بين مارادونا وصلاح: من الحلم الجماعي إلى النجاة الفردية

بين مارادونا وصلاح: من الحلم الجماعي إلى النجاة الفردية

بين مارادونا وصلاح: من الحلم الجماعي إلى النجاة الفردية


31/05/2026

منذ أيام صدر عن محمد صلاح ما يفيد بأنّه ضحى بحياته وشبابه ليصل إلى ما هو عليه الآن. بداية لا يستطيع أن ينكر أحد ما وصل إليه محمد صلاح من مكانة عالمية على المستوى الرياضي، وباعتباره صار منتجاً وأداة دعائية، ولربما بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في الداخل المصري، فقد لاقت تصريحاته مشاعر متناقضة بين الاحتفاء به والتهجم عليه، إلا أنّ صلاح وتصريحاته تعتبر تكثيفاً شديد الحضور عن عصر جديد بالكامل، عصر تغير فيه النجاح ومدلولاته ومعاييره، وصعدت فيه الفردانية والنجاة الفردية، وتغيرت فيه فكرة النجاح إجمالاً وصورة البطل وكيف تكون انحيازاته وحدود العلاقة بينه وبين المجتمع الذي ينتمى إليه.
تصريحات صلاح تتناقض مع عالم وزمن كانت فيه الرأسمالية تقدّم وعوداً للمجتمعات بحياة أفضل وأكثر رحابة، وفي ظل جماعية لحلم ما يعمل على تضفير مقومات المجتمع ومصائره وصولاً إلى مستقبل جماعي يمكن بناؤه. وكانت الدولة الوطنية والمجتمع السياسي وأدواته تعمل على تغيير الواقع نفسه وبما تستفيد منه كتل وفئات وطبقات اجتماعية واسعة، وبالشكل الذي يرى فيه كل طرف في المجتمع أنّ المجال العام صار فيه شيء يخصه.

وعلى النقيض من ذلك، فاليوم تبدو هذه القيم كأنّها لغة تقادمت ويعتبرها البعض ساذجة، فالرأسمالية بصيغتها النيوليبرالية لا تعطي وعوداً للمجتمعات والأفراد بحياة أفضل مثلما فعلت في مراحلها الصاعدة، فصيغتها الحالية تعد المجتمعات والأفراد بفرص أقلّ للنجاة والنجاح، وأصبح الأفراد أكثر انعزالاً وهشاشة وفقراً، ممّا جعلهم مشاريع فردية يتحمل كل منهم مسؤولية نجاحه وفشله، وبالشكل الذي صارت فيه المسألة الاجتماعية ومشاكلها محض مسألة شخصية، فأصبح فشل الفرد نقصاً في اجتهاده وقدراته، وأصبح تعطله عن العمل نقصاً في مواهبه، وأضحى فشله عبئاً شخصياً يتحمله بمفرده، بالتجاوز عن كل البنى الاقتصادية والاجتماعية كركائز أنتجت التفاوت الطبقي والإفقار الواسع.

هكذا تقزمت الأحلام وتراجعت إلى جملة من أحلام صغيرة غضة ومعزولة، صارت فيه محاولة الهروب من المجال العام غاية الأماني وسدرة الأحلام.

ولربما ذلك هو سر مكانة محمد صلاح وتصريحاته الأخيرة، فهو ليس لاعب كرة خرج من إحدى قرى دلتا مصر ليصل إلى مكانة وشهرة عالمية كبيرة وواسعة، وإنّما تكثيف لفكرة النجاة الفردية والافتتان بها في واقع فقد فيه المجتمع إيمانه بالخلاص الجماعي والتضامن والتآزر، بالشكل الذي يرى فيه المجتمع في محمد صلاح وعداً أخيراً واستثناء استطاع تجاوز الظروف القاسية.

هنا تظهر شخصية مارادونا، كضد تظهر من خلاله الأشياء، لفهم طبيعة وعمق التحولات الاجتماعية الحاصلة، مارادونا ابن عالم آخر، عالم الرأسمالية بصيغتها التنافسية، وهو عالم جماهيري بامتياز كانت فيه الجماهير تؤمن بقدرتها على الفعل بمعناه التاريخي لا باعتبارهم أفراداً منعزلين عن بعضهم بعضاً ومتناقسين فيما بينهم داخل سوق استهلاك ضخم، مارادونا نقيض لمحمد صلاح، كان ابن طبقته الاجتماعية الفقيرة هو الآخر مثل محمد صلاح، لكنّه في عالم يؤمن بالتناقضات والفوضى مستغلاً لها لتطوير المجتمعات لا متجاوزاً لها للسيطرة عليها.
مارادونا هذا المخطىء والخاطىء الشعبي والجماهيري، كان يخطىء كباقي المجتمع من غير أن يفقد علاقته الرمزية بفقراء هذا المجتمع أو يتعالى عليهم أو يعطي لهم وعظاً أشبه بمحاضرات التنمية البشرية، وبالشكل الذي تجاوز فيه كونه نجماً أو لاعباً أسطورياً إلى اعتباره جزءاً من المزاج الشعبي الذي توارى مع انتصار المزاج النيوليبرالي.

عالم مارادونا المتناقض مع عالم صلاح جعل لكل منهما سيماءه الخاص، فعالم صلاح ارتبط بالنجاة الفردية، بينما عالم مارادونا ارتبط بالخطابات الشعبوبية واليسارية لأمريكا اللاتينية وإعلان عدائه الصريح للإمبريالية الأمريكية، لذلك نستطيع القول إنّهما عالمان: الأول عالم الشعوب الحالمة بحلم جماعي ومشروع  سياسي واجتماعي للتغيير، والثاني عالم ما بعد الشعوب الذي لا تثق الجماهير فيه بقدرتها على التغيير، وصار فيه المجال العام مصادراً بالكليّة، عالم النيوليبرالية الكاملة الذي يُعاد فيه إنتاج المجتمع والإنسان بحيث يصبح مشروعاً فردياً يجب عليه تطوير مهاراته باستمرار حتى يستطيع المنافسة، ويتحمل وحده مسؤولية الإخفاق إذا فشل.

عالم محمد صلاح، ومن ثمّة مقولاته، أصبحت فيه الفردانية إيديولوجيا وفضيلة يجب إتيانها، فلا انحياز أو اشتباك مع قضايا مجتمعية، ويكفي فقط الاتزان والانضباط والقدرة على تسويق النفس دون صدامات مع الآخرين.

كان مارادونا ابن لحظته التاريخية كابن للجماعة، فيما محمد صلاح ابن لحظته كناجٍ مثالي، إنّهما نموذجان مختلفان لعالمين شديدي الاختلاف، فمن عالم وجماهير تستبطن مارادونا داخلها ممّا يجعل الفقراء يشعرون بإمكانية الاشتباك معه ومع مقولاته وإنحيازاته، إلى عالم جماهير أخرى ترى محمد صلاح وسيلة للهروب من نفسها، وبما يشعر بأنّ هناك إمكاناً للنجاة الفردية، وأنّ محمد صلاح نموذج لها.

يأتي محمد صلاح كنتيجة لتحولات الرأسمالية في طورها المتأخر الذي تجاوز إعادة تشكيل الاقتصاد إلى إعادة تشكيل وعي الإنسان، بحيث تتحول الأزمات الاجتماعية إلى مشكلات فردية يصبح الفقراء فيها مسؤولين عن فقرهم، ويصبح الفاشل مسؤولاً عن فشله، لأنّه لم يُضحّ كما تجب التضحية أن تكون، وبالشكل الذي تختفي فيه البنى الطبقية والسياسات العامة التي أوصلت إليها، والاستعاضة عن كل ذلك بخطاب التنمية البشرية وضلالاته عن الدأب والاتزان الشخصي.

من كل ذلك يظهر محمد صلاح كضرورة للنظام الاجتماعي السائد والمسيطر؛ ليمنح الملايين جرعة من التفاؤل بإمكانية النجاح الاستثنائي ليثبت أنّ الطريق ما زال مفتوحاً ومتجاوزاً القاعدة المتملثة في أنّ المجتمعات لا تُبنى بالاستثناءات الفردية. 
تصريحات صلاح الأخيرة ليست عابرة، فهي تكثيف عن عالم فقد قدرته على التضامن والحلم الجماعي، وأصبح كل هدفه محاولة الخلاص الفردي من هذا القلق المقيم.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية