العامة.

ما يلفت الانتباه إلى أروى صالح هو شجاعتها في توجيه النقد الذاتي للتجربة من داخلها؛ فلم تنقد السلطة فقط، وإنّما قدمت نقدًا لرفاقها والمجتمع السياسي الذي انتمت إليه، لتكشف الحضور الطاغي للتناقضات بين المقولات والممارسة الفعلية، وتفضح أشكال السلطة والهيمنة وكيف يُعاد إنتاجها داخل المنظمات السياسية التي قدمت نفسها كأطر تقدمية وتحررية.

وما يثير الانتباه إلى نقد أروى هو ركيزته المعتمدة على أنّ الهزيمة لم تأتِ من الخارج، وإنّما من داخل الحركة نفسها، كونها جاءت نتيجة الوعي الزائف والتنظيم الهش والعلاقات الإنسانية المزيفة، ممّا أكسب شهادتها قسوة على تجربتها وتجربة أبناء جيلها. وربما كان ذلك السبب في الرغبة في تجاوزها والابتعاد عن ذكراها والنفور منها حتى يومنا هذا.

يميل الإنسان، فردًا كان أو جماعة منظمة، إلى بناء صورة جذابة ومتماسكة عن نفسه؛ فالذاكرة الجماعية تعمل بالاختيار بين البدائل، وبانتقاء جزء دون آخر، وبالشكل الذي يؤثر فيما ترويه عن نفسها، وبما يدفع بعيدًا كل ما يُضعف سرديتها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الحضور البارز لأسماء بعينها من جيل السبعينيات، في مقابل الحضور الباهت، وربما الغياب المقصود، لأروى صالح.

مثّل رزة الجانب الصامد والملتزم في التجربة، فيما مثّلت أروى الجانب الواضح والمزعج؛ لأنّها كانت تطرح سؤالًا: لماذا هُزمنا بهذا الشكل؟ وما نصيبنا من تحمل المسؤولية عمّا جرى؟

أشار ماركس إلى أنّ الأفراد حين يصنعون تاريخهم فإنّهم لا يصنعونه إلا وفقًا لما ورثوه من ماضيهم. فالمسألة هنا لا تُطرح بشكل أخلاقي؛ فجيل السبعينيات واجه تحولات كبرى اقتصاديًا واجتماعيًا: سياسة الانفتاح، وإضعاف المجال السياسي، وصعود طبقة من الأثرياء الذين كوّنوا ثروات ضخمة من السمسرة والتوكيلات التجارية، وتراجع المشروع الاجتماعي للدولة الناصرية، الذي كان الركيزة التي خرج منها اليسار المصري في تلك الفترة. ومن كل ذلك كان تفكك البنى التنظيمية أمرًا مفهومًا ومتوقعًا.

لا يمكن تجاوز الشروط الموضوعية في فهم مسألة معينة، إلا أنّه يظل للذوات السياسية أدوار مهمة في لحظة تاريخية معينة لا يمكن إعفاؤها من النقد. وهنا تأتي قيمة أروى صالح؛ لأنّها لم تمارس الاستسهال وتُرجع كل شيء إلى السلطة والظرف الخارجي، وقررت البحث في مكامن التجربة وعيوبها، ممّا جعل شهادتها كقطعة زجاج تجرح حيثما تسير؛ فالنقد الخارجي أحيانًا يُعدّ من النضالات الآمنة في بعض اللحظات، على خلاف النقد الذاتي.

من كل ذلك ربما تأتي الرغبة في الاحتفاء بأحمد عبد الله رزة مقارنة بأروى صالح، على الرغم من أنّ تاريخ وفاتهما في يوم واحد، وهما ابنا تجربة واحدة؛ لأنّ رزة يذكرنا برفعة التجربة ونبلها، بينما تضع أروى أصابعها في ثقوب تلك التجربة لتذكرنا بها.

في الأخير، فمن أفضل ما قدّمه ماركس هو الجدل المادي، واليسار الذي يتوقف عن نقد نفسه يتحول إلى مجموعة تدينية تمارس طقوسها الخاصة، وبالشكل الذي يجعلها تفخر وتحتفي بذكرياتها أكثر ممّا تنشغل بتغيير الواقع والحوار من أجل المستقبل. فتفكيك وفهم تناقضات تجربة ما هو مدخل احترامها، وأرضية لبناء الجديد؛ فكل ما هو ثابت تذروه الرياح.

ستظل أروى صالح بمثابة شبح يحضر سنويًا، وإن كره الكارهون، ليذكر رفاقها بأخطائهم، وليدعوهم إلى نقد ذاتي لن يصلح أيّ شيء بغيره.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية