اعترافات من قلب الجماعة.. كيف قادت خطايا الإخوان مشروع «المرشد» إلى الانهيار؟

اعترافات من قلب الجماعة.. كيف قادت خطايا الإخوان مشروع «المرشد» إلى الانهيار؟

اعترافات من قلب الجماعة.. كيف قادت خطايا الإخوان مشروع «المرشد» إلى الانهيار؟


19/05/2026

لم يكن سقوط حكم الإخوان في مصر حدثاً سياسياً عابراً أو مجرد خسارة انتخابية لجماعة وصلت إلى السلطة ثم غادرتها، بل مثّل لحظة كاشفة لانهيار مشروع أيديولوجي كامل قام لعقود على فكرة “التنظيم فوق الدولة” و”الولاء للجماعة قبل الوطن”.

 والأخطر أن كثيراً من التفاصيل التي كشفت هذا الانهيار لم تأتِ من خصوم الجماعة، بل خرجت من داخلها، عبر شهادات واعترافات لقيادات وأعضاء سابقين تحدثوا عن أخطاء قاتلة ارتكبتها الجماعة خلال مرحلة الحكم وما قبلها.

وفي السنوات الأخيرة، تحولت شهادات المنشقين عن التنظيم إلى مادة غنية لفهم العقلية التي أدارت الجماعة بها الدولة والمجتمع، فقد تحدثت قيادات إخوانية سابقة عن بنية مغلقة تحكمها السرية والسمع والطاعة، وعن قيادة تعاملت مع السلطة باعتبارها فرصة للتمكين التنظيمي لا لبناء دولة وطنية جامعة.

 كما كشفت هذه الاعترافات حجم الصراعات الداخلية والتخبط السياسي الذي سبق سقوط حكم محمد مرسي، وسط تجاهل واضح لتحذيرات مبكرة من انفجار الشارع المصري ضد سياسات الجماعة.

وأشارت الشهادات إلى أن الجماعة فشلت في التحول من تنظيم سري إلى كيان سياسي مدني قادر على إدارة دولة بحجم مصر.

ومع تراكم هذه الاعترافات، بدا واضحاً أن أزمة الإخوان لم تكن مرتبطة فقط بسوء إدارة مرحلة سياسية محددة، بل بأزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة الفكر التنظيمي نفسه، الذي ظل أسيراً لمنطق المغالبة والهيمنة واحتكار الحقيقة، وهو ما قاد في النهاية إلى سقوط المشروع بأكمله تحت ضغط الشارع ورفض مؤسسات الدولة والمجتمع.

 

التمكين قبل الدولة.. كيف تعامل الإخوان مع الحكم باعتباره غنيمة تنظيمية؟

 

من أبرز الأخطاء التي اعترفت بها قيادات إخوانية سابقة، أن الجماعة تعاملت مع الدولة بعقلية التنظيم المغلق، وليس بعقلية الحزب السياسي الذي يدير شؤون بلد متعدد الاتجاهات والانتماءات. فبمجرد وصولها إلى السلطة، انطلقت الجماعة في محاولة واسعة لإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، عبر تعيين عناصر محسوبة عليها داخل مفاصل الإدارة والوزارات والهيئات المختلفة.

قيادات منشقة تحدثت عن أن مكتب الإرشاد ظل صاحب القرار الحقيقي خلال فترة حكم محمد مرسي، وأن مؤسسة الرئاسة لم تكن تملك استقلالية كاملة في الملفات الكبرى. كما أشارت شهادات داخلية إلى أن عدداً من القرارات السياسية الحساسة كان يُناقش داخل اجتماعات تنظيمية مغلقة قبل إعلانه رسمياً، في مشهد عزز المخاوف من وجود “دولة موازية” تدير المشهد من خلف الستار.

هذا النهج أثار قلق قطاعات واسعة من المصريين، خصوصاً مع تصاعد الحديث آنذاك عن “أخونة الدولة”، وهو المصطلح الذي استخدم لوصف محاولات الجماعة زرع كوادرها داخل المؤسسات الإدارية والإعلامية والنقابية.

 وبدلاً من طمأنة الشارع، دخلت الجماعة في مواجهات متتالية مع القضاء والإعلام والقوى المدنية، ما عمّق الاستقطاب السياسي بصورة غير مسبوقة.

كما كشفت دراسات سياسية تناولت مرحلة حكم الإخوان أن الجماعة أخطأت في قراءة طبيعة الدولة المصرية، إذ تعاملت معها باعتبارها جهازاً يمكن السيطرة عليه تنظيمياً، متجاهلة التعقيدات التاريخية والمؤسسية للمشهد المصري. وقد أدى ذلك إلى صدام مبكر مع مؤسسات الدولة، التي رأت في مشروع الإخوان تهديداً مباشراً لتوازناتها التقليدية.

ولم تتوقف الأزمة عند حدود الإدارة السياسية، بل امتدت إلى المجال الاجتماعي والثقافي، حيث تصاعدت المخاوف من محاولة فرض رؤية أيديولوجية ضيقة على المجتمع، وبدلاً من تقديم نموذج حكم جامع، بدا الإخوان وكأنهم يسعون إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية تنظيمية مغلقة، الأمر الذي ساهم في اتساع موجة الرفض الشعبي ضدهم.

 

الإقصاء السياسي.. الجماعة التي صنعت خصومها بيديها

 

واحدة من أكثر النقاط حضوراً في اعترافات المنشقين تمثلت في سياسة الإقصاء التي انتهجتها الجماعة تجاه القوى السياسية الأخرى، فبعد وصولها إلى السلطة، تصرفت قيادة الإخوان وكأن فوزها الانتخابي يمنحها حق احتكار المجال السياسي وإعادة هندسة المشهد بالكامل وفق مصالحها الخاصة.

وقد تحدثت قيادات سابقة داخل التنظيم عن تجاهل متعمد لمطالب القوى المدنية والشبابية التي شاركت في ثورة يناير، مشيرة إلى أن الجماعة فضلت الاعتماد على تحالفاتها التنظيمية الضيقة بدلاً من بناء توافق وطني واسع. 

وهذا السلوك، بحسب المنشقين، أدى إلى خسارة الإخوان سريعاً لقطاعات كانت تنظر إليهم في البداية باعتبارهم جزءاً من مشروع التغيير الديمقراطي.

وتشير شهادات منشورة في وسائل إعلام مصرية إلى أن الجماعة دخلت في صدامات متكررة مع شركائها السياسيين بسبب رغبتها في السيطرة على مفاصل الدولة والهيئات الدستورية.

 كما أن الإعلان الدستوري الذي أصدره محمد مرسي في نوفمبر 2012 مثّل نقطة تحول حاسمة، بعدما اعتبرته المعارضة محاولة لمنح الرئيس صلاحيات مطلقة وتحصين قراراته من الرقابة القضائية.

ومع تصاعد الغضب الشعبي، تجاهلت الجماعة – وفق اعترافات عدد من قياداتها السابقة – تقارير وتحذيرات داخلية كانت تشير إلى اقتراب انفجار الشارع. بل إن بعض القيادات طالبت آنذاك بتقديم تنازلات سياسية أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلا أن القيادة التنظيمية رفضت ذلك، معتبرة أن أي تراجع سيُفسَّر على أنه هزيمة للمشروع الإخواني.

الأخطر أن الجماعة لم تدرك حجم التحول الذي حدث في المزاج الشعبي إلا بعد خروج الملايين في احتجاجات 30 يونيو. فقد اعتقدت القيادة، بحسب شهادات منشقين، أن التنظيم قادر على حشد الشارع لمصلحته في أي وقت، وأن قوته التنظيمية تكفي لحمايته من السقوط، وهو ما أثبتت الأحداث لاحقاً خطأه الكبير.

 

من الخطاب الدعوي إلى العنف.. الوجه الآخر للجماعة بعد السقوط

 

ومن أكثر الملفات حساسية التي فجرتها اعترافات المنشقين، تلك المتعلقة بعلاقة الجماعة بالعنف بعد سقوط حكمها، فبينما ظلت قيادة الإخوان تقدم نفسها كتيار “سلمي”، كشفت شهادات عديدة عن وجود أجنحة ولجان داخل التنظيم تبنت خطاباً أكثر تشدداً، خصوصاً بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة.

تقارير إعلامية وشهادات قيادات منشقة تحدثت عن ما عُرف بـ”اللجان النوعية”، وهي مجموعات اتُّهمت بتنفيذ عمليات استهدفت منشآت أمنية وحكومية خلال السنوات التي أعقبت سقوط حكم الجماعة. 

وقد أشار بعض المنشقين إلى أن قيادات داخل التنظيم وفرت غطاءً سياسياً وإعلامياً لهذه المجموعات، عبر خطاب تحريضي يبرر العنف باعتباره “مقاومة”.

هذه التطورات كشفت، وفق باحثين في شؤون الإسلام السياسي، ازدواجية الخطاب الإخواني، إذ حاولت الجماعة الظهور أمام الخارج كتيار ديمقراطي، بينما كانت داخلياً تعيد إنتاج خطاب تعبوي قائم على فكرة “المظلومية” والصدام مع الدولة والمجتمع.

كما ساهمت هذه المرحلة في خروج أعداد من الشباب الإخواني نحو جماعات أكثر تشدداً، بعدما شعر كثيرون داخل التنظيم أن القيادة دفعتهم إلى مواجهة مفتوحة دون امتلاك رؤية سياسية واضحة. وتشير دراسات متخصصة إلى أن حالة الانغلاق التنظيمي وغياب النقد الداخلي ساعدا في تصاعد النزعات الراديكالية داخل بعض الأوساط الإخوانية بعد 2013.

في الوقت نفسه، أظهرت اعترافات منشقين أن الجماعة فشلت في إجراء مراجعات حقيقية بعد سقوطها، حيث استمرت قيادات عديدة في إنكار الأخطاء وتحميل المسؤولية فقط لـ”المؤامرات الخارجية”، ما عمّق الانقسامات الداخلية وأدى إلى موجات متلاحقة من الانشقاقات والصراعات التنظيمية.

 

أزمة الفكر والتنظيم.. لماذا عجز الإخوان عن مراجعة أنفسهم؟

 

تكشف الاعترافات، المتتالية الصادرة عن قيادات وأعضاء سابقين أيضا، أن أزمة الإخوان لم تكن أزمة سلطة فقط، بل أزمة فكر وتنظيم في المقام الأول. فالجماعة التي تأسست على مبدأ “السمع والطاعة” وجدت نفسها عاجزة عن تقبل النقد أو مراجعة خياراتها حتى بعد السقوط المدوي لمشروعها السياسي.

وتحدث عدد من المنشقين عن “تقديس القيادة” داخل التنظيم، وعن غياب أي آليات حقيقية للمحاسبة الداخلية. كما أشاروا إلى أن الثقافة التنظيمية للإخوان كانت تعتبر أي اعتراض تهديداً لوحدة الصف، ما جعل الجماعة تدخل في حالة من الجمود الفكري والسياسي.

دراسات بحثية تناولت بنية الجماعة أكدت أن الإخوان ظلوا أسرى أفكار تقليدية تعود إلى عقود مضت، دون تطوير حقيقي لرؤيتهم للدولة والمجتمع. كما أن اعتمادهم المفرط على البنية السرية والتنظيم الهرمي المغلق جعلهم أقل قدرة على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية الحديثة.

وتفاقمت الأزمة أيضاً بسبب الصراعات الداخلية بين الأجنحة المختلفة داخل التنظيم، خصوصاً بعد سقوط الحكم، حيث تبادل القادة الاتهامات بشأن مسؤولية الانهيار. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الخلافات إلى انشقاقات علنية أضعفت بنية الجماعة وأفقدتها جزءاً كبيراً من قدرتها على الحشد والتأثير.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية