سراب "الميدان" الافتراضي :استراتيجيات الإخوان في إعادة تدوير الفوضى وتزييف الوعي

سراب "الميدان" الافتراضي :استراتيجيات الإخوان في إعادة تدوير الفوضى وتزييف الوعي

سراب "الميدان" الافتراضي :استراتيجيات الإخوان في إعادة تدوير الفوضى وتزييف الوعي


26/04/2026

لم تعد دعوات التظاهر والتحريض التي تطلقها منصات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تحت مسميات" حركة ميدان" أو غيرها مجرد حراك سياسي تقليدي، بل تحولت إلى حالة نفسية تعويضية تعيشها الجماعة في شتاتها الدولي. فكلما تآكلت القواعد التنظيمية في الداخل، وزاد الانقسام الهيكلي في الخارج، اندفع العقل المدبر للتنظيم نحو استدعاء" رمزية الميدان" كأداة وحيدة لمحاولة بعث الروح في جسد هامِد.  

إنّ ظهور هذه الحركة مجدداً في الفضاء الرقمي يمثل محاولة لإعادة إنتاج "اللحظة الصفرية "لعام2011، لكن في سياق زمني وموضوعي مختلف تماماً، إذ تراهن الجماعة على" الذاكرة القصيرة" وعلى استثمار الأزمات المعيشية العالمية لتمرير أجندة تنظيمية ضيقة تتخفى وراء شعارات المصلحة العامة.

استراتيجية "الواجهات الهلامية" والهروب من لافتة الجماعة

تدرك جماعة الإخوان المسلمين أنّ اسمها بات يمثل عائقاً أمام أيّ حراك شعبي حقيقي، نتيجة الارتباط الذهني لدى المواطن بين الجماعة وبين أحداث العنف وعدم الاستقرار، لذا تعتمد الجماعة في تحركاتها الأخيرة على ما يُعرف بـ" الواجهات الهلامية" أو" الحركات المجهولة "مثل "حركة ميدان"، وهي كيانات تفتقر إلى القيادة المعلنة أو البرنامج السياسي الواضح، وتكتفي بالتحريض الفوضوي. 

الهدف من هذا التخفي هو الالتفاف على الرفض الشعبي للجماعة، ومحاولة استدراج فئات اجتماعية غير مؤدلجة تعاني من ضغوط اقتصادية، ليكونوا هم وقود المواجهة في الشارع بينما يظل التنظيم الأصلي في مأمن من المحاسبة المباشرة. 

هذه السيولة التنظيمية تمنح الجماعة قدرة على" الإنكار المعرفي"، حيث تروج أنّ الحراك شعبي وعفوي، في حين أنّ المحركات الرقمية والتمويلات الإعلامية تدار بالكامل من غرف عمليات التنظيم الدولي.

الفوضى الوظيفية: استغلال الأزمات الاقتصادية كوقود سياسي

تتحرك "حركة ميدان" وفق مبدأ "الفوضى الوظيفية"، إذ لا تهدف هذه الدعوات إلى إحداث تغيير سياسي بناء بقدر ما تهدف إلى تقويض أركان الدولة الوطنية. ويعتمد الخطاب التحريضي لهذه الحركة على الانتقائية الشديدة، حيث يتم تضخيم التحديات الاقتصادية المحلية وفصلها عن سياقها العالمي، وتقديمها كدليل على فشل الدولة.

هذا النوع من "الاستثمار في الألم" يكشف عن براغماتية الجماعة التي ترى في معاناة المواطن مجرد" ثغرة "يمكن النفاذ منها لهزّ الثقة بين الشعب ومؤسساته. وبدلاً من تقديم حلول أو رؤى بديلة، يركز خطاب "ميدان "على شحن المشاعر وتأجيج الغضب، مراهناً على أنّ الضغط المعيشي قد يدفع الناس نحو الانتحار السياسي وتكرار سيناريوهات الفوضى التي دمرت دولاً مجاورة، وهو ما يكشف عن انفصال تام بين مصالح الجماعة ومصالح الوطن.

"الميدان الرقمي" وصناعة الزخم الزائف عبر الخوارزميات

تمثل "حركة ميدان "النموذج الأوضح لما يمكن تسميته بـ" الثورة الافتراضية"، حيث يتم استبدال الجماهير الحقيقية بـ" الذباب الإلكتروني" والمزارع البرمجية.  وتعتمد الاستراتيجية هنا على خلق حالة من "العدوى النفسية "عبر رفع وسوم "هاشتاغات "معينة إلى قائمة الاهتمام، وهو ما يوحي للمراقب أو المواطن البسيط بأنّ هناك إجماعاً على النزول أو التمرد. هذه الصناعة الزائفة للزخم تهدف إلى كسر حالة الاستقرار النفسي لدى المجتمع، وإيهام العالم الخارجي بأنّ الدولة تعيش حالة من عدم الاستقرار.

الفجوة الهائلة بين ما يُنشر على هذه المنصات وبين هدوء الشوارع الحقيقية تعكس أزمة الجماعة في إدراك الواقع، حيث باتت تعيش في" فقاعة افتراضية"  من صنعها، معتقدة أنّ التفوق في معارك "الترند" يمكن أن يترجم إلى سيطرة على الأرض، وهو وهم أثبتت السنوات الأخيرة فشله الذريع.

صراع الأجنحة وتحويل" الميدان "إلى ورقة اعتماد دولية

لا ينفصل بعث "حركة ميدان" عن الصراعات الداخلية المحتدمة بين قطبي الجماعة في لندن وإسطنبول. ففي ظل التنافس على التمويل والاعتراف الدولي بتمثيل التنظيم، يسعى كل جناح لإظهار قدرته على تحريك الشارع المصري.  تتحول دعوات التظاهر هنا إلى" ورقة اعتماد "يقدمها قادة التنظيم الدولي للجهات المانحة أو القوى الإقليمية، لإثبات أنّهم ما زالوا يملكون أدوات التأثير في القاهرة.  

هذا الصراع يحول القواعد الشبابية في الداخل إلى" أدوات تجارب" في معارك قيادات الخارج، حيث يتم الدفع بهم نحو مخاطر أمنية وقانونية جسيمة من أجل تحسين الموقف التفاوضي لهذا الجناح أو ذاك. إنّ استغلال تطلعات الشباب وتحويلها إلى مجرد أرقام في صراع الأجنحة يؤكد فقدان الجماعة لأيّ بُعد أخلاقي في ممارستها السياسية.

الوعي الشعبي والممانعة ضد" العودة إلى المجهول"

تتجلى أهم أسباب فشل "حركة ميدان" في صمود الوعي الجمعي المصري أمام محاولات التزييف. لقد تشكل لدى الإنسان المصري، عبر تجارب العقد الماضي، نوع من "الحصانة الوطنية" ضد دعوات الفوضى، خاصة بعد أن رأى مآلات الحركات التي ادعت الثورية ثم تحولت إلى أدوات للهدم والتقسيم. يدرك الشارع اليوم أنّ ثمن" الميدان" الذي يروج له الإخوان هو ضياع الأمن القومي وتوقف عجلة البناء، وهو ثمن باهظ لا يرغب أحد في دفعه مجدداً.

إنّ وضوح الارتباط بين هذه الدعوات وبين منصات إعلامية تبث من الخارج وتتبنّى أجندات معادية للدولة بشكل صريح، جعل من "حركة ميدان" مرادفة في الوعي العام  لـ "العمالة" أو" التخريب المتعمد"، وهو ما أدى إلى حالة من العزلة التامة لهذه الدعوات التي لم تعد تجد صدى سوى في الدوائر الضيقة الموالية للتنظيم.   




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية