
في أحد مشاهد فيلم "طيور الظلام" للكاتب "وحيد حامد"، يدور حوار كاشف بين "فتحي نوفل"، ممثل السلطة الذي يجسده "عادل إمام"، ومحامي الجماعات الإسلامية "علي الزناتي" الذي يؤدي دوره "رياض الخولي".
في المشهد يطلب ممثل الإخوان من ممثل السلطة دعم جماعته في انتخابات النقابات، موضحًا أنّهم لا يبتغون الانتخابات "الدسمة" مثل الانتخابات البرلمانية، بل، على حد قوله، هم قانعون ويكتفون بالنقابات فقط.
هذا المشهد يعتبر نافذة لفهم عقلية الإخوان، خاصة عندما يكون المؤلف وحيد حامد، الذي يمكن اعتباره خبيراً في ملف هذه الجماعات، واستطاع عبر أعماله المتنوعة إبراز نواياهم بوضوح. والمشهد يثير سؤالًا محوريًا؛ لماذا كانت النقابات المهنية الهدف المفضل للإخوان؟
الكتلة الصغيرة وسهولة الحشد
أوّل الأسباب يتعلق بطبيعة الانتخابات نفسها، فانتخابات البرلمان تحتاج إلى مخاطبة ملايين الناخبين في دوائر واسعة ومتنوعة، بينما تقتصر انتخابات النقابات على فئة مهنية محددة مثل الأطباء أو المهندسين أو المحامين.
هذا يعني أنّ عدد الناخبين أقلّ بكثير، وأنّ الحشد والتنظيم يصبحان أسهل، فبدلًا من حملة سياسية ضخمة، يكفي بناء شبكة داخل مجتمع مهني محدود لتحقيق نتائج مؤثرة.
طريق أقصر إلى النفوذ
النقابات أيضًا تمنح الجماعات طريقًا أسرع إلى التأثير, فالفوز في مجلس نقابة يعني السيطرة على مؤسسة لها وزن اجتماعي وتنظيمي، وتضم آلاف الأعضاء الذين يجتمعون بانتظام ويشاركون في أنشطة مهنية واجتماعية.
وبهذا تتحول النقابة إلى قاعدة تنظيمية مستقرة، يمكن من خلالها بناء شبكة علاقات وتوسيع النفوذ داخل الطبقة الوسطى؛ حيث تتركز عضوية النقابات المهنية في قلب الطبقة الوسطى المتعلمة، وهي الفئة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام والبيروقراطية المهنية للدولة، لذلك يمنح النفوذ داخل النقابات الجماعة حضورًا مباشرًا فى هذه الطبقة، بما يوسع تأثيرها الاجتماعي والسياسي.
ميزة أخرى للنقابات بالنسبة إلى جماعات الإسلام السياسي أنّها تضم فئات متعلمة ومؤثرة في المجتمع: من أطباء، ومهندسين، ومحامين، وصيادلة. السيطرة على هذه النقابات تمنح أيّ تيار سياسي شرعية اجتماعية، لأنّه يظهر كأنّه يحظى بدعم النخبة المهنية.
وهذه الشرعية قد تكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من مجرد الفوز بعدد من المقاعد البرلمانية.
النقابات توفر مجالًا واسعًا لتقديم الخدمات للأعضاء، مثل المساعدات الاجتماعية، والدعم المهني، وبرامج التدريب. وهذه الخدمات تخلق علاقة مباشرة بين التنظيم وأعضائه، بحيث تتحول النقابة إلى أداة لبناء الولاء السياسي. وفي هذه الحالة يستطيع التنظيم تجنيد أعضاء جدد بسهولة، إذ بطبيعة الحال يلجأ أفراد كل مهنة إلى نقابتهم، وعندما يجدون أنّ القائمين على النقابة من جماعة معينة ويقدمون لهم الدعم والمساعدة، يميلون إلى الانضمام إليها، فتتوسع قاعدة التنظيم تدريجيًا.
العمل في مساحة أقلّ صدامًا
في كثير من الفترات كانت الانتخابات البرلمانية ساحة صراع سياسي مباشر تخضع لقيود وضغوط كبيرة، بينما بدت النقابات أقلّ حساسية سياسيًا، ممّا جعلها هدفًا مفضلًا لجماعات الإسلام السياسي في فترات الضعف، إذ توفر مجالًا للعمل العام وبناء النفوذ تدريجيًا دون الانخراط في معارك مباشرة مع السلطة الحاكمة.
والنقابات ليست فقط مؤسسات مهنية، بل منابر مؤثرة في النقاش العام. فحين تتحدث نقابة الأطباء أو المهندسين في قضية سياسية أو اجتماعية، يُنظر إلى موقفها باعتباره صوتًا مهنيًا مستقلًا، لذلك تمنح السيطرة على النقابات الجماعة قدرة على التأثير في الرأي العام، وتقديم مواقفها السياسية في صورة مطالب مهنية أو اجتماعية.
وتوفر النقابات أيضًا مدرسة سياسية لتأهيل الكوادر. فالعمل النقابي يتيح التدريب على الانتخابات، وإدارة الحملات، وتنظيم الأعضاء، والتفاوض مع الدولة. وبذلك يحصل أعضاء الجماعة على تدريب عملي في العمل العام واكتساب الخبرة التنظيمية والسياسية. ومع الوقت تتحول هذه الخبرة إلى رصيد يمكن نقله لاحقًا إلى العمل الحزبي أو البرلماني.
السيطرة على النقابات تمنح الجماعة استقلالًا ماليًا وقدرة على توجيه العقود والمناقصات لشركات ورجال أعمال مرتبطين بها، فتنشأ بذلك شبكة اقتصاد موازٍ يغذي أنشطتها السياسية والاجتماعية بعيدًا عن رقابة الدولة المباشرة. ويتيح هذا النفوذ تقديم امتيازات للأعضاء من خلال دعم مشاريعهم، وتمويل برامج تدريبية أو اجتماعية تعزز الولاء للجماعة، لتصبح النقابات بذلك شبكة اقتصادية متكاملة.
السيطرة من أسفل الهرم
يعتمد الإخوان على استراتيجية بناء النفوذ هرمياً من القاعدة إلى القمة. يبدؤون من الأسفل، أي من المجتمع المحلي والمؤسسات المهنية مثل النقابات، حيث يمكن تكوين قاعدة اجتماعية وشبكة تنظيمية بسهولة. ومع تراكم النفوذ في الطبقات الدنيا، يصعدون تدريجيًا نحو المراكز العليا في الدولة، فتتحول السيطرة الجزئية إلى نفوذ شامل يمتد من المجتمع إلى مؤسسات الحكم.
وهكذا لم تكن النقابات هدفًا صغيرًا كما ادّعى ممثل الجماعات الإسلاموية في فيلم "طيور الظلام"، بل كانت في الواقع مدخلًا استراتيجيًا للنفوذ السياسي.
فمن داخل النقابات يمكن بناء قاعدة اجتماعية، وشبكة تنظيمية، وحين تكتمل هذه الشبكة من القاعدة إلى القمة، لا تعود النقابات مجرد مؤسسات مهنية، بل تتحول إلى جزء من بنية النفوذ السياسي وهو ما يمهد الطريق تدريجيًا للوصول إلى السلطة وتحقيق مشروع التمكين.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/01_88_0_0.jpg.webp?itok=0kQcRIcL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AC%D9%8A_10_3_2_0_0.png.webp?itok=veLM0KG3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_0.jpg.webp?itok=m6OAb2DG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A_2_0_2_4_0_1.jpg.webp?itok=kLF7uVIF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/FB_IMG_1544169028806-1.jpg.webp?itok=qwRRyDww)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6.jpg.webp?itok=04T3Qc2_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0.jpg.webp?itok=0OjY_8fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_41_2_0.jpg.webp?itok=IrREvM8t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_0.jpg.webp?itok=-ytZF2BD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_158_3.jpg.webp?itok=NsR8Qg-C)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D9%81%20%D9%8A%D8%AA%D9%85%D9%91%20%D8%AA%D8%A3%D8%B5%D9%8A%D9%84%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D9%81%D9%8A%20%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=ccZ07Hvm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_28_0_2_2.jpg.webp?itok=q-0Er-5y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1.jpg.webp?itok=MsmU4uk7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=l1Lu6_7b)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wtny_0_8_0.jpg.webp?itok=PykPrfzI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%83_0.jpg.webp?itok=bruHBiiI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_3_0.jpg.webp?itok=SMUzeMhe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_10.jpg.webp?itok=pbgfrNEL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%8A%D8%B4_9_0.jpg.webp?itok=FRVAjScv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_4_0_1_3.jpg.webp?itok=lvvR9tNH)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0.jpg.webp?itok=FehfOz8l)