
لم يأتِ حضور جماعة الإخوان المسلمين في السودان بصورة تقليدية تقتصر على النشاط الدعوي أو المشاركة السياسية المباشرة، بل تشكّل عبر عقود في هيئة شبكة متداخلة من المؤسسات الاقتصادية والمالية والإعلامية، مدعومة بواجهات مدنية وخيرية، وامتدادات ذات طابع أمني. هذه الشبكة، التي بدأت ملامحها في التكوّن منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت تدريجيًا إلى منظومة متكاملة تعمل في قطاعات متعددة، وتؤدي أدوارًا متوازية في الاقتصاد والمجتمع.
وتكمن أهمية هذه الشبكة في أنّها لا تعتمد على مسار واحد، بل تقوم على توزيع الأدوار بين كيانات مختلفة، بحيث يكمّل كل منها الآخر. فالمؤسسات الخيرية تفتح أبواب الانتشار المجتمعي، والشركات الاستثمارية توفر التمويل، والمؤسسات المالية تدير التدفقات النقدية، بينما تتولى الأذرع الإعلامية صياغة الخطاب العام. هذا التداخل منح الجماعة قدرة على الاستمرار والتأثير، حتى في ظل التغيرات السياسية التي شهدها السودان.
إمبراطورية اقتصادية خلف واجهات خيرية
تُعدّ منظمة الدعوة الإسلامية، المعروفة باسم "مدى"، واحدة من أهم الركائز التي قامت عليها هذه الشبكة. تأسست المنظمة في الخرطوم عام 1980 بقيادة عطا المنان بخيت، وضمت مجلس أمناء شمل شخصيات بارزة مثل عبد الرحمن سوار الذهب. وقد بدأت نشاطها في مجالات التنمية والتعليم والإغاثة، ممّا منحها حضورًا واسعًا داخل السودان وخارجه، ورسّخ صورتها ككيان خيري يعمل لخدمة المجتمع.
غير أنّ هذا الدور لم يظل محصورًا في الإطار الخيري، إذ شكّل صدور قانون1990 للمؤسسات الدينية نقطة تحول رئيسية في مسار المنظمة. فقد أتاح هذا القانون للمؤسسات ذات الطابع الديني الانخراط في أنشطة ربحية، وهو ما استفادت منه "مدى" لتوسيع نطاق عملها. ووفقًا لسجلات لجنة إزالة التمكين، امتلكت المنظمة عشرات الشركات التي تعمل في مجالات متنوعة تشمل التجارة والإنشاءات والصناعة والزراعة.
هذا التوسع لم يكن عشوائيًا، بل اتخذ شكل بناء شبكة اقتصادية متكاملة. ومن أبرز مكونات هذه الشبكة مجموعة DanFodio القابضة، التي أُنشئت عام 1981، وتضم شركات تعمل في مجالات الآليات الثقيلة والنقل والبترول والإسمنت والمقاولات. وقد مكّنها هذا التنوع من المشاركة في مشاريع حكومية كبرى، خاصة في مجالات البنية التحتية مثل الطرق والجسور، وهو ما أسهم في تضخم أصولها.
وفي القطاع المالي برز بنك التضامن الإسلامي كأحد الأعمدة الرئيسية لهذه المنظومة. تأسس البنك عام 1981 في الخرطوم، وقدّم خدمات مصرفية متوافقة مع الشريعة، وهو ما جعله جزءًا من البنية المالية التي تدعم أنشطة الجماعة. ورغم عدم وضوح هيكل المساهمين الحالي، فإنّ ارتباطه بمنظمة "مدى" يعكس طبيعة العلاقة بين المؤسسات المالية والشبكة الاقتصادية الأوسع.
ولم تقتصر الارتباطات المالية على هذا البنك، بل امتدت إلى مؤسسات أخرى مثل بنك الشمال الإسلامي والبنك الإسلامي السوداني وبنك البركة، إلى جانب شركات تمويل مثل شركة التمويل الوطني (الإجارة). وتشير مصادر إلى أنّ هذه الارتباطات قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، من خلال مساهمات لأفراد أو شركاء مرتبطين بالجماعة.
أمّا في القطاع الصناعي، فقد شكّلت شركة البلسم للصناعات الدوائية نموذجًا واضحًا لدخول الجماعة في مجالات إنتاجية حيوية. وأدرجت هذه الشركة ضمن شركات "مدى" منذ عام 1986، ممّا يعكس اهتمامًا مبكرًا بقطاع الأدوية. كما شملت الاستثمارات شركات أخرى مثل "المقدّس للأدوية والكيميائيات"، إلى جانب شركات تعمل في مجالات الزراعة والاستثمار.
وفي قطاع التعليم، برزت شركة النيل الأبيض للتعليم العالي التي تمثل امتدادًا للاستثمار في المجال الأكاديمي، بينما شملت الأنشطة أيضًا شركات للنقل والاستثمار مثل النقل السعودي السوداني، وشركات إنشاءات مثل دينفوديو للطرق والجسور والمرافئ للمقاولات. هذا التنوع يعكس استراتيجية تقوم على الانتشار في قطاعات متعددة، بما يقلل من المخاطر ويعزز القدرة على الاستمرار.
وتُقدّر قيمة الأصول المرتبطة بهذه الشبكة بنحو 405 ملايين دولار، تشمل عقارات ومنشآت ومصانع، مع تركّز ملحوظ في الأراضي والاستثمارات. ورغم أنّ هذه النسبة تمثل حوالي 0.6% من الناتج المحلي، فإنّ طبيعة هذه الأصول تمنحها وزنًا اقتصاديًا مؤثرًا، خاصة في القطاعات التي ترتبط بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
أذرع سياسية وإعلامية تعيد تشكيل الحضور
إلى جانب النشاط الاقتصادي، عملت الجماعة على الحفاظ على حضورها السياسي من خلال أطر متعددة. ويبرز في هذا السياق جناحان رئيسيان داخل التنظيم، يختلفان في أسلوب العمل، لكنّهما يشتركان في الانتماء إلى البنية التنظيمية نفسها.
يقود الجناح الأول سيف الدين أرباب، ويُعرف بنشاطه السياسي الواضح وسعيه للانخراط في المشهد العام. يعتمد هذا الجناح على خطاب يميل إلى الإصلاح السياسي، ويعمل على بناء علاقات مع قوى مختلفة، بما في ذلك عناصر من المكون العسكري وقيادات سابقة مثل قائد الجيش. ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة التموضع داخل الساحة السياسية، عبر الانفتاح على تحالفات أوسع.
أمّا الجناح الثاني، بقيادة الدكتور عادل علي الله إبراهيم، فيركّز على الجانب الدعوي والفكري، ويُعدّ امتدادًا للتنظيم الأم. يتميز هذا التيار بنهج أكثر تحفظًا، خاصة في التعامل مع القضايا الدولية، حيث يسعى إلى تقديم خطاب متوازن يراعي طبيعة العلاقات الخارجية.
ورغم هذا التباين، فإنّ الجناحين لا يمثلان انقسامًا تنظيميًا بقدر ما يعكسان تنوعًا في الأساليب، إذ يظلان جزءًا من كيان واحد. وتشير المعطيات إلى أنّ هذا الكيان مصنّف من قبل الولايات المتحدة كتنظيم إرهابي، ممّا يضعه تحت ضغوط دولية مستمرة.
وفي موازاة العمل السياسي، تلعب المؤسسات الإعلامية دورًا مهمًا في دعم حضور الجماعة. فقد برزت قناة طيبة الفضائية التي تبث من تركيا كإحدى أبرز المنصات الإعلامية، إلى جانب قنوات وصحف مثل "سودانية 24 والانتباهة والصيحة". وتعتمد الجماعة على مواقع إلكترونية وحسابات نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي تُستخدم لنشر الخطاب وتوسيع دائرة التأثير.
ولا تقتصر هذه الأذرع على الإعلام والسياسة، بل تشمل أيضًا منظمات مدنية وخيرية، مثل الجمعيات القرآنية والأوقاف التي تعمل في مجالات التعليم والدعوة. وتُموَّل هذه المؤسسات غالبًا من تبرعات داخلية وخارجية، وهو ما يوفر موارد إضافية ويساعد في توسيع قاعدة الدعم المجتمعي.
حضور أمني وعسكري يثير الجدل
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والسياسية والإعلامية، تشير المعلومات إلى وجود امتداد أمني وعسكري ضمن شبكة الجماعة. ويتمثل ذلك في كتائب "البراء بن مالك"، التي تُنسب قيادتها إلى المصباح طلحة، والتي شاركت في معارك في مناطق مثل دارفور والنيل الأزرق.
وقد ارتبطت هذه الكتائب بدعم من جهات إقليمية، وهو ما أضفى بُعدًا إضافيًا على طبيعة دورها. وصنّفتها الولايات المتحدة كذراع عسكرية للجماعة، وأدرجتها ضمن التنظيمات الإرهابية، ممّا يعكس حساسية هذا الملف وتأثيره على صورة الجماعة على المستوى الدولي.
هذا البُعد العسكري يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين العمل السياسي والنشاط المسلح، خاصة في سياق بلد يشهد تحديات أمنية معقدة. ويضيف عنصرًا جديدًا إلى فهم طبيعة الشبكة التي لا تقتصر على أدوات مدنية واقتصادية، بل تمتد إلى مجالات أكثر حساسية.
شبكة متعددة الأبعاد
تكشف هذه المعطيات عن بنية متشابكة تقوم على توزيع الأدوار بين كيانات مختلفة، بحيث تعمل في مجالات متوازية دون أن تنفصل عن بعضها بعضًا. فالمؤسسات الاقتصادية توفر الموارد، والمؤسسات المالية تديرها، بينما تسهم الأذرع الإعلامية في تشكيل الخطاب، وتدعم الأطر السياسية عملية الحضور في المجال العام.
هذا النموذج يفسر قدرة الجماعة على الاستمرار، إذ لا تعتمد على قناة واحدة يمكن تعطيلها، بل على شبكة من القنوات التي تدعم بعضها بعضًا. ويفسر انتشارها في قطاعات متعددة، من التعليم إلى الصناعة، ومن الإعلام إلى التمويل.
وفي الوقت نفسه، يوضح هذا التشابك مدى تعقيد تفكيك هذه الشبكة، إذ يتطلب التعامل مع منظومة مترابطة، وليس مجرد مؤسسات منفردة. وهو ما يفسر الجدل المستمر حول حجم نفوذ الجماعة وتأثيرها في الاقتصاد والمجتمع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_13_0.jpg.webp?itok=6Lx94TRE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)