في ظلال الغموض.. قراءة في عقل سيد قطب

في ظلال الغموض.. قراءة في عقل سيد قطب

في ظلال الغموض.. قراءة في عقل سيد قطب


30/05/2026

ثروت الخرباوي

ثمة رجل واحد فى تاريخنا الحديث، استطاع بمفرده أن يُغيِّر هندسة الأدب النثرى، محولاً شجن الأديب إلى حدة الفقيه المتطرف، وجمال اللغة إلى لغة «سيف» لا يعرف الرحمة.

هذا هو سيد قطب صاحب أغرب تحولات فى عصرنا الحديث، فهو لم يكن مجرد كاتب عابر أو مُنظّر تنظيمى، بل كان لغزاً يسكن «صندوقاً أسود» لم تُفتح أقفاله بالكامل حتى الآن، فكيف تحول الرجل الذى كان يكتب عن «التصوير الفنى فى القرآن» بقلب شاعر يذوب فى جمال التراكيب، إلى ذات الشخص الذى وقف من عليائه ليعلن أن الأرض بكل ما فيها قد أصبحت «جاهلية» لا تستحق البقاء، وأن الإسلام قد غاب عن الواقع منذ قرون؟ إن القصة لا تكمن فقط فى ما كتبه قطب، بل فى تلك الرحلة الغامضة التى ذهب فيها إلى أمريكا، رحلة يكتنفها غموض، حرّكتها يد مجهولة، جعلت وكيل وزارة المعارف العمومية وقتها إسماعيل القبانى، يُقدِّم لوزير المعارف السنهورى باشا اقتراحاً بسفر سيد قطب لأمريكا لدراسة نظم التعليم! فوافق السنهورى وسافر قطب.

وفى مناطق مظلمة لا يراها أحد بدأت تلك التحولات النفسية التى تقاطعت فيها خيوط المخابرات الدولية مع أروقة التنظيمات السرية، لتنتج لنا فى نهاية المطاف «مانيفستو» الدم الذى غيّر خريطة العالم الإسلامى.

نحن لا نتحدث هنا عن فكر دينى تأملى، بل عن أيديولوجيا استعلائية، صاغتها نفسية نرجسية، فقررت أن تكفر المجتمع بأسره لتجعل من «الحاكمية» قيداً على عنق الإنسانية، متجاهلة كل ثوابت الفقه ومقاصد الشريعة التى قامت على الرحمة والاعتدال.

ولا يظنن أحد أن محاولة فهم سيد قطب هى ترف فكرى، إذ هى ضرورة لكشف جذور العقلية التى لا تزال حتى اللحظة، ومن وراء ستائر «التقية» والمظلومية، تعيد إنتاج ذات النظرة المتعالية التى ترى العالم «طفلاً» يحتاج إلى «إعادة تعليم» بالقوة، أو إلى إقصاء شامل من الوجود.

وإذا فتحنا الصفحة الثانية من حياة سيد قطب، بعد عودته من أمريكا، نجد أنها كانت تمهد لكتابه الأخطر «معالم فى الطريق»، الذى أعتبره «الكتاب المقدس» لجماعات الإرهاب.

وحينما كان البعض يضع فارقاً بين حسن البنا وسيد قطب، فيقولون إن الأول كان وسطياً معتدلاً، فى حين كان الثانى متطرفاً تكفيرياً، كنت أعتبر تلك التفرقة ساذجة وسطحية؛ فالحقيقة -فى تقديرى- غير ذلك، فهذا كذاك.

كل ما فى الأمر أن «البنا» قال عبر رسائله إن المجتمع الذى نعيش فيه كافر، وإننا يجب أن نعد العدة ذات يوم للانقلاب عليه ومقاومته بالقوة، أما سيد قطب فلم يقف عند حد تكفير المجتمع فقط، بل أجاب عن سؤال آخر: لماذا هذه المجتمعات كلها كافرة؟

وقد تعتريك الدهشة من هذا التحول الفجائى الذى أصاب سيد قطب بعد عودته من أمريكا ليصبح الأب الروحى للتكفيريين.

ولكن قد تتبدد دهشتك عندما تعرف أن المخابرات الأمريكية التقطت قطب وساعدت على تسفيره لأمريكا، ثم قامت بتوجيهه ليصنع خريطة جديدة للدماء فى بلادنا.

ولا غرابة فى ذلك؛ فسيد قطب كان أحد كبار الماسونيين فى مصر، وكان يحرر المقال الرئيسى فى مجلة «التاج المصرى» لسان حال الماسون فى مصر، ولذلك بدأ مباشرة فى الانضمام إلى الإخوان بعد أن كان خصماً لهم، وحينما وجدهم مجموعة من الجهلاء سيطر عليهم حتى أصبح مرشدهم الروحى.

أما منظومته التكفيرية، فيكفينا أن ننظر فى مقدمة كتابه الأشهر «فى ظلال القرآن».

فهناك تجد حالة نفسية شاذة استغرقت سيد قطب، إذ نظر إلى نفسه ثم إلى العالم، فجعل من نفسه فى مكانة عليّة سامقة لا يقترب منها بشر، وجعل العالم كله أسفله، فقال:

«عشت فى ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التى تموج فى الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ومحاولات الأطفال ولثغة الأطفال.. وأعجب: ما بال هؤلاء الناس؟ ما بالهم يرتكسون فى الحمأة الوبيئة؟».

كشف «قطب» فى مقدمته عن غروره وتعاليه، ثم كشف عن رؤيته للعالم كله؛ شرقه وغربه، هو -عند نفسه- يجلس فى مكان مرتفع، وكل البشر من دونه كالأطفال، وحضارات العالم وثقافاته وتصوراته ليست عنده إلا تصورات جاهلة كتصورات الأطفال. كانت تلك هى النفسية التى صاغت نظرية الإسلام السياسى: نفسية متعالية حاقدة على البشرية كلها.

ثم يسترسل «قطب» عن العالم كله قائلاً:

«نحن اليوم فى جاهلية كالجاهلية التى عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية: تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم.. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيراً إسلامياً.. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية».

هكذا كان «قطب» يرانا: كلنا أهل جاهلية، كالجاهلية التى عاصرها الإسلام فى بدايته، حتى ما نظنه فكراً إسلامياً أو ثقافة إسلامية هو عنده جاهلية.

هذه هى الركائز التى أقام عليها «قطب» فكره.

ومع ذلك فقد قرأت لبعضهم مقالاً عن «قطب» فى جريدة يومية، وجدته قد انخدع ببريق اللغة فى نصوص سيد قطب، حتى صار يدعونا إلى قراءته كأديب يمتلك ناصية البيان، مادحاً قدرته على صياغة الجُمل التى تخلب الألباب وتأخذ بمجامع القلوب.

إن هؤلاء المحتفين بجمال اللفظ فى «الظلال» و«معالم فى الطريق» يشبهون تماماً من انبهر بجمال سكين فضى دقيق الصنع، يتلألأ تحت الضوء بلمعان أخاذ، فغاب عن بصره أو تعمّد الغفلة عنه أن هذا النصل الصقيل لم يُصنع للزينة، بل كان الأداة التى أُريقت بها دماء العقول والنفوس، إن الاحتفاء بالبناء اللغوى لـ«قطب» مع تجاهل مآلاته الأيديولوجية هو ضرب من الترف الفكرى القاتل؛ فهو فصل متعمد بين «الجمال الصورى» و«النتائج المأساوية».

فبينما يرى المعجبون فى عباراته أدباً رفيعاً، يراها ضحايا هذا الفكر دعوات صريحة لاستباحة الدماء. والحقيقة أن قوة لغة «قطب» لم تكن يوماً مجرد بلاغة أدبية، بل كانت المادة اللاصقة التى ربطت الأفكار المتطرفة بوجدان أتباعه، فجعلت من «السُم» شراباً سائغاً فى كؤوس مزخرفة بالبلاغة.

إن من يطلب منا أن نتجاهل «الفقيه» لنرى «الأديب» فى سيد قطب، يطلب منا أن نغلق أعيننا عن الدماء التى لا تزال عالقة بهذا النصل الفضى، متوهماً أن بلاغة الأسلوب يمكن أن تغسل خطيئة النص الذى أسس لمذابح القرن.

الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية