لماذا يجب منع إيران من الحصول على سلاح نووي؟

لماذا يجب منع إيران من الحصول على سلاح نووي؟

لماذا يجب منع إيران من الحصول على سلاح نووي؟


29/04/2026

حذّر مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، قبل أيام من أن العالم قد يكون أمام تحولات استراتيجية خطيرة وعميقة، حيث تخطط حوالي عشرين دولة في أوروبا وآسيا بشكل جدي لامتلاك السلاح النووي، على خلفية تصاعد التوترات الدولية المرتبطة بحرب إيران، وتراجع الثقة في منظومة الأمن العالمي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل ميزان القوى بالكامل. وأشار غروسي إلى سيناريو ما يُعرف بـ"تأثير الدومينو"، حيث يؤدي امتلاك دولة واحدة للسلاح النووي إلى دفع دول أخرى للسير في الطريق نفسه، حفاظًا على ميزان الردع. ووفقًا لهذه الرؤية، فإن دولًا في شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وفي أوروبا مثل بولندا، بدأت بالفعل مراجعة خياراتها الاستراتيجية، وهو ما يعني أن العالم قد يدخل سباق تسلح نووي واسع يتجاوز بكثير ما شهده خلال الحرب الباردة.

ولعل من أخطر ما يُطرح بهذا الخصوص هو ظهور اتجاهات جديدة في أوساط الدول الطامحة لإنتاج أسلحة نووية، من خلال تطوير قدرات نووية بشكل غير مباشر أو مشترك، في محاولة للالتفاف على القيود الدولية، وهو ما يعني تآكل منظومة منع الانتشار النووي وكسر ركائز الاستقرار العالمي. وبالتزامن، برزت اتجاهات لدى بعض الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للانسحاب منها، وهو ما يمثل ضربة قوية للنظام الدولي، وسباقًا بين الكثير من الدول، وخاصة التي تشهد صراعات إقليمية قائمة أو "كامنة" قابلة للانفجار لأسباب مختلفة.

الدول التي تخطط لإنتاج واقتناء أسلحة نووية، يأتي ذلك في ظل تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وثبوت امتلاك إيران مخزونًا كبيرًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب بشكل خطير من مستوى الاستخدام العسكري، بالإضافة إلى كميات كبيرة أيضًا من اليورانيوم المخصب بنسب أقل، والقابلة للزيادة وبالتالي إنتاج أسلحة نووية.

في الشرق الأوسط، يبدو أن الرغبة بامتلاك سلاح نووي تكتسب أهمية خاصة، مشروطة بحال امتلاك إيران لسلاح نووي، وذلك بهدف الحفاظ على توازن الردع في المنطقة. وتُعدّ المملكة العربية السعودية الدولة الأكثر وضوحًا في هذا الملف؛ حيث سبق وصرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مناسبات متعددة بأن "المملكة ستطور قنبلة نووية في أسرع وقت ممكن إذا قامت إيران بذلك". علمًا بأن تسريبات وتكهنات تتردد، خاصة في أوساط غربية وإسرائيلية، حول تفاهمات استراتيجية مع باكستان قد تسهّل الحصول على تقنيات إنتاج سلاح نووي. ويبدو أن تركيا غير بعيدة عن هذا السباق؛ حيث صرّح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، في فبراير 2026 بأن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يُجبر دول المنطقة، بما في ذلك تركيا، على دخول سباق تسلح نووي. ويُشار أيضًا إلى مصر كمرشح محتمل في أي سباق تسلح نووي إقليمي للحفاظ على مكانتها الاستراتيجية، وبالتزامن فإن تحليلات تشير إلى أن الإمارات العربية من أكثر دول المنطقة المرشحة لحيازة سلاح نووي، في حال شهدت المنطقة سباقًا في برامج التسلح النووي.

ومن المؤكد أن عوامل فقدان الثقة المتبادل تقف وراء الرفض الدولي لامتلاك النظام الإيراني سلاحًا نوويًا، لأسباب لا تتوقف عند الجوانب التقنية للبرنامج النووي، بل تتعدى ذلك إلى أبعاد سياسية وتاريخية وأمنية معقدة. فمن جهة، تتبع إيران سياسة التكتم والسرية بعيدًا عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما ولّد قناعة بوجود "نوايا مشبوهة" خلف السعي لحيازة هذا السلاح، رغم مزاعم طهران أن برنامجها مخصص لإنتاج الكهرباء والأغراض الطبية. إلا أن مستوى تخصيب اليورانيوم (الذي وصل إلى 60%) يتجاوز الاحتياجات المدنية المعتادة، وهو ما يراه الخبراء دليلًا على السعي للوصول إلى "عتبة" إنتاج القنبلة. ومن جهة أخرى، تخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن امتلاك إيران للسلاح النووي قد يُستخدم لتهديد وجود إسرائيل أو تدميرها تحت غطاء "الردع النووي". ومن المؤكد أن حصول إيران على السلاح النووي سيؤدي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة، حيث قد تسعى دول أخرى لامتلاك قدرات مماثلة لموازنة القوة.

إن انعدام الثقة بسلوك إيران الإقليمي ودعمها لجماعات مسلحة مثل: الحشد الشعبي، حزب الله، الحوثيين، وحماس، حيث يُخشى أن يوفر السلاح النووي حصانة لهذه الأنشطة ويجعل المواجهة معها أكثر خطورة. كما أن تبنّي النظام الإيراني أيديولوجيا معادية للغرب يجعل امتلاك إيران لمثل هذا السلاح خطرًا حقيقيًا على البشرية. وقد أثبتت تطورات المواجهات الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل مع إيران أن إيران، لو امتلكت سلاحًا نوويًا، فلن تتوانى عن استخدامه، ليس ضد إسرائيل وأمريكا فحسب، بل ضد دول الخليج العربي.

وبالخلاصة، لا أعتقد أن مشكلة المجتمع الدولي مع أية دولة تطمح لامتلاك مفاعلات نووية لاستخدامها في حقول مدنية "إنتاج الكهرباء والطب مثلًا"، لكن المشكلة تبقى في حجم الثقة بالنظام السياسي الطامح لامتلاك هذا السلاح. فإسرائيل والهند وباكستان وحتى كوريا الشمالية تمتلك أسلحة نووية وخاضت الكثير من الحروب، لكنها لم تستخدم هذا السلاح ولم تهدد باستخدامه. وحتى روسيا لم تهدد عواصم أوروبا بالسلاح النووي على هامش حربها مع أوكرانيا، رغم معرفتها بالدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا. فكل هذه الدول تعلم أن السلاح النووي هو سلاح ردع دفاعي لضبط أي تهور عند الخصوم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية