
إنّ مفهوم نزع العلمنة أو ما بعد العلمانية قد استخدم أول مرة في بداية التسعينيات من قبل بيتر برغر Peter Berger، حيث قدّم خلال نهاية القرن العشرين 1999 عملاً جماعياً بعنوان: "إزالة العلمنة عن العالم، وعودة الدين الصاعدة، والسياسة العالمية"، ضمّ الكتاب العديد من الإسهامات التي جُمعت تحت إشراف بيتر برغر، ويدافع من خلاله عن أطروحة أساسية لا تتعلق كما يبدو من خلال العنوان بنزع العلمنة، بماهية مرحلة ما بعد العلمانية تحمل خصوصيات تميزها عن العلمانية، بل تعلق الأمر بإثارة حضور الدين التقليدي في الفضاء العمومي لعدد من الدول الغربية، وهو ما قدّمه برغر بنفسه، بشكل مطول، في مقدمة الكتاب. وتجدر الإشارة إلى أنّ برغر لم يكن مُنظِّراً لمفهوم العلمنة، ولم يكن أيضاً لاهوتياً متخفياً وراء عودة الديني. لقد كان عالم اجتماع متخصصاً في التعددية الدينية في العالم المعاصر، وحرص على وصف تجلياتها وآثارها على الفرد والثقافة والسياسة.
وتجدر الإشارة إلى أنّ عودة الديني هنا لا تحيل، بمعنى ما، على انقطاع زمني في تجربة حضور الديني، وهو ما قد يجانب، بمعنى ما، مدلول نزع العلمنة؛ إذ نكون هنا أمام تغليب لجانب المدلول المعياري لمفهوم العلمنة "تقييم مسار العلمنة"، وهو المعنى الأكثر شيوعاً وتداولاً، بقدر ما يعني حضوراً يتراوح ما بين الهامش والمركز. ومن هنا، لا يعني نزع العلمنة الرجوع إلى عتبة ما قبل حداثية أو نفي وتهميش فعل العلمنة، بقدر ما يعني إعادة المفهوم للواجهة العمومية، وإزاحة اللثام عمّا اعتقدناه لعقود واقعاً معلمناً لينكشف أمامنا عالم لم ينقطع عن الديني. ويمكن تزكية هذا الطرح بإشارات المؤرخ والفيلسوف الألماني راينهارت كوزيليك (1923-2006) من خلال كتابه "النقد والأزمة" Kritik und Krise، الذي أرجع الأزمة السياسية المعاصرة التي توجت بحربين عالميتين إلى الصراع غير المكتمل لفلسفة التنوير. كيف ذلك؟
أطروحة كوزيليك، في الواقع، فتحت الباب لبروز فكرتين جديدتين لأوروبا بعد الحرب؛ الأولى تنهل من المنهج التأويلي لهانس-جورج غادامر، الذي كان كوزيليك تلميذه في هايدلبرغ، ودشن من خلالها رابطاً جديداً بين التاريخ السياسي وتاريخ الأفكار. والثانية متأثرة بالعديد من المعلمين أمثال مارتن هايدغر وكارل لوفيث وكارل شميت، ومفادها أنّ فلاسفة التنوير حاربوا السيادة السياسية غير أنّهم أنتجوا بديلاً عنها أكثر سلطوية. فإذا كانت التقدميات الفكرية الأنوارية قد واجهت باستمرار السلطة الدينية باعتبارها الوجه الآخر للاستبداد والتعصب والخرافة، فإنّها مع ذلك، ومن خلال هذا الفعل ذاته، كانت قد كشفت عن المصدر اللاهوتي-السياسي للسلطة السيادية، فأصبح العالم يؤطر وفق مخطط ثنائي: الخير/الشر، الحقيقة/الوهم، العدل/الظلم...، أي ما يجب أن يكون ليتم إقراره من جهة، ومن جهة أخرى الوضع الراهن أي الموجود الذي يجب إنهاؤه. ومن ثمة، فإنّ أزمة الحضارة الغربية المفتوحة ترجع إلى الأفق الطوباوي لعصر التنوير الذي كان قد استعاد، دون أن يعترف بذلك، مدلول ما يسمّى بعقيدة القيامة "انتظار الخلاص الديني الموعود"، على شكل طوباوية وخطة مستقبلية للعقل الغربي، وهنا التحم الدنيوي وفق سردية الديني.
ممّا يسمح لنا باستخلاص النقاط التالية:
- إنّ القول بغياب الدين ثم عودته ينمّ عن فهم يراعي ما كان مأمولاً في الأزمنة الحديثة من وراء عملية التعلمن ذاتها، لكنّ هذه العملية لا تعني بالضرورة تحققها في الواقع الغربي. فالعلمنة كمفهوم نظري تختلف عن مشروع التعلمن في الواقع الغربي، ممّا يجعل تغليب هذا المعنى هو تغليب لكفة القراءة المعيارية لمسار العلمنة دون إثارة حقيقة المفهوم الذي بُني على أصل ديني ويتحرك فوق أرضية لن تستطيع رسم حدود خارج الجانب الديني، إذ إنّ رسم هذه الحدود يستوجب إيجاد أرضية أخرى لنفي الدين فيها، وهو أمر غير متاح. لهذا فمفهوم العلمنة لا يستتبع بالضرورة نزاعاً ولا طلاقاً بائناً مع الدين، بل يمكن لمجتمع معلمن أن يبقى على وفاق مع الثقافة والقيم الدينية. فالعلمنة تمسّ الإيمان وليس القيم في حد ذاتها.
- إنّ انكشاف تزامن كل من الديني والعلماني في التوجهات السياسية الداخلية والخارجية للدول الغربية، قد لا يعني أنّ الغرب انقلب عن توجهاته الحداثية، بل قد يعني أيضاً أنّ الغرب قد استغنى بشكل ما عن ضرورة التعلمن التي استوجبتها الحروب الأهلية في أوروبا. فعملية التجاوز جعلت المفهوم يحمل صبغة إلحاح ظرفي لأزمة سياسية عبّرت عنها تجربة زمنية ارتبطت بالشرط الحداثي في بعده السياسي، وهو ما كان عبد الإله بلقزيز قد أشار إليه في إحدى حواراته.
- البُعد الديني في هذا العصر أصبح فاعلاً مهمّاً في قلب السياسة العالمية. فعدد كبير من الصراعات الداخلية والدولية التي تندلع أو تتفاقم ترجع، بمعنى ما، إلى العامل الديني. وقد يكون للتوجهات القطبية الأحادية للولايات المتحدة الأمريكية أفضل نموذج لتوضيح ذلك، حيث يغلب على النظام السياسي تعلمن محافظ لا ينطلق من الفصل ما بين الدين والدولة كما هو مأمول المشروع الحداثي الغربي، بل يعمل على دمج الجانبين بشكل توليفي يخضع في ثناياه الدنيوي لسقف ومأمول الديني.
يبدو أننا أمام حقبة تاريخية جديدة يعاد فيها تشكيل الجغرافيا الدولية بناءً على إعادة النفوذ الغربي في الجغرافيا العربية ودخول لاعبين جدد بأجندات ومصالح متجددة، ممّا يجعل من الدين وفق هذا السياق قوة لبناء التحالفات وتحقق الإيديولوجيات.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)