
مثلت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والجمهورية الإسلامية الإيرانية لغزاً للباحثين في شؤون الحركات الراديكالية؛ فهي علاقة تتجاوز الحواجز المذهبية "السنية-الشيعية" لتستقر في منطقة المصالح الحركية العميقة.
ومع اندلاع الحرب الحالية في المنطقة (عملية طوفان الأقصى وما تبعها من تصعيد إيراني-إسرائيلي)، سارع التنظيم الدولي للإخوان وفروعه في المنطقة إلى تقديم دعم غير مسبوق للتحركات الإيرانية، وهو ما بدا للشارع العربي مفاجئاً، لكنّه في عُرف الجماعة ليس سوى تجلٍ صارخ لـ "البراغماتية الفجة".
ويرى مراقبون أنّ اهتمام الإخوان بدعم طهران في هذه اللحظة ليس نابعاً من وحدة العقيدة، بل من وحدة "العدو" ووحدة "المصير السياسي". ومع اقتراب الحرب من نهايتها أو تبلور ملامح "اليوم التالي" تبرز تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما يريده الإخوان من طهران في المرحلة القادمة، وكيف يخطط التنظيم لاستثمار "العباءة الإيرانية" لضمان بقائه في مشهد إقليمي يلفظه من كل جانب.
البحث عن "رئة استراتيجية" في زمن العزلة
يريد الإخوان من طهران في المقام الأول أن تكون "الرئة البديلة" التي يتنفسون من خلالها، بعد أن ضاقت بهم السبل في عواصم كانت تعتبر "ملاذات آمنة". فمع التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية التركية والتقارب مع مصر ودول الخليج، وتزايد الضغوط على قطر لتغيير سياسات احتضان الرموز الإخوانية، تجد الجماعة نفسها في حالة "يُتم سياسي" غير مسبوق.
في هذا السياق يمثل الارتماء في حضن طهران رغبة في العثور على "عمق استراتيجي" لا يخضع للضغوط الغربية أو الإقليمية التي تطارد التنظيم. الإخوان يريدون من طهران أن تفتح لهم أبواب العواصم التي تسيطر عليها (بغداد، بيروت، دمشق) لتكون مراكز بديلة للاجتماعات الدولية وإدارة الاستثمارات المالية بعيداً عن أعين أجهزة الاستخبارات الدولية. إنّهم يسعون لتحويل "محور المقاومة" إلى "شبكة أمان" تضمن عدم تسليم قياداتهم أو تجفيف منابع تمويلهم، مقابل تقديم خدماتهم الوظيفية في حشد الشارع السنّي لصالح الأجندة الإيرانية.
استدامة "الورقة المسلحة" وإعادة ترميم حماس
تمثل حركة حماس (الفرع الفلسطيني للجماعة) "جوهرة التاج" في المشروع الإخواني الراهن، والوسيلة الوحيدة التي تمنح الجماعة شرعية "المقاومة" أمام الجماهير. لذا فإنّ المطلب الإخواني الأهم من طهران بعد انتهاء الحرب هو ضمان "إعادة الإعمار العسكري" لحماس.
تدرك الجماعة أنّ أيّ تسوية سياسية قادمة قد تضعف نفوذها في غزة، لذا فهي تريد من إيران استمرار ضخ السلاح والتمويل والخبرات التقنية لإبقاء "البندقية الإخوانية" حاضرة في المعادلة الفلسطينية. يريد الإخوان من طهران ألّا تتخلى عن حماس في صفقات "اليوم التالي"، وأن تظل غزة، أو ما تبقى من نفوذهم فيها، منصة انطلاق لإحراج الأنظمة العربية الوطنية.
هذا الارتباط العسكري يمنح الإخوان "فيتو" على أيّ حلول سياسية لا تضمن بقاءهم كطرف أصيل، وهو ما تلتقي فيه مصلحتهم مع طهران التي تريد بقاء "أوراق الضغط" المسلحة في يدها للمساومة بها في ملفاتها الكبرى مع الغرب.
التنسيق الإعلامي وصناعة "السردية البديلة"
على صعيد القوة الناعمة يسعى الإخوان بعد الحرب إلى تعميق "الاندماج الإعلامي" مع الماكينة الإيرانية. تدرك الجماعة أنّ قدرتها على التأثير في الشارع العربي تراجعت، لذا فهي تريد الاستفادة من الإمكانيات التقنية والمالية والمنصات الرقمية التابعة لمحور طهران لترويج سردية "الانتصار الإلهي"و"وحدة الساحات".
الهدف هنا هو خلق "تيار هجين" يجمع بين الحماس الإخواني والتمويل الإيراني، لمهاجمة نموذج "الدولة الوطنية" في المنطقة العربية وتصويره كنموذج "متخاذل".
ويريد الإخوان من طهران أن تكون منصاتهم الإعلامية في لندن وإسطنبول وبيروت منسجمة تماماً مع الخطاب الإيراني، لتشكيل ضغط "كمّاشة" على الوعي العربي، حيث يتم استبدال الانتماء الوطني بالانتماء إلى "الأممية الإسلامية" (بشقيها الإخواني والخميني)، وهو ما يوفر للجماعة غطاءً جماهيرياً يحميها من الملاحقة السياسية تحت مسمّى الدفاع عن قضايا الأمة.
المقايضة على "الساحة السنية": الإخوان جسر نفوذ
في غرف العمليات المغلقة يقدّم الإخوان أنفسهم لطهران بوصفهم "البوابة الوحيدة" لاختراق الشارع السنّي الذي ما يزال يشعر بالريبة تجاه المشروع الصفوي. يريد الإخوان من طهران دعماً سياسياً واعترافاً بدورهم كـ "وكلاء حصريين" للإسلام السنّي في مناطق النفوذ الإيراني، خاصة في العراق وسوريا.
فبعد انتهاء الحرب يطمح الإخوان إلى استعادة دورهم في هذه الدول عبر وساطة إيرانية تمنحهم مساحات للنشاط السياسي والاجتماعي، مقابل قيامهم بـ "تلطيف" صورة النفوذ الإيراني لدى الشعوب السنّية. هذه المقايضة تمنح الإخوان فرصة للعودة إلى المشهد في دول حُظروا فيها، وتمنح طهران شرعية "عابرة للمذاهب" لمشروعها الإقليمي.
الجماعة تريد أن تكون "الجسر" الذي تمرّ عليه إيران نحو القلوب السنّية، وهو دور وظيفي يضمن للإخوان بقاءً سياسياً مدفوع الثمن، حتى لو كان ذلك على حساب سيادة دولهم وأمن مجتمعاتهم.
تأمين الثروة وشبكات "غسيل الأموال"
لا تغيب الحسابات المالية عن العقل الإخواني في علاقته مع طهران؛ فبعد انتهاء الحرب وتشديد الرقابة الدولية على التحويلات المالية المرتبطة بالتنظيم، يتطلع الإخوان إلى استخدام "الممرات المالية" الإيرانية الملتوية (التي اعتادت طهران استخدامها للالتفاف على العقوبات) لتأمين استثمارات الجماعة.
يريد الإخوان من طهران أن توفر لرجال أعمالهم وجمعياتهم الخيرية غطاءً في العراق ولبنان وسوريا، لتدوير الأموال بعيداً عن رقابة "مجموعة العمل المالي"(FATF) ، وهذا التعاون المالي يمثل "شريان حياة" للتنظيم الدولي الذي يعاني من أزمة سيولة غير مسبوقة. إنّ تحويل الأموال تحت لافتات "إعادة إعمار غزة" أو "دعم المقاومة" يمثل فرصة ذهبية للإخوان لغسل أموالهم وإعادة ضخها في أنشطتهم التنظيمية، وهو ما ترحب به طهران التي تستخدم هذه الشبكات المالية لتعزيز نفوذها الخاص وتوزيع الأدوار بين أذرعها.
التحالف بين "الولي الفقيه" و"المرشد العام"
تخلص القراءة التحليلية للمشهد إلى أنّ ما يريده الإخوان من طهران بعد انتهاء الحرب هو "عقد إذعان" جديد يضمن لهم البقاء كجزء من محور إقليمي فاعل، بعد أن سقطت مشاريعهم الوطنية في عواصم الربيع العربي. إنّ دعم الإخوان لإيران ليس موقفاً مبدئياً، بل هو "رهان اليائس" على قوة إقليمية تتقاطع معهم في هدف تدمير نموذج الدولة الحديثة.
هذا التحالف يكشف زيف الادعاءات الإخوانية حول الحرص على الهوية السنّية أو السيادة العربية؛ فما تريده الجماعة هو "التمكين" بأيّ ثمن، ولو كان ذلك عبر التحول إلى مخلب قط في مشروع "ولاية الفقيه". إلا أنّ التاريخ يعلمنا أنّ مثل هذه التحالفات الانتهازية غالباً ما تنتهي بابتلاع الطرف الأقوى (إيران) للطرف الأضعف (الإخوان)، ليجد التنظيم الدولي نفسه في نهاية المطاف مجرد "أداة وظيفية" تم استنفادها في حرب ليست حربه، ليبقى السودان ومصر ودول الخليج في مأمن من هذه المناورات بفضل وعي الدولة الوطنية وجاهزيتها لمواجهة هذا "المحور الهجين".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

