
حميد المنصوري
يلتقي مفهوم ميشيل فوكو للسلطة مع مفهوم السيادة عند كارل شميت في مقاربة تحليلية تُضيء تحولات الشرق الأوسط الراهنة، وتكشف كيف تتحول استعادة الدولة لسيادتها إلى إعلان سياسي وواقعي عن تراجع مشاريع الهيمنة العابرة للحدود.
يصف الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في الفصل الشهير «ساحة الإعدام» بكتابه المراقبة والمعاقبة، الإعدام العلني بوصفه مشهداً سياسياً أكثر من كونه عقوبة جنائية. فالدولة أو السلطة لم تكن تسعى فقط إلى معاقبة المذنب، بل إلى استعراض القوة السيادية والشرعية أمام المجتمع بأسره، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن السلطة قادرة على حماية نفسها ومعاقبة من يتحدى شرعيتها.
ورغم أن فوكو كان يحلل السلطة بصور تتحدث عن أوروبا في القرون الوسطى، فإن مفهومه يظل صالحاً لفهم السلطة والكثير من الأوضاع السياسية المعاصرة، حيث توجد «ساحات إعدام» حديثة لا تُنصب فيها المشانق ولا تُجلد فيها الأجساد، بل تُشهد فيها نهايات مشاريع النفوذ والهيمنة العقدية عندما تستعيد الدول سيادتها على أراضيها ومؤسساتها وشعبها.
ولا تكمن أهمية مفهوم فوكو في العقوبة ذاتها، بل في الرسالة السياسية التي ينتجها. فالمشهد العقابي عنده ليس موجهاً إلى المذنب فقط، بل إلى الجمهور الذي يشهد إعادة تأكيد شرعية السلطة وقدرتها على فرض النظام. وهنا يصبح من الضروري استحضار ثلاثية فوكو التحليلية، السلطة السيادية القائمة على القرار والردع واحتكار العنف المشروع، والسلطة التأديبية العاملة عبر المؤسسات لضبط السلوك والعلاقات، وأخيراً الحوكمة الحيوية، والتي تدير الشعب والمجتمع في مختلف شؤونه من الصحة، والاقتصاد، والعمل والأمن والعدالة وغيرها من الأمور.
ويتكامل تصور السلطة عند فوكو مع تعريف السيادة في الفكر السياسي الحديث، خصوصاً عند الفيلسوف الألماني كارل شميت، الذي يرى أن السيادة تُختزل في "القدرة على اتخاذ القرار في حالة الاستثناء وفي الأزمات كالحروب والتمرد".
ومن هذا المنظور المتكامل بين فوكو وشميت، يمكن النظر إلى تفكيك شبكات النفوذ الخارجي أو إحباط محاولات الاختراق الأمني والمجتمعي والعقائدي والنسيج الوطني بوصفها لحظات سياسية تُظهر فيها الدولة قدرتها على حماية سيادتها واستعادة احتكارها الشرعي للقوة وتمثيلها لشعبها وحفظ إقليمها الجغرافي وحدودها الوطنية.
وعبر هذه القاعدة، يواجه النظام الإيراني تحديات متزايدة تتمثل في تراجع وانحسار نفوذه الإقليمي في عدد من الساحات العربية؛ حيث شهدت دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما الكويت والبحرين، عمليات أمنية استهدفت القبض على شبكات وخلايا مرتبطة بالمشروع الجيوبوليتيكي الإيراني ذي الطابع المذهبي، والذي يُنظر إليه بوصفه متصادمًا مع سيادة الدولة الوطنية واستقرارها. وفي كل مرة يتم فيها تفكيك مثل هذه الشبكات والخلايا، حيث الأمر لا يقتصر على إجراء أمني بل يتجاوزه ليشكل رسالة سياسية، تتأكد قدرة الدولة والسلطة الشرعية على حماية سيادتها وإحباط محاولات الاختراق وزعزعة الأمن المجتمعي. وتعد السيادة الوطنية في الكويت والبحرين، التي يتزايد حضورها، سبباً رئيسياً في الهجوم السياسي والإعلامي والعدوان العسكري الذي شنته عليهما دوائر الحرس الثوري الإيراني، حتى في ظل هدنة مفاوضات الحرب بينه وبين الولايات المتحدة.
ويمتد المشهد إلى لبنان، حيث تتزايد الجهود الرامية إلى تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي هذا المسار، أدى إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله بفعل الضربات الإسرائيلية المتواصلة إلى خلق واقع سياسي وأمني جديد يهدف، من منظور واشنطن وتل أبيب، إلى توسيع مساحة عمل الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ الأمن وضبط الحدود. ففي 2 و3 يونيو/حزيران 2026، عُقد في واشنطن اجتماع رفيع المستوى ضم ممثلين عن إسرائيل ولبنان برعاية واشنطن، وأسفر الاجتماع عن تأكيد الالتزام بتنفيذ وقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات السياسية والأمنية، كما شددت الأطراف على أهمية انسحاب عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، وتعزيز حضور أجهزة ومؤسسات الدولة اللبنانية العسكرية والأمنية.
كما شهدت سوريا تحولات كبرى أدت إلى تراجع النفوذ الإيراني الذي ترسّخ خلال سنوات الحرب. وبعد سنوات طويلة من الدمار والخسائر البشرية والمادية، برزت دعوات سورية متزايدة لمراجعة إرث تلك المرحلة وتحميل إيران حسب القوانين الدولية مسؤولية الدمار والخسائر التي تكبدتها الدولة والمجتمع السوريان، والتي أدت إلى فقدان واستنزاف أسس الدولة المادية والبشرية ناهيك عن المعاناة الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية وإبطاء مسيرة التنمية.
وفي ضوء ذلك، فإن تراجع النفوذ الإيراني الشيعي في عدد من الساحات العربية يعد تراجعاً لمشروع جيوسياسي قائم على شبكات النفوذ والولاءات العابرة للحدود. فكل مساحة تستعيد فيها الدولة الوطنية كامل سيادتها تمثل انحساراً إضافياً لهذا المشروع وتقدماً لفكرة المواطنة وسيادة القانون.
ولا تزال هناك ساحات أخرى مرشحة لتحولات مشابهة، سواء في اليمن أو العراق، حيث يستمر الجدل والصراع حول طبيعة العلاقة بين الدولة الوطنية والقوى المرتبطة بالمشاريع الإقليمية والتبعية للنظام الثيوقراطي الإيراني. وفي ظل اضمحلال المليشيات والجماعات السياسية والإعلامية المرتبطة بالنظام الثيوقراطي الإيراني العابر للحدود، يواجه النظام الإيراني تحديات داخلية متزايدة نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وفقدان الشرعية السياسية، وهو ما يدفعه إلى التشدد في مواجهة معارضيه عبر أدوات التعذيب والإعدامات والاعتقالات المتعددة، في محاولة للحفاظ على تماسك النظام واستمراريته.
خلاصة المقالة، إذا كانت «ساحة الإعدام» عند ميشيل فوكو مسرحًا تتجلى فيه السلطة في أقصى صورها الاستعراضية، وكانت السيادة عند كارل شميت تُختزل في لحظة القرار داخل حالة الاستثناء، فإن الشرق الأوسط اليوم يشهد تحولًا أعمق في بنية السلطة والمعنى السياسي. فكل تراجع لمشاريع النفوذ الإقليمي يقابله صعود تدريجي لمفهوم الدولة الوطنية بوصفها الإطار الحاسم لإنتاج الشرعية وحماية المجال السياسي والاجتماعي.
ومن هنا، يتضح أن المشهد الإقليمي لا يتحرك فقط ضمن إعادة توزيع للقوة، بل ضمن إعادة تعريف لمفهوم السيادة ذاته؛ انتقالًا من منطق الهيمنة العابرة للحدود إلى منطق الدولة الوطنية التي تُعيد احتواء وصدّ الأفكار والانتماءات العابرة للسيادة داخل فضائها السيادي. وهكذا، لا تعود «الساحات» المعاصرة ساحات للإعدام، بل فضاءات يُعاد فيها تثبيت منطق الدولة، وتُطوى فيها تدريجيًا مشاريع النفوذ العابر، لصالح الدولة بوصفها الإطار الوحيد للشرعية والاستقرار واحتكار القوة.
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_1_3_0.jpg.webp?itok=sTeiTxgY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%BA%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_1.jpg.webp?itok=gw8h03yp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_184_0.jpg.webp?itok=fexPfLBz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_2.jpg.webp?itok=Am9evX5-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_3_0.jpg.webp?itok=eprUR33z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wrwb_0_3.jpg.webp?itok=zXenG1c_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_2_4_0_1.png.webp?itok=BxX9SKUI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_3_0.jpg.webp?itok=ZJGzLGZI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Islamists%20_0_0_2_2.jpg.webp?itok=C4gVdlSG)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_4_0.jpg.webp?itok=K7iHRvWY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1.jpg.webp?itok=IbaNXMjA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/204-185210-boxing-matches-gaza-wounds-war-4.jpeg.webp?itok=QQVudo4t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1d9ba75c-7c8b-42d9-bf3a-44b242d3c72c.png.webp?itok=Wf0tJNUG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_67_1_4_0_0.jpg.webp?itok=wrd_MIbW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)