بين الاعتماد على طهران والتبرؤ منها سياسياً... هل تنجح مناورة البرهان المعقدة؟

بين الاعتماد على طهران والتبرؤ منها سياسياً... هل تنجح مناورة البرهان المعقدة؟

بين الاعتماد على طهران والتبرؤ منها سياسياً... هل تنجح مناورة البرهان المعقدة؟


09/04/2026

 

ذهبت تقديرات أوروبية إلى أنّ القيادة الحالية للجيش السوداني قد تكون بصدد تشكيل بنية عسكرية ذات طابع إيديولوجي، بما يحمله ذلك من مخاطر لا تقتصر على الداخل السوداني، بل تمتد إلى الإقليم، في ظل الحديث عن علاقات متشابكة مع أطراف خارجية، من بينها إيران. ويأتي ذلك في سياق تحولات دولية لافتة، من بينها تصنيف فرع جماعة الإخوان في السودان ضمن قوائم الإرهاب، وهو ما يعكس تغيراً في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، وانتقالها من كونها نزاعاً داخلياً إلى ملف يرتبط بالأمن الإقليمي وشبكات التطرف.

وكان بيان الخارجية الأمريكية واضحاً عند تصنيف الإخوان ضمن قوائم الإرهاب قائلاً: إنّ "تنظيم الإخوان المسلمين في السودان يستخدم العنف غير المقيّد ضد المدنيين بهدف تقويض الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان وتعزيز إيديولوجيته العنيفة". وأضاف: "مقاتلو التنظيم الذين تلقّى العديد منهم تدريباً ودعماً آخر من الحرس الثوري الإيراني، نفذوا عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين".

رأس حربة للإرهاب الإسلاموي

قال البيان الأمريكي: إنّ لواء "البراء بن مالك" التابع لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان قد أُدرج في أيلول/سبتمبر 2025 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 لدوره في الحرب الوحشية الدائرة في السودان.

وتابع: "وبصفتها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، قام النظام الإيراني بتمويل وتوجيه أنشطة خبيثة حول العالم عبر الحرس الثوري الإيراني. وستستخدم الولايات المتحدة جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد التي تمكّنها من الانخراط في الإرهاب أو دعمه".

ويمكن القول إنّه مع اندلاع الحرب بإيران بدأت ملامح تحول جيوسياسي تتشكل في القرن الأفريقي من خلال هذا التحالف أو التخادم السياسي بين الإخوان بالجيش السوداني وتبعيتهم لإيران. فالمسعى الإسرائيلي لإنشاء موطئ قدم متقدم قرب ميناء بربرة في أرض الصومال، الذي قُدّم باعتباره خطوة لاحتواء تهديدات الحوثيين عبر باب المندب، أخذ منحى مغايراً، ليصبح عامل جذب لردود إيرانية غير مباشرة، تفتح جبهة جديدة للصراع خارج مسرحه التقليدي. إذ بدأت ملامح هذا التحول مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في كانون الأول/ديسمبر 2025، في خطوة غير مسبوقة من دولة عضو في الأمم المتحدة. أعقب ذلك تحرك دبلوماسي وأمني سريع، شمل زيارات رسمية ومشاورات حول ترتيبات دفاعية واستخباراتية، وصولاً إلى عمليات مسح ميداني لمواقع محتملة داخل بربرة ومحيطها، كما تشير دراسة لـ (هورن نيوز).

غير أنّ ما بدا في حينه ترتيبات استراتيجية متكاملة، بدأ يتكشف تدريجياً كمعادلة محفوفة بالمخاطر. فالموقع ذاته الذي يمنح أفضلية في مراقبة البحر الأحمر، يجعله في الوقت نفسه هدفاً سهلاً لهجمات منخفضة الكلفة، خاصة من جانب الحوثيين المدعومين من إيران. وقد سارع الحوثيون إلى إعلان أيّ وجود إسرائيلي في أرض الصومال هدفاً مشروعاً، في موقف يعكس إدراكاً لأهمية هذه النقطة الجغرافية. ومع غياب ضربات فعلية حتى الآن، فإنّ المعطيات التقنية تشير إلى أنّ تنفيذها لا يواجه عوائق تُذكر، في ظل امتلاك الجماعة قدرات صاروخية ومسيّرة أثبتت فاعليتها على مسافات أبعد بكثير.

ما يميز هذا التطور أنّه لا يندرج ضمن أنماط التهديد التقليدية في البحر الأحمر، مثل القرصنة أو استهداف الملاحة، بل يمثل انتقالاً نحو استغلال "المناطق الرمادية" في النظام الدولي، مناطق لا تخضع لقواعد واضحة، لكنّها تملك قيمة استراتيجية عالية، وهو ما يجعلها بيئة مثالية للصراعات غير المباشرة، بحسب ما يشير تقرير لمنصة (هورن نيوز) المختصة بالشأن الأفريقي. وبذلك يتحول القرن الأفريقي من هامش جغرافي للصراع إلى مسرح محتمل له، في سياق إعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمي والدولي.

حسابات سياسية معقدة

بحسب الموقع ذاته، تكشف تحركات القوات المسلحة السودانية، بقيادة البرهان، عن معادلة معقدة تحكم سلوكها في خضم التفاعلات الإقليمية المتسارعة. ففي الوقت الذي يعتمد فيه الجيش بشكل متزايد على الدعم العسكري الإيراني لتعزيز قدراته القتالية، يحرص في المقابل على إظهار مسافة سياسية واضحة مع طهران، في محاولة لتفادي كلفة الاصطفاف العلني ضمن محور إقليمي بات هدفاً مباشراً للولايات المتحدة وإسرائيل. هذه الازدواجية لا تعكس تناقضاً بقدر ما تمثل استراتيجية بقاء مدروسة تفرضها طبيعة المرحلة. فالسودان، في ظل الحرب الدائرة داخلياً وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط، يتحرك وفق مسارين متوازيين؛ الحفاظ على خطوط إمداد عسكرية غير معلنة، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات سياسية وإعلامية لاحتواء التداعيات الدولية لهذا الارتباط.

ميدانياً، لعب الدعم الإيراني دوراً حاسماً في تعديل موازين القوى، خصوصاً في معارك الخرطوم. فمنذ عام 2024 وفرت الطائرات المسيّرة الإيرانية، مثل "مهاجر-6" و"أبابيل-3"، قدرات نوعية مكّنت الجيش من استعادة زمام المبادرة في مواجهة قوات الدعم السريع التي تعتمد على تكتيكات مرنة في القتال الحضري.

ويجري هذا التعاون عبر قنوات غير مباشرة، أبرزها إريتريا، التي تُستخدم كممر لوجيستي لنقل المعدات العسكرية. وتشير معطيات ميدانية إلى أنّ شحنات الطائرات المسيّرة والذخائر تصل إلى موانئ البحر الأحمر السودانية بعد تفكيكها وإعادة تجميعها. غير أنّ التصعيد الأخير في الشرق الأوسط غير قواعد اللعبة، فاستهداف القيادات بالصف الأول وربما الثاني في إيران ضمن استراتيجية "الضربات القاصمة" أنهى عملياً مرحلة "الغموض الاستراتيجي" التي سمحت لدول مثل السودان بالموازنة بين المحاور المتنافسة.

وعليه، بات أيّ ارتباط بطهران يُنظر إليه كاصطفاف صريح، ممّا يرفع كلفة هذا الخيار سياسياً، حتى وإن ظل ضرورياً أو اضطرارياً وبراغماتياً عسكرياً. وهو ما يفسر التحركات الأخيرة للبرهان التي تهدف إلى إعادة ضبط صورة الجيش خارجياً من دون التفريط بالكليّة في مصادر قوته على الأرض، وثمة تقديرات تشير إلى تزامن تعيين العطا وتغليب وجوده عبر خلايا أمنية إسلاموية كردّ فعل على محاولات البرهان الابتعاد عن التبعية لإيران وفصل عدة قادة قدموا خطابات تعبوية لصالح الأخيرة وتحويل السودان إلى منصة محتملة تنخرط في الحرب. 

استجابة للضغوط أم مناورة؟

يأتي اعتقال اللواء النّاجي عبد الله، أحد أبرز القادة المرتبطين بـ "لواء البراء بن مالك"، في هذا الإطار. فالخطوة لم تكن مجرد إجراء أمني داخلي، بل حملت دلالات سياسية واضحة، خاصة بعد تصريحات عبد الله الداعمة لإيران واستعداده للمشاركة في الدفاع عنها. وتُعدّ خطوة البرهان استجابة لضغوط فرضها قرار الولايات المتحدة بتصنيف جماعة الإخوان وذراعها العسكرية "لواء البراء بين مالك"، منظمات إرهابية، وربطها بالحرس الثوري الإيراني. وهو ما وضع الجيش السوداني أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على ضبط مكوناته ومنع انزلاقها نحو تحالفات قد تضر بموقعه الدولي.

وبالتالي، يمكن قراءة الإجراءات الأخيرة بتبايناتها باعتبارها محاولة لإعادة ترسيم الحدود بين المؤسسة العسكرية الرسمية وتشكيلاتها الرديفة، من دون الدخول في مواجهة شاملة والحفاظ على الحاجات الملحة المختلفة سياسياً واستراتيجياً وعلى المستوى الخارجي والدبلوماسي.

في ظل هذه المعطيات يجد السودان نفسه أمام معادلة صعبة؛ الحفاظ على قدرته القتالية من دون خسارة موقعه الدبلوماسي. وهي معادلة تفرض عليه السير في منطقة رمادية، تزداد ضيقاً مع تصاعد الاستقطاب الإقليمي. فكل خطوة باتت تحمل دلالات تتجاوز بعدها المباشر، وهو ما يجعل من إدارة التوازن بين التحالفات ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي. فمع أجواء الحرب في الشرق الأوسط وتزايد عسكرة البحر الأحمر، تبدو قدرة السودان على الحفاظ على هذا التوازن موضع اختبار حقيقي. فاستمرار الاعتماد على الدعم الإيراني، مقابل محاولات التبرؤ منه سياسياً، قد لا يكون قابلاً للاستدامة على المدى الطويل.


 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية